قال عيسى بن هشام: لما نطقني الغنى بفاضل ذيله، اتهمت بمال سلبته، أو كنز أصبته، فحفزني الليل، وسرت بي الخيل، وسلكت في هربي مسالك لم يرضها السير، ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرعب وتجاوزت حده، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلتها المراحل، ولما بلغتها:فبينا أنا يوما في بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها وعصا قد اعتمدها، ودنية قد تقلسها، وفوطة قد تطلسها، فرفع عقيرته وقال: اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيي العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا، وبارئ النسم أزواجا وجاعل الشمس سراجا، والسماء سقفا والأرض فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشئ السحاب ثقالا، ومرسل الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم وما تحت التخوم، أسألك الصلاة على سيد المرسلين، محمد وآله الطاهرين، وأن تعينني على الغربة أثني حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلها، وأن تسهل لي على يدي من فطرته الفطرة، وأطلعته الطهرة، وسعد بالدين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوى هذا الطريق، وزادا يسعني والرفيق.قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسي بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرينا أبي الفتح، والتفت لفتة فإذا هو والله أبو الفتح، فقلت يا أبا الفتح بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى هذا الشعب صيدك؟فأنشأ يقول: