Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
في عصر أحد أيام شهر أكتوبر، وبينما كنت أتلمس طريقي عبر الغابة متوجها إلى أفضل الجداول التي يعيش فيها سمك السلمون المرقط، والتي تتوفر بكثرة في حي كانان بفيرمونت، كادت ساقي اليسرى تتعرض للكسر في حفرة عميقة بالأرض.
أول ما فكرت فيه كان صنارتي، التي كانت قد تشابكت مع الشجيرات، وأما ثاني ما فكرت فيه فكان ساقي اليسرى، التي لم يصبها — لحسن الحظ — ضرر كبير، وأما ثالث ما فكرت فيه فكان الحفرة التي تعثرت فيها. كانت تلك الحفرة تقع مباشرة تحت أغصان شجرة بلوط أحمر كبيرة، نمت على منحدر تل، أو حيد من الحجر الجيري المتحول. كانت شجيرات العرعر والعليق تكاد تخفي الفتحة، لكنني نحيت كل ذلك جانبا، وانحنيت على أطرافي الأربعة منقبا في الحفرة السوداء، لأي سبب؟ هذا ما لا أدريه. فلم تعد ساقي اليسرى هناك، ولم يكن يهمني بالطبع أن أتعرف على قاطني هذه الحفرة أيا ما كانوا. لا شك أنهم إما أن يكونوا من الثعابين، وإن كان ذلك غير مرجح، وإما من الفئران الجبلية، وإما من الظربان؛ وذلك هو الاحتمال الأرجح، ولهذا لم أزحف إلى الداخل كي أستكشف تلك الحفرة، بالرغم من أنني كنت أستطيع فعل ذلك، فقط إن تحملت بعض المشقة، لكنني تابعت طريقي عبر مرعى رودني برينس، قاصدا الجدول الموجود فيه. وعند الغروب، أحضرت معي إلى المنزل سمكة كبيرة تزن عدة أرطال، لكنني لن أذكر عنها شيئا لرودني برينس؛ مراعاة لمشاعره. فقد كان جرانجر الكريم قد أكد لي بجدية يغلب عليها الود في مساء اليوم السابق أنه لم يعد في ذلك الجدول أي من أسماك السلمون المرقط؛ إذ صادها الصبيان قبل وقت بعيد حتى أجهزوا عليها، وإن كان هناك أي شيء بعد، فلن يعدو مجرد أسماك بائسة صغيرة لا يتجاوز حجمها طول أصابع اليد، لا تستحق اهتمام رجل من المدينة يستخدم صنارة بخمسة عشر دولارا وجعبة مليئة بالحشرات.
بعد العشاء انضممت كعادتي إلى ذلك الجمع الصغير من صفوة الرفاق الذين يلتقون كل مساء في الجزء الخلفي من متجر الشماس بليمبتون؛ لكي يستمتعوا بتدخين الغليون وينتفعوا بما ينطق به مالك المتجر من حكم فطنة. وفي محاولة متواضعة مني للمساهمة في تلك المحادثة ذكرت عرضا أنني قد تعثرت في حفرة عميقة عصر اليوم، بينما كنت ذاهبا إلى الصيد. شعرت بالإطراء لما لاقته مغامرتي التافهة من احترام من جانب الرفاق، حتى الشماس الكتوم مال من مقعده على برميل اللحم، ليعيرني أذنا مصغية، ثم تحدث قائلا:
«تحت شجرة البلوط الأحمر؟»
غمغم وهو ينفث كتلة من الدخان: «هممم! لقد أفلت بالكاد.»
سألته وقد عزمت أن أكون موجزا مثله: «من ماذا؟ الظربان؟»
وهمس أندرو هينكلي، وهو في أحد براميل أثمن أنواع الدقيق لدى الشماس: «الاسبلرجلز»، وردد أخوه جون من أحد صناديق صابون الغسيل تلك الكلمة الغامضة أيضا، وحتى سكويار ترول المسئول عن الميزان، وأوريسون ريبلي الذي كان على أحد براميل القالب المحلى والذي كان الشماس الأمين يبيعه على أنه مسحوق السكر مقابل شلن للرطل، التقطا تلك اللازمة أيضا ورددا في وقار وفي نبرة متناغمة: «أجل، الاسبلرجلز!»
كنت أعرف أنني لو سألت أي سؤال فسوف أضع نفسي في موقف محرج مع هؤلاء الرجال المهمين؛ لذلك اكتفيت بأن أردد أنا أيضا: «أوه. الاسبلرجلز»، وأومأت برأسي كما لو أن الهروب من الاسبلرجلز تجربة مألوفة لي.
وبعد لحظات قليلة من الصمت، قال سكويار ترول: «من حسن الحظ أنها لم تسحبك إلى الداخل.»
