Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
أبقتني بعض مهام العمل في شارع تشانسري لين حتى التاسعة مساء، وعانيت بعدها من بوادر صداع جعلتني عازفا عن التسلية وعن مواصلة العمل على السواء. وليت بصري صوب المنحدرات العالية المحيطة بذلك الوادي الضيق الذي تمر داخله السيارات وكأنها سيل عارم، وكانت السماء تشي بليلة صافية؛ فعزمت على أن أشق طريقي نحو الرصيف النهري؛ لأريح عيني وأخفف وطأة الصداع عن رأسي بمشاهدة طيف الألوان المتداخلة الساطعة فوق النهر. الليل هو أفضل وقت في هذا المكان بلا منازع؛ ظلام شفيق يخفي قذارة المياه بحلكته، وأضواء تلك الحقبة الانتقالية؛ أحمر، وبرتقالي وهاج، وصفرة منبعثة من مصابيح الغاز مختلطة ببياض المصابيح الكهربائية، اصطفت جميعها في خطوط من الظلال غطت جميع درجات الألوان، ما بين الرمادي والبنفسجي الفاقع. تبرز عبر أقواس جسر ووترلو عشرات النقاط المضيئة التي ترسم حدود الرصيف النهري وامتداده، وأعلى حواجزه تعلو أبراج وستمنستر، تضفي أضواء النجوم على رماديتها دفئا وتألقا، والنهر الأسود يسري لا يقطع سكونه سوى صوت موجة عابرة تفسد الرقصات التي تؤديها انعكاسات الضوء على صفحته.
هتف صوت إلى جواري: «ليلة دافئة.»
التفت فلمحت منظرا جانبيا لرجل منحن على حاجز الرصيف النهري بجانبي. كان وجهه ذا ملامح رائقة، لا يخلو من وسامة، رغم كونه هزيلا وشاحبا بما يكفي، وياقة معطفه مرفوعة ومثبتة حول عنقه، وتعكس وضعه الاجتماعي بوضوح تماما مثل الزي الذي كان يرتديه. شعرت أنني سألتزم بتكلفة فراش وإفطار لو أنني أجبته.
نظرت إليه بعين الفضول. ألديه شيء يقوله يستحق المال، أم أنه أحد هؤلاء العجزة من العوام الذي يعجز حتى عن سرد قصته؟ لمحت في جبهته وعينيه شيمة الذكاء وفي شفته السفلى ارتعاشة فقررت أن أجيب.
قلت: «دافئة للغاية؛ لكن ليست دافئة أكثر من اللازم بالنسبة إلينا هنا.»
رد دون أن يرفع ناظريه عن النهر: «لا، إن الجو لطيف هنا … الآن.»
صمت برهة ثم تابع قائلا: «من الجيد أن نجد مكانا مريحا للغاية كهذا في لندن. بعد يوم كامل حافل بالانشغال بشئون العمل وتحقيق الأهداف والوفاء بالالتزامات وتفادي المخاطر، لا أدري ماذا كان بوسع المرء أن يفعل لو لم تكن توجد مثل هذه البقاع الهادئة.» كان الرجل يتحدث قاطعا جمله بسكتات طويلة. «لا شك أنك تعرف القليل عن كدح الدنيا المضني، وإلا فلا مكان لك هنا. لكنني أشك أنك تعاني مثلي من إنهاك العقل من طول الفكر، وتقرح القدمين من طول السعي … ياه! أحيانا ما أشك في جدوى اللعبة وفيما إذا كانت تستحق العناء. أشعر بميل إلى التخلي عن الأمر برمته — الاسم والثروة والمنصب — والاتجاه إلى مهنة متواضعة، لكنني أعلم أنني لو تخليت عن طموحي — على قسوة ما لاقيت في سبيله — فلن تتبقى لي سوى مشاعر الندم طيلة ما تبقى من عمري.»
ثم صمت. نظرت إليه في ذهول. لو أنني قابلت يوما رجلا بائسا معسرا، فلا شك أنه هو ذلك الرجل الماثل أمامي. كان مرتديا ثيابا بالية قذرة، وكان كث اللحية، أشعث الشعر؛ بدا كأنه ترك في صندوق نفايات لمدة أسبوع، ورغم ذلك كان يتحدث معي أنا عن المتاعب المرهقة المتصلة بمشروع تجاري ضخم. كدت أنفجر في الضحك. إما أنه كان مجنونا أو كان يتخذ من فقره مادة للتهكم البائس.
قلت: «مع أن الغايات السامية والمناصب الرفيعة لها مثالبها المتمثلة في العمل الشاق والقلق، فإن لها مكاسبها أيضا؛ النفوذ والقوة المستمدة من فعل الخير ومساعدة الضعفاء والفقراء؛ بل إن هناك نوعا من الإشباع يمنحه المظهر …»
لا شك أن حديثي المنمق اللطيف كان له وقع بغيض في ظل تلك الملابسات. تحدثت مدفوعا بذلك التناقض البادي بين مظهره وحديثه، وكنت أشعر بالأسف حتى وأنا أنطق بكلماتي.
التفت إلي بوجه هزيل مجهد لكنه كان رابط الجأش. بادرني قائلا: «لقد نسيت نفسي. لن تفهمني بالطبع.»
حاول لوهلة أن يكتشف طبيعة شخصيتي. «إنه أمر لا يعقل بالتأكيد. لن تصدقني حتى لو أخبرتك؛ لذلك فإنه من الآمن نوعا ما أن أخبرك. كما أن البوح بالأمر لشخص سيكون مصدر سلوى لي. إنني أمتلك بالفعل مشروعا تجاريا ضخما، ضخما للغاية، لكنه يواجه مشكلات في الوقت الحالي. في الحقيقة … أنا أصنع ألماسا.»
فقلت: «لذا أأفترض أنك عاطل عن العمل حاليا؟»
أجاب بنفاد صبر: «لقد ضجرت من تكذيبي.» ثم حل أزرار معطفه البالي واستخرج صرة صغيرة من الخيش كانت مربوطة حول عنقه بخيط، وأخرج منها حصاة بنية اللون، وقال وهو يناولني إياها: «أتراك على دراية كافية لتعلم ما هذه؟»
منذ عام تقريبا، قررت شغل وقت فراغي بالحصول على درجة جامعية في العلوم من لندن؛ ولذا فلدي معرفة بسيطة بعلمي الفيزياء والمعادن. كانت الحصاة تشبه ألماسة خاما غير مصقولة، داكنة اللون، على الرغم من أن حجمها كان أكبر من الحجم الطبيعي للألماس؛ إذ كانت بحجم أنملة إبهامي تقريبا. تناولتها ولاحظت أن لها شكل المجسم الثماني المنتظم وأوجها محدبة كالتي تميز أنفس المعادن. أخرجت مطواتي وحاولت خدشها بلا جدوى. انحنيت نحو ضوء مصباح الغاز وجربت الأمر ذاته على زجاج ساعتي، فأحدثت خطا أبيض على سطحه بمنتهى السهولة.
تطلعت إلى الرجل بفضول متزايد قائلا: «لا شك أنها أشبه بالألماس. لكنها لو كانت ألماسة بالفعل، فهي ألماسة عملاقة. من أين حصلت عليها؟»
أجابني قائلا: «لقد صنعتها كما أخبرتك. أعدها إلي.»
أعادها إلى مكانها على عجل وزرر معطفه، ثم همس فجأة متلهفا: «سوف أبيعها لك مقابل مائة جنيه إسترليني.» أثار عرضه ذاك الشكوك في نفسي. ربما لا يعدو ذلك الشيء، في نهاية الأمر، كونه كتلة من الكوروند، وهي مادة تقارب الألماس في الصلابة، يجمعها بالألماس تشابه شكلي بمحض الصدفة. أما إذا كانت ألماسة بالفعل، فكيف حصل هذا الرجل عليها ولم يضطر إلى بيعها مقابل مائة جنيه إسترليني فقط؟
التقت عينانا. بدا عليه التلهف، لكنه تلهف حقيقي. في تلك اللحظة صدقت أنها ألماسة حقيقية يحاول بيعها، لكنني رجل رقيق الحال، ومائة جنيه إسترليني من شأنها أن تترك فجوة واضحة فيما أملكه، كما أنه ما من رجل عاقل يقدم على شراء ألماسة تحت ضوء مصباح الغاز من صعلوك رث الهيئة مكتفيا بضمانته الشخصية فحسب. غير أن ألماسة بذلك الحجم استدعت إلى ذهني صورة آلاف مؤلفة من الجنيهات. فكرت أن ألماسة كتلك لا يمكن أن توجد دون أن يرد لها ذكر في كل الكتب التي تتناول الأحجار الكريمة، ثم تواردت إلى ذهني من جديد قصص البضائع المهربة والزنوج البارعين في السرقة والنشل في رأس الرجاء الصالح. نحيت مسألة الشراء جانبا.
بادرته سائلا: «كيف حصلت عليها؟»
سبق لي أن سمعت عن مواسان، لكنني كنت أعرف أن ألماساته الصناعية صغيرة للغاية. هززت رأسي.
«يبدو أن لديك دراية بهذا النوع من المواد. سأخبرك بشيء عن نفسي، وربما حينها تعيد النظر في مسألة الشراء.» استدار موجها ظهره إلى النهر وواضعا يديه في جيبيه. تنهد قائلا: «أعلم أنك لن تصدقني.»
بدأ الرجل يروي قصته، ومع استفاضته في الحديث بدأ صوته يفقد نبرة الصعاليك الواهنة ويكسوه شيء من لهجة المتعلمين الطلقة. بادر الرجل قائلا: «تصنع الألماسات بعزل الكربون عن غيره من المواد ووضعه في صهارة مناسبة وتحت ضغط مناسب؛ وعندها يتبلور الكربون، ولا يتحول إلى جرافيت أو فحم مسحوق، بل إلى ألماسات صغيرة. اكتشف الكيميائيون الكثير على مر السنين، لكن أحدا لم يتوصل بعد إلى التحديد الدقيق للصهارة المناسبة لإذابة الكربون أو الضغط المناسب للوصول إلى أفضل النتائج؛ ومن ثم فإن الألماسات التي يصنعها الكيميائيون صغيرة وداكنة، وهي جواهر غير ذات قيمة. ولقد وهبت حياتي لتلك المسألة.
بدأت دراسة شروط صناعة الألماس حين كنت في السابعة عشرة من عمري، وأنا الآن في الثانية والثلاثين. بدا لي أن الأمر قد يستنفد فكر الإنسان وطاقته على مدار عشر سنوات، أو ربما عشرين سنة، لكن حتى لو صح هذا، فإنه يستحق كل ذلك العناء. هب أن أحدا نجح في النهاية في الوصول إلى الطريقة الصحيحة لصنع الألماس، فقد يستطيع ذلك الشخص أن يجني الملايين قبل أن ينكشف السر ويصبح الألماس كالفحم في شيوعه. أقول الملايين!»
سكت الرجل وتطلع إلى بادرة تعاطف مني. كانت عيناه تشعان لهفة وحماسا، ثم قال: «المفاجأة هي أنني على وشك تحقيق ذلك، وهنا!»
تابع حديثه قائلا: «حين كنت في الحادية والعشرين من عمري، كنت أمتلك ألف جنيه، واعتقدت أنها كفيلة بتمويل أبحاثي بجانب اشتغالي بالتدريس في بعض الأحيان. أمضيت عاما أو اثنين في الدراسة، في برلين بوجه خاص، ثم واصلت الدراسة مستقلا. كانت المشكلة تكمن في سرية الأبحاث. كما تعرف، لو أنني أزحت النقاب عما أفعل، فربما يحفز ذلك آخرين لتقليدي مدفوعين باعتقادي في جدوى الفكرة، ولا أزعم أنني على ذلك القدر من العبقرية الذي يضمن لي إحراز قصب السبق في منافسة على اكتشاف ما، وكان من المهم بالنسبة إلي ألا يعلم الآخرون أنها عملية صناعية يمكن من خلالها إنتاج الألماس بالأطنان حتى يتسنى لي تحقيق المكاسب الجمة؛ ولذلك كان علي العمل منفردا. كان لدي مختبر صغير في بداية الأمر، بيد أنني اضطررت إلى إجراء تجاربي في غرفة حقيرة خالية من الأثاث في كينتش تاون، وذلك حين بدأت مواردي المالية في النفاد، واعتدت النوم في تلك الغرفة فوق فراش من القش على الأرض محاطا بجميع معداتي. لقد نفد مالي تماما. حرمت نفسي كل شيء سوى الأجهزة العلمية. جاهدت من أجل الاستمرار عن طريق اشتغالي بالتدريس في بعض الأحيان لكنني لست معلما بارعا، ولا أحمل أي درجة جامعية، ولم أقطع شوطا طويلا في التعليم إلا في مجال الكيمياء، ووجدت أن علي بذل الكثير من الوقت والجهد مقابل النزر اليسير من المال. لكنني دنوت أكثر فأكثر من الهدف؛ لقد توصلت منذ ثلاث سنوات إلى حل لمشكلة تركيب الصهارة، واقتربت من الضغط المناسب بوضع الصهارة ومركب كربوني معين في ماسورة بندقية قابلة للغلق، وملئها بالماء وسدها بإحكام ثم تسخينها.»
قلت: «محاولة خطرة بعض الشيء.»
«أجل. لقد انفجرت؛ مما أدى إلى تحطيم جميع نوافذي وكثير من معداتي، لكنني حصلت على ما يشبه مسحوق الألماس. بالنسبة إلى مشكلة الحصول على ضغط كبير فوق المزيج المنصهر للحصول على البلورات منه، نجحت في العثور على بعض أبحاث دوبريه في مختبر باريس للبارود والملح الصخري. تمكن دوبريه من تفجير ديناميت داخل أسطوانة فولاذية محكمة الغلق بالمسامير، وعلى درجة عالية من الصلابة تمنع انفجارها، واكتشفت أنه نجح في تكسير مجموعة من الصخور وتهشيمها مكونا ترابا يشبه الطبقات الجيولوجية التي يوجد بها الألماس في جنوب أفريقيا. كان ذلك عبئا هائلا على مواردي المالية، لكنني حصلت على أسطوانة فولاذية صنعت خصوصا لغرضي العلمي على شاكلة أسطوانة دوبريه. حشوت الأسطوانة بكل المواد والمتفجرات ثم أوقدت الفرن وألقيت الأسطوانة داخله، وخرجت للتنزه سيرا على الأقدام.»