Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
حياتنا سلسلة من حوادث صغيرة ليس لواحدة منها في ذاتها ما يسترعي انتباهنا في اللحظة التي تمر بها، ولكنا إذا بعدنا في الطريق، وأصبح من المحال أن نعود أدراجنا تبين لنا أن بعضها هو الذي يقرر مصائرنا، ولو كنا نفطن إلى هذه الحوادث الصغيرة الخطيرة في اللحظة الحاسمة لحرصنا على توخي الحكمة وتجنب الأخطاء، ولكنا بشر نكتب بأخطائنا سلسلة القصة البشرية، والحوادث التي تمر بنا تخلف فينا آثارا لا تمحى، بعضها حائل يسنح لنا في ذكريات عابرة، وبعضها عميق يشبه ندوب الجراح بعد التئامها، وهذه الخطوط العميقة هي التي توجه تفكيرنا وتقود مشاعرنا وتحرك إرادتنا. هذا ما بدا لي على الأقل وأنا في غرفتي الصغيرة من سجن الاستئناف أجول بخيالي في عالم الذكرى لأسجل ما أظنه جديرا بالذكر من حوادث حياتي.
لم تكن طفولتي متميزة بشيء يستحق أن أقف عنده طويلا حتى وقع الحادث الأول الذي زلزل وجودي وغير اتجاه حياتي وهو وفاة والدي.
كنت عند ذلك في نحو السابعة عشرة من عمري، وكنت أستعد لامتحان شهادة الثقافة العامة، ووقعت الصدمة علي فجأة، فشعرت كأني أهوي في فراغ لا قرار له. كان أبي والدا وصديقا يملأ كل حياتي، وما كان يخطر لي أنه إنسان زائل قد ينتزع من الوجود في لحظة، فلما عدت من المدرسة ذات يوم ووجدته مسجى في سريره والجميع يبكون من حوله، وقفت أنظر إليه بغير أن أرى وجهه المغطى، وأخذت أتأمل الوجوه الحزينة التي حوله وأنا ذاهل، فما راعني إلا أن الجميع ازدادوا صراخا وعويلا عندما رأوني، فاندفعت نحوه لأرفع عنه الغطاء وأناديه لأوقظه، فبادر من هناك إلي ودفعوني وأخرجوني من الغرفة قسرا. لم تكن في عيني دموع، بل كان قلبي يفيض غيظا؛ لأنهم حالوا بيني وبين أبي، ولم يحاول أحد منهم أن يتمسك به، بل سلموا بأنه قد مات وانتهى بغير مجادلة. ثم رأيته بعد حين يحمل في نعشه ويتجهون به إلى المقبرة كالأموات جميعا، وسرت مع السائرين حتى وقفنا إلى جانب حفرة، ورأيت جثمانه يدلى فيها وكل من هناك جامد في مكانه يبكي بغير أن يحاول أن يتمسك به، فاندفعت كالمجنون وأردت أن أتعلق به، ولكن الناس اجتمعوا حولي وأمسكوا بي قسرا، وجعلوا يواسونني بكلام لم أفهم معناه، فانفجرت باكيا كما لم أبك يوما في حياتي، ولما عدنا آخر الأمر إلى البيت وحدنا شعرت بحزن لا يشبه الحزن، وبلوعة لا تشبه لوعة الصبي في فقد أبيه، بل هي أقرب إلى حسرة المقهور العاجز أمام قوة جبارة تتقاذف به في قسوة، وكانت صورة أبي تتمثل لي لا تفارقني في ساعات اليقظة ولا في مناظر الأحلام، واعتراني شعور يشبه الحقد والعداوة لكل ما يذكرني بفقده؛ ولهذا لم أذهب مرة لزيارة قبره، بل لقد كنت أتحاشى الاقتراب منه أو السير في الطريق المؤدية إليه.
وامتلأ قلبي بوحشة شديدة، فخيل إلي أن الحياة خالية خاوية ليس فيها ظل من فوقي ولا قرار من تحتي، وحببت إلي العزلة ونفرت من كل مجلس حتى لقد لزمت غرفتي في البيت كلما عدت من المدرسة، وكانت أمي تأتي أحيانا لتؤنسني فتجلس إلى جنبي وترقبني في عطف حزين، فلا يزيدني ذلك إلا وحشة وأحس أن الحياة رهيبة.
وشيئا بعد شيء بدأت أضيق بالجو الرهيب الذي خيم علي، فصرت أخرج وحدي إلى الحقول القريبة من البيت أجول فيها بغير قصد سوى السير في الهواء الطلق، ويدور ذهني حول نفسه في أثناء سيري في أفكار غامضة يشوبها حزن غامض، حتى إن الحقول نفسها كانت تبدو في عيني في إطار كئيب مع أنها كانت تتبرج في حلة الربيع، وكنت أحيانا أجلس في مكان منعزل، فأكتب شيئا يشبه الشعر أنفس به عن أفكاري الحزينة الغامضة، فإذا قرأت ما كتبت بادرت بتمزيقه؛ إذ كان يزيدني كآبة لأنه يدور حول معنى واحد؛ معنى زوال الحياة التي تحملنا برغمنا وتقذف بنا حيث تشاء، وكانت أسئلة واحدة تتخلل كل ما أكتب: لم جئت إلى هذه الحياة؟ ولم أبقى فيها؟ وأين نذهب إذا خرجنا منها؟ وما هو قصدها؟ وماذا يستحق فيها أن أجعله غايتي؟ ومما زادني شعورا بالرهبة أني بدأت أرى أمي تعاني في حياتنا ضيقا تحاول أن تخفيه، ولكنه كان يظهر واضحا في كل ما حولنا. صارت لا تعطيني النقود التي تعودت أن أنفقها في «الشبرقة» مع رفاقي بالمدرسة، حتى صرت لا أقدر على مجاراتهم، ولا تشتري لي ولا لأختي الصغيرة ما تعودنا انتظاره من الهدايا الصغيرة، ولما جاء العيد لم تشتر لنا الملابس الجديدة، وشعرت بالذلة عندما رأيت كل زملائي ينظرون إلى بدلتي التي يعرفونها، وأذكر أني ذهبت إلى أمي يوما فسألتها: ماذا تقولين يا أمي في أن أشتغل بعمل أتكسب منه؟
فقالت في دهشة: أي عمل يا سيد؟
فقلت: أي عمل أقدر عليه، كما يعمل أولاد حارتنا.
فقالت: تحب أن تكون مثل حمادة الأصفر مثلا؟
وكان حمادة الأصفر ولدا من صبيان الحارة يعمل مع أبيه البقال في دكانه.
فقلت: ولم لا؟ أما يكسب حمادة شيئا؟
ففزعت أمي لذلك السؤال ولامتني لوما شديدا في سخرية مرة وقالت: أهذا هو أملي فيك؟ لم لا تنظر إلى أبناء أعمامك وأخوالك؟ فهل فيهم من يشبه حمادة؟
ولم أفهم قولها فقلت لها: وماذا أعمل إذن؟
فقالت: تأخذ الشهادة العليا وتكون رجلا محترما.
وكنت عند ذلك في السنة الرابعة الثانوية، ففكرت في نفسي كم سنة يجب علي أن أبقى في المدارس حتى آخذ تلك الشهادة العليا، وبدت لي مرحلة طويلة شاقة لا طاقة لي بها، وانصرفت عنها ضائقا حائرا، وبدأت تستولي علي حالة من الفتور جعلتني أنصرف عن التفكير في المستقبل وعن كل رغبة في الاتجاه إلى غاية، وزادني ضيقا على ضيق أنني باعدت أصدقائي، وبدأت أحس أنهم جميعا ينظرون إلي من بعيد بنظرات فاحصة، ويتهامسون علي بهمسات خافتة، وصرت أرقبهم كذلك من بعيد وأنا معتزل عنهم وأترجم أقوالهم وإشاراتهم على أنها سخرية، وأنني أنا المقصود بها، وبدأت أتعمد مخالفة آرائهم إذا دارت مناقشة في أثناء الدرس، لا أقصد سوى أن أظهر مخالفتي لهم واستعلائي عليهم، وبعد بضعة أشهر من هذه العزلة الصارمة لم أطق وحدتي فاتجهت إلى خلق صداقات جديدة مع زملاء آخرين كنت من قبل لا أرضى أن أصاحبهم، فكنت أتعمد اختيار من هم مثلي أو أقل مني في مظهرهم، وبدأت أتزعم حركة التمرد في الفصل حتى أصبحت موضع الشكوى والعقوبة، وما زلت أتمادى في ذلك حتى أصبحت قبل آخر العام زعيم حركات الاضطراب في المدرسة، وكان يلذ لي أن أتحين كل فرصة لأظهر مقدرتي على إحداث الفوضى، ولست أدري مع هذا كله كيف نجحت في امتحان الثقافة العامة آخر العام، وزادت دهشتي عندما عرفت أني لم أكن من المتخلفين في النجاح، بل كدت أكون بين السابقين في المدرسة.
ولكن ذلك النجاح لم يعد إلى صدري الانشراح، بل سألت نفسي وما فائدة هذا؟ وإلى متى أستمر في هذه الدراسة الطويلة؟
وجاءت أيام العطلة فزادت حالي سوءا؛ لأني اتخذت بعض رفاق من أبناء الحارة وهم من صبيان العمال أو أبناء صغار التجار، وكانوا خليطا عجيبا من طباع مختلفة لا يجمع بينهم شيء سوى اللعب والمزاح الخشن والمشاجرات العنيفة.
وقد وجدت في صحبة هؤلاء الزملاء فرصا كثيرة للمصادمات كي أظهر امتيازي، وكانت جولاتي معهم تنتهي في كثير من الأحيان بمعركة أصيب فيها غيري أحيانا بجراح أو كدمات، كما كنت أعود منها إلى منزلي أحيانا بثياب ممزقة، وخدوش كثيرة، وكنت في أول الأمر أتسلل إلى غرفتي عند عودتي إلى البيت حتى لا أتعرض للوم أمي، ولكني بعد أن تعرضت للومها مرة بعد مرة صرت لا أرهب شيئا ولا أبالي لوما، وما أزال إلى الآن أشعر بالخجل كلما تذكرت كيف كنت أقف أمام أمي عند ذلك وأجادلها وأراجعها وأتحداها بغير تجمل.
وكان من بين صبيان الحارة اثنان استمرت صلتي بهما مدة طويلة فيما بعد؛ ولهذا أرى أنهما جديران بأن أذكرهما، وأولهما «حمادة الأصفر» الذي ذكرته لي أمي على سبيل اللوم عندما أفضيت إليها برغبتي في العمل.
كان حمادة فتى ضئيل الجسم أصفر اللون يعرفه صبيان الحارة جميعا بالمكر والخبث، ولكنهم مع هذا يعجبون بمهارته في اختراع الألاعيب وتدبير المكائد، وكان يمتاز بجرأة عظيمة في الكلام، وله أسلوب فكه ساخر لاذع، ولكنه لضعف جسمه لا يحب المصادمة، وكانت له مقدرة على التفنن في الصفير العالي بأن يضع إصبعيه في فمه وينفخ فيخرج أصواتا يتحكم فيها كما يشاء، فيقلد صوت القاطرة البخارية أو العصافير، أو يقطع الصفير في مقاطع تجعله يشبه النطق إذا أراد أن يدعونا من منازلنا بأسمائنا، وكان هو زعيم الصبيان في الحارة قبل أن أدخل في زمرتهم، فلما اتصلت بهم شعرت أنه غير مرتاح إلى وجودي معهم منذ أول يوم؛ لأنه وجدني غير مستعد لقبول زعامته.
ولم تمض سوى بضعة أسابيع على وجودي مع الزمرة حتى وجدت الجميع يقاطعونني ويباعدونني، فاعتزلتهم ولمت نفسي لوما شديدا على انحداري إلى مصاحبتهم، واقتصرت على الخروج وحدي إلى الحقول القريبة لأتنزه وأكتب بعض خواطري، ولكن الزمرة لم تدعني وحدي في سلام، بل أخذ أفرادها يتعرضون لي في ذهابي وإيابي، ويقذفون بعض ألفاظ التعريض نحوي من بعيد، فكنت أتجاهل أمرهم لأظهر مقدار هوانهم عندي.
وكان من بينهم ولد من أبناء التجار اسمه «حمادة البارودي» وهو قزم قصير ذو رأسين، ولكن لسانه كان طويلا فصيحا، وله مقدرة كبيرة على السخرية اللاذعة، فكان كلما رآني قذفني بألفاظه الساخرة، المضحكة، وما يزال كذلك حتى أغيب عن بصره وأنا أسمع ضحكاته وضحكات أصحابه فأتقد غيظا، ولما رأت الزمرة أني لا أعيرهم التفاتا زادوا جرأة علي، وأخذوا يسيرون ورائي ليطيلوا مدة اضطهادهم إياي، وكانوا يرسلون أمامهم حمادة البارودي ليكون طليعة، ويسيرون من خلفه صفا يصفقون ويضحكون، وحمادة الأصفر يصفر لهم صفيرا مختلف النغمات والنبرات، ولما زاد غيظي من ذلك عزمت على أن أواجههم في موقعة حاسمة، فما كادت الزمرة تسير من خلفي كعادتها ذات يوم، وما كاد حمادة البارودي يسير في طليعتها ويصيح بأول كلمة ساخرة، حتى عدت أدراجي حانقا وخاطبت القزم قائلا: أتقصدني بما تقول؟
فارتد حمادة البارودي إلى الوراء صامتا ونظر إلى ورائه، ولكني لم أدع له فرصة لكلمة أخرى، وأمسكت ذراعه فهززتها في عنف قائلا: أتريد أن تكون عدوي؟
فلما رأى أن أصحابه لا يسرعون لنجدته أجاب قائلا: أنا مصالحك!