«لم يتورط أحد في مأزق كهذا منذ أن تعثر فولار حين كان ثملا وخلع حذاؤه من قدميه، أليس كذلك أيها الشماس؟»
حينها، نزل الشماس من فوق برميل اللحم، ملبيا النداء، واتجه إلى الطرف الآخر من المتجر، وعاد بعود ثقاب في يده، ثم أعاد إشعال غليونه وهز رأسه بجدية ووقار.
من تلك المحادثة المفككة التي انبثقت واستمرت حتى دقات الساعة التاسعة، والتي حثت الشماس على أن يدخل لحومه المبردة ويغلق مصراع النافذة، توصلت إلى الحقائق والمزاعم التالية:
لسنوات عديدة، منذ أن كان المبجل أوريسون ريبلي طفلا، كان أهل كانان ينظرون إلى تلك الحفرة الموجودة تحت شجرة البلوط الأحمر برهبة خرافية؛ فلم يكن أحد ليجازف بالاقتراب من تلك البقعة في وضح النهار سوى قلة منهم، وأما في الظلام، فلم يكن أحد ليقربها تماما. بدا الرأي السائد عن تلك الحفرة وجيها وراسخا؛ فكثيرا ما كانت تسمع منها أصوات غريبة وكأنها ضحكات شيطانية تصدر من المغارة، وأصوات أخرى لا يمكن وصفها، تشبه أصوات الخرير والخشخشة. ووفقا لما عرفته، فقد كان ذلك هو التفسير الوحيد لاشتقاق اسم الاسبلرجلز، والذي جرت العادة على استخدامه للإشارة إلى قاطني هذا الكهف. كان أهل البلدة يعتقدون أن هذه الكائنات الخرافية كائنات شريرة، ليس فقط لما يصدر عنهم من ضحكات ذات فظاظة غريبة، والتي سمعها الكثيرون مرات عديدة على مدى نصف القرن الأخير فحسب، بل أيضا بناء على شهادة البعض بأنهم قد رأوا رءوسا شيطانية تبرز من الحفرة، وكأنها الشياطين قد صعدت من الأسفل لكي تستنشق بعض الهواء النقي. ثم هناك ذلك المصير المروع الذي لاقاه جيرميا ستاكبول، وهو شاب متهور يميل إلى الأفكار الإلحادية. ففي الحادي والعشرين من أكتوبر عام ١٨٥٨، أعلن بفخر عن نيته استخدام منجل وجمع جوز البلوط من تحت شجرة البلوط الأحمر، وبعدها، عثر على قبعته بجوار الحفرة، وكان ذلك هو الأثر الوحيد الذي عثر عليه منه. كان هناك أيضا جاك فولار، وهو شقيق أمين سجلات البلدية، والذي راح يتجول ثملا في مرعى رودني برينس قبل أربع سنوات، ثم عاد إلى المنزل وقد أفاق تماما وفقد زوجا من حذائه. وقد أعلن أنه بينما كان يتجول بحثا عن ثمار عنب الأرض، تعثر في حفرة الاسبلرجلز، وأطبقت أيد مشتعلة على قدمه؛ كانت مشتعلة للغاية حتى إن أصابعها اخترقت الجلد والصوف في حذائه وأحرقت قدمه، ولم ينج من سحب جسده إلى الحجرة إلا بعد أن بذل مجهودا خارقا. ولحسن الحظ أنه كان مصابا بمسمار القدم؛ فكان يرتدي حذاء واسعا للغاية، وهذا ما أنقذه من الوقوع في قبضة الاسبلرجلز البشعة. أكد فولار بجدية أنه حتى بعد أن خلع جوربه بفترة طويلة، وفر إلى مكان آمن، كان لا يزال يشعر بأثر تلك الأصابع الملتهبة التي أطبقت على مشط قدمه.
كان ما أخبرني به الشماس من حكايات مختلفة عن حفرة الاسبلرجلز، والتي استمتعت بها، مختصرا وموجزا وشاملا، وكذلك مدهشا، فقد كان مما أخبرني به أنها: «الباب الخلفي للجحيم.»
في اليوم التالي، ذهبت إلى بطل قصة الحذاء الذي خطفته الشياطين وسألته: «فولار، كم يلزمك من الرم لكي تستجمع ما يكفي من الشجاعة لزيارة حفرة الاسبلرجلز معي في عصر هذا اليوم؟»
أجاب فولار بعد أن تفحص ملامحي لكي يتأكد من أنني لا أختبره: «ما يقرب من ربع جالون على ما أعتقد، فليكن ربع جالون بأكمله من باب الحيطة؛ فسوف يجعلني ذلك ثملا تماما.»
