لم يعرف ديفيد كوبرفيلد والده مطلقا؛ لأنه توفي قبل أن يولد ديفيد؛ لكن ديفيد لم ينس قط والدته الشابة الجميلة، ولا شعرها الجميل، وعينيها اللطيفتين اللامعتين.عندما عاد ديفيد بذاكرته إلى الأيام الضبابية لطفولته، كانت أمه هي أول شخص تذكره؛ وكذلك بيجوتي.كانت عينا بيجوتي سوداوين، ووجنتاها وذراعاها شديدة الحمرة، لدرجة أن ديفيد كان يتعجب لم لم تفضل الطيور نقرها هي على نقر ثمار التفاح.وفي عصر يوم صحو نشطت فيه الرياح، من أيام شهر مارس، وهو اليوم الذي ولد فيه ديفيد، كانت السيدة كوبرفيلد جالسة بجوار مدفأة ردهة المنزل، وعندما رفعت عينيها إلى النافذة المقابلة لها رأت في الحديقة سيدة غريبة قادمة.وعلى الرغم من أن الأرملة الشابة لم تكن قد رأتها من قبل قط؛ فإنها شعرت شعورا جازما أنها الآنسة بيتسي تروتوود؛ عمة زوجها المتوفى، التي كثيرا ما كان يتحدث عنها. لقد كان ابن أخي الآنسة بيتسي أثيرا عندها، لكنها غضبت عليه للغاية عندما تزوج مثل هذه الزوجة الشابة الأشبه ببنت صغيرة. كانت الآنسة بيتسي تسميها «دمية شمعية»، رغم أن عينيها لم تقعا عليها مطلقا قبل عصر ذلك اليوم.بدلا من أن تدق الآنسة بيتسي الجرس كأي ضيف آخر، جاءت وأخذت تنظر من النافذة إلى داخل المنزل، حيث ألصقت طرف أنفها قريبا جدا من الزجاج لدرجة أنه صار أفطس وشاحبا للغاية من أثر ضغطه بالزجاج؛ وعندما رأت جسد السيدة كوبرفيلد الشابة الشبيهة بالبنات الصغيرات في ثوب الحداد مثل الأرامل، أشارت إليها لكي تأتي وتفتح الباب.قالت الآنسة بيتسي وهي تقلب النظر فيها بازدراء: «أظنك السيدة ديفيد كوبرفيلد.»قالت السيدة كوبرفيلد بوهن: «نعم.»قالت الضيفة: «أنا الآنسة تروتوود، لقد سمعت عني، أظن هذا.»قالت السيدة كوبرفيلد إنها سمعت عنها بالفعل.قالت الآنسة بيتسي، وهي تسير خلف مضيفتها إلى الردهة: «الآن ترينني.»كانت الآنسة بيتسي تبدو مهيبة للغاية، كما أنها راحت تحدق بقوة، لدرجة أن السيدة كوبرفيلد المسكينة بدأت تبكي.قالت الآنسة بيتسي: «يا إلهي، كفى. لا تفعلي هذا! تعالي إلي! اخلعي قبعتك يا ابنتي، ودعيني أراك.»كانت السيدة كوبرفيلد خائفة جدا بحيث لم تستطع أن ترفض؛ لذا خلعت قبعة الأرامل التي ترتديها بيدين متوترتين للغاية لدرجة أن شعرها، الذي كان في غاية الجمال، سقط على وجهها.صاحت الآنسة بيتسي قائلة: «يا إلهي، يا للروعة! إنك صغيرة للغاية!»نكست السيدة كوبرفيلد المسكينة رأسها خجلا وكأنما كانت هي المسئولة، تلك البائسة، عن هيئتها التي بدت صغيرة للغاية؛ وبينما راحت تبكي وتتحسر بصوت خافت على أنها ليست سوى أرملة شبيهة بالأطفال، وأنها إذا عاشت فلن تصبح سوى أم شبيهة بالأطفال، خيل إليها أنها أحست بالآنسة بيتسي تلمس شعرها في رفق؛ لكنها عندما رفعت رأسها رأت الضيفة جالسة وقدماها على حاجز المدفأة، وقد شبكت يديها فوق ركبتها، وراحت تنظر بعبوس في النيران.قالت الآنسة بيتسي، عندما رأت مضيفتها وكأنها قد أوشكت على الإغماء: «تناولي بعض الشاي. بم تنادين خادمتك؟»قالت السيدة كوبرفيلد: «بيجوتي.»رددت الآنسة بيتسي الاسم بسخط: «بيجوتي!» ثم قالت: «أتقصدين أن تقولي إن أي إنسانة قد سميت بيجوتي عند تعميدها؟»قالت السيدة كوبرفيلد بوهن: «إنه اسم عائلتها. كان السيد كوبرفيلد يناديها به؛ لأن اسم معموديتها كاسمي تماما.»صاحت الآنسة بيتسي وهي تفتح باب الردهة: «يا بيجوتي! أحضري الشاي. إن سيدتك متعبة قليلا. لا تتلكئي.»كانت بيجوتي قادمة في الدهليز وفي يدها شمعة، لكنها وقفت مشدوهة من الصوت الغريب الذي يصيح معطيا الأوامر وكأنه صوت سيد المنزل. بعد ذلك أغلقت الآنسة بيتسي الباب من جديد، وجلست كما كانت تجلس من قبل، واضعة قدميها على حاجز المدفأة.ثم سألت الآنسة بيتسي بعد فترة صمت قصيرة: «وهل كان ديفيد يحسن معاملتك يا بنيتي؟ هل كان كل منكما مرتاحا مع الآخر؟»كانت الإجابة: «لقد كنا سعيدين للغاية. وكان السيد كوبرفيلد طيبا معي للغاية.»دخلت بيجوتي بعد برهة ومعها الشاي وبعض الشموع، وعندما رأت مدى السقم البادي على سيدتها الصغيرة أوصلتها إلى غرفتها، واستدعت الطبيب، وتركت الضيفة الغريبة جالسة بمفردها في الردهة.وقد ولد ديفيد في تلك الليلة؛ وبعد إتمام الولادة توجه السيد تشيليب، الطبيب، إلى الردهة ليتحدث إلى الضيفة الغريبة. التي خلعت قبعتها الصغيرة وربطتها بالأشرطة على ذراعها اليسرى.فسألت الآنسة بيتسي بجفاء وهي تحدق في الطبيب بتجهم شديد جعل أعصابه تتوتر، وقد كان رجلا قصير القامة للغاية: «كيف حالها؟»أجاب السيد تشيليب بلطف: «بخير يا سيدتي، سوف ترتاح جدا قريبا، أرجو ذلك، ستنعم بالراحة التي نأمل أن تنعم بها أي أم صغيرة. لا مانع من أن تريها الآن يا سيدتي. قد يكون هذا في صالحها.»قالت الآنسة بيتسي بحدة: «وهي، كيف حالها؟» أمال السيد تشيليب رأسه قليلا على جنب، وراح ينظر إلى الآنسة تروتوود نظرة طائر لطيف.قالت الآنسة بيتسي: «المولودة، كيف حالها؟»