ثم انحاز إلى جنب ووقف ينظر ماذا أفعل، واندفعت مسرعا نحو الجماعة المنتظرة.
وقصدت عامدا إلى زعيمهم حمادة الأصفر فلم أخاطبه بكلمة، بل لكمته في صدغه لكمة شديدة جعلته يترنح ويضع يده على وجهه صارخا، فعاجلته بلكمة أخرى سقط منها على الأرض يصرخ ويبكي ويشتمني، فجذبته من يده حتى أوقفته أمامي كأنه طفل مذنب، وأخذت أشتمه وأهدده، وفي لحظة قصيرة انقلب أفراد الزمرة من عداوة متحمسة إلى صداقة متحمسة، وأخذوا يصفقون لي، وجاء حمادة البارودي يشارك في الملهاة الجديدة، فأخذ يصيح بطريقته الساخرة المضحكة: ما لك يا حمادة يا أصفر! حرام عليك يا سيد. تاب والله العظيم! جدع يا سيد. هيه يا حمادة!
وكان الجميع يضحكون ويصفقون، وكان خذلان حمادة الأصفر حاسما، فعزل نفسه عن زعامته من ذلك اليوم وتركني زعيما للزمرة وحدي، ولم يظهر بعد ذلك بيننا عدة أسابيع، ثم عاد إلينا خاضعا مسالما.
وأما الصبي الثاني فهو «مصطفى عجوة»، وكان هو المهرج المضحك بعد اعتزال حمادة الأصفر. كان ولدا ضخم الجسم، له وجه غليظ أحمر قاتم، وفيه آثار من الجدري تبدو من بعيد كأنها زرقاء، وتعلو وجهه دائما لمعة كأنه مدهون بزيت، وكان له صوت مجوف غليظ، وينطق بألفاظه في بطء فيثير الضحكات عند كل كلمة، وكان يجمع بين السذاجة التي تقرب من البلاهة وبين الميل إلى الدس والنميمة، وله مقدرة عظيمة على اختراع الأكاذيب التي يسعى بها بين رفاقه، فإذا عرف زملاؤه حقيقة أكاذيبه لم يخجل ولم ينكر، بل ينطق ببعض ألفاظه البلهاء ثم يضحك ضحكة طويلة، ويتحمل ما يوجه إليه من الشتائم، وكان يغيظني كثيرا ببلادته وخبثه، ولكني لم أجد عليه سبيلا لأنه لم يحاول مرة من المرات أن يتحدى أو يقاوم عندما كنت أقتص منه على أكاذيبه.
وهو يتيم الأبوين، يقيم مع جدته العجوز ويعولها بما يكتسب من عمله في محلج السيد أحمد جلال تاجر الأقطان، الذي كان من قبل من سكان الحارة، وهو دائما يباهي بأن السيد أحمد يعرف جدته عندما كان يقيم في حارتنا، كما يباهي بأنه يأخذ ستة جنيهات مرتبا شهريا.
وقد حدث في يوم من الأيام أن ذهبنا إلى مولد سيدي «عطية أبو الريش»، وأخذنا نلعب الكرة في ساحة قريبة من مكان المولد، واجتمع من حولنا عدد كبير من النظارة، وقد أحسنت في اللعب في ذلك اليوم، وكنت اللاعب الأوسط في الهجوم، فأخذ النظارة يهتفون باسمي حتى داخلني زهو كبير، وجاءت فترة الراحة بين دوري اللعب فذهبت لأشرب كوبا من الخروب، ومررت في طريقي بحلقة كانت تحيط بمصطفى عجوة وتضحك منه، وسمعت صوته الأجوف ينطق باسمي في عبارة تهكم انفجرت على أثرها ضحكة عالية، فشعرت بحنق شديد عقب الزهو الذي امتلأت به في أثناء اللعب، واندفعت نحو مصطفى عجوة بغير تفكير فأهويت على وجهه السمين بكل قوتي بصفعة رنت عاليا، ثم أتبعت ذلك ببضع شتائم شديدة.
ولم يحاول مصطفى أن يرد على الاعتداء بمثله، مع أنه كان في مثل طولي، وأضخم مني جسما، بل رفع ذراعه إلى رأسه ليحمي وجهه، وأخذ يصيح قائلا: «شاهدين يا جماعة؟»