سألته قائلا: «هلا تأتي معي أولا ثم تأخذ الرم بعد ذلك مع قسيمة بقيمة خمسة دولارات كجزء آخر من الصفقة؟»
راح فولار يوازن بين المخاطرة والمكسب، وكان ذلك واضحا للغاية حتى إن المرء ليرى من جلده صراع الإغراء مع الخوف، ثم فاز الرم كما ينبغي له. وفي الساعة الثالثة، جاء السيد فولار في كامل وعيه، وهو يحمل حبلا ومصباحا يمكن حجب ضوئه، وصحبني عبر مرعى رودني برينس، إلى شجرة البلوط الأحمر الموجودة على جانب التل.
حين تفحصت الحفرة عن قرب اقتنعت بأنها ليست جحرا لأي نوع من الحيوانات، وحين استكشفتها بعصا طويلة، وجدت أنها تقع بعد طبقة الغبار الموجودة بالقرب من الفتحة، وكانت الجدران من الصخر الصلب. لقد كان ذلك في الواقع نفقا يؤدي إلى الحيد، نفقا طبيعيا قديما كتلال فيرمونت؛ أي إنه يرجع إلى العصر البلوري الأصغر. وخلف فتحة النفق، حيث كان الغبار وتربة السطح قد سداها جزئيا، كان الممر واسعا بحجم أحد التفرعات الأساسية من نهر كروتون. وعلى مسافة نحو عشرة أقدام، كانت القناة تتجه إلى أسفل بزاوية ستين أو سبعين درجة. وأما بالنسبة إلى مسارها، فوفقا لما تمكنت من تحديده بعصاي، فكان أفقيا ويتجه مباشرة إلى قلب التل.
خطوت إلى الداخل وصرخت في فوهة الكهف؛ فأتاني رجع صوتي مشوشا ومبهما، وعندما توقف صدى الصوت، سمعت بوضوح صوت ضحك خفيض وغريب، يشي بالذكاء، لكنه ليس بشريا. كان قريبا من أذني، لكنه بدا وكأنه من عالم آخر مجهول.
سمعه فولار كذلك؛ فامتقع لونه وجرى مبتعدا مسافة قصبة أو اثنتين، لكنني ناديته بحدة فعاد مرتعدا.
تحدثت إليه قائلا: «ذلك الضحك الذي سمعناه، نصفه ينبع من أصداء الكهف ونصفه من خيالنا. سوف أزحف إلى الداخل.»
وبناء على نصيحة فولار الصادقة قررت أن أدخل الكهف عكسيا، حتى إذا طرأ أمر، تمكنت من الخروج بسرعة أكبر. أضأت المصباح، وربطت أحد طرفي الحبل تحت ذراعي، أما الطرف الثاني، فقد أعطيته فولار، وأخبرته: «إذا ناديتك فاسحبني بكل قوتك، وإن لزم الأمر، در مرتين حول شجرة البلوط.» بعد ذلك، تقهقرت ببطء إلى الوراء، ودخلت بحذر إلى كهف الاسبلرجلز.
قبل أن يختفي رأسي وكتفاي من ضوء النهار، شعرت بقبضة قوية من الأسفل تمسك بكاحلي، وأدركت أن ثمة قوة خارقة تشدني إلى أعماق التل. رحت أصيح بفولار في يأس، لكن صراخي غرق وسط طنين مد لضحكات انتصار مرعبة راحت تتردد في جنبات الكهف. رأيت رفيقي يقفز نحو جذع شجرة كبيرة. لقد بذل قصارى جهده لكي ينقذني، لكن قدمه علقت في شجيرات العرعر وسقط على الأرض، وانزلق الحبل من بين أصابعه التي خدرها الخوف. أما أصابعي، فقد علقت بلا جدوى في التراب عند فوهة الحفرة. كانت القوة التي تشدني لأسفل لا تقاوم. التقت عيناي بعيني رفيقي اللتين قد امتلأتا رعبا، ثم أطبق الظلام من حولي وسمعته وهو يصيح: «فليكن الله في عونك!»
وبينما كانت تلك القوة تشدني إلى أسفل بسرعة متزايدة، زال عني الرعب في غمرة هذا الابتهاج الغريب بالحركة؛ فقد شعرت بأنني قطار سريع يمرق في الظلام. لم أكن أعرف إلى أين، ولم أعبأ بذلك، وأصبحت كقارب خفيف مربوط في باخرة تجره في أعقابها وهي تشق الماء بسرعة، فتخلف من بعدها صفيرا. كان صوت هدير الماء يشبه إيقاع الغناء، ثم شعرت بإحساس الدوار الذي يسبق الإغماء، وغبت عن الوعي.
كان أول ما عاد إلي من حواسي بعد أن فقدتها جميعا لفترة غير معلومة من الوقت، هي حاسة التذوق. شعرت بمذاق نوع رائع من شراب البراندي لا مثيل له.