Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
أدت الأحداث التي سردتها من قبل في قصة «لغز الماسات الخمسمائة» إلى استغناء الحكومة الفرنسية عن خدماتي. لا يرجع هذا إلى أنني قبضت على رجل بريء؛ فقد فعلت هذا عشرات المرات من قبل، دون أن يتخذ أي إجراء حيال ذلك، وليس أيضا لأنني اتبعت خيطا خاطئا في البحث أو لأنني فشلت في حل لغز الماسات الخمسمائة؛ فجميع المحققين يتبعون خيطا خاطئا في بحثهم بين الحين والآخر، وجميعهم يفشل أكثر مما يجرؤ على الاعتراف. لا، كل هذه الأشياء ما كانت لتهز مكانتي، لكن كان من حظ الصحف أن وجدت شيئا مضحكا في القضية، وضجت أنحاء باريس لعدة أسابيع بالضحك والسخرية من أعمالي وهزيمتي. فحقيقة أن أكبر محقق فرنسي قد وضع أشهر محقق إنجليزي في السجن، وأن كليهما كان يتتبع بقوة خيطا بحثيا وهميا، دسه في طريقهما عن قصد أحد الهواة، أدت إلى صخب وجدل عظيمين في جميع أنحاء فرنسا، وهذا جعل الحكومة الفرنسية تستشيط غضبا، فأطلقت سراح المحقق الإنجليزي واستغنت عن خدماتي. ومنذ عام ١٨٩٣ انتقلت للإقامة في لندن.
يمكن القول إن الرجل عندما يحل ضيفا على بلد، فمن الصعب أن يتعرض له بالنقد. لقد درست هذا الشعب الغريب باهتمام، وكثيرا باندهاش، وإذا كان لي الآن أن أحدد بعضا من الاختلافات بين الإنجليز والفرنسيين، فأنا متأكد من أنه لن تظهر أي لمحة نقد للإنجليز، حتى لو كان تعاطفي الكامل مع الفرنسيين. لقد ترسخت تلك الاختلافات بشدة في ذهني؛ لأن عدم إدراكي لها أثناء الأعوام الأولى من إقامتي في لندن كان — عادة — السبب في فشلي عندما كنت أعتقد أن النجاح في متناول يدي. فكثيرا ما كنت على شفا الموت جوعا في حي سوهو؛ بسبب عدم فهم العقلية العجيبة التي تجعل الرجل الإنجليزي يفعل أمورا غير قابلة للتفسير. هذا بالطبع من وجهة نظري كأحد أبناء الغال.
على سبيل المثال، المتهم بريء حتى تثبت إدانته. في إنجلترا، إذا قبض على قاتل متلبسا بجريمته، فإنه لا يعد مدانا حتى يصدر القاضي حكما بذلك. في فرنسا، نحن لا نفترض هذا الافتراض الأحمق. وعلى الرغم من اعترافي بأن أناسا أبرياء يعاقبون أحيانا دون جريرة ارتكبوها، فإن خبراتي تسمح لي بأن أقول بكل ثقة إن هذا لا يحدث كثيرا كما يتخيل الناس؛ ففي ٩٩ قضية من كل ١٠٠ قضية يستطيع الشخص البريء على الفور إثبات براءته دون أدنى صعوبة. أعتقد أن من واجبه تجاه البلد أن يواجه الاحتمال الضئيل الخاص بالسجن غير العادل؛ حتى لا تكون هناك عقبات في طريقة إدانة المجرمين الحقيقيين، لكن من المستحيل إقناع الإنجليز بهذا. يا إلهي! لقد جربت ذلك كثيرا.
لن أنسى أبدا مرارة شعوري بالإحباط عندما قبضت على فيليني، اللاسلطوي (الأناركي) الإيطالي، في حادثة القتل التي جرت في متنزه جرينيتش بارك. في ذلك الوقت — وأنا لا أشعر بالخجل من الاعتراف بذلك — كنت أعيش في حي سوهو في حالة من الفقر التام. ونظرا لعملي لفترة طويلة مع الحكومة الفرنسية، تكونت لدي فكرة غريبة تقول بأن المستقبل كان يعتمد على عملي، ليس في منصب مماثل مع سكوتلاند يارد، ولكن على الأقل في منصب أقل منه مع الشرطة؛ مما يتيح لي إثبات قدراتي ويوفر فرصا للترقية. لم أكن على علم في ذلك الوقت، بالدخل الهائل الذي كان ينتظرني من العمل خارج الدوائر الحكومية. إن المسئول البريطاني على أي مستوى، نادرا ما يعتقد أنه من المفيد اكتشاف السبب الحقيقي لسير الأمور في فرنسا أو ألمانيا أو روسيا، لكنه يعمل ببطء شديد واقعا في خطأ تلو الآخر، سواء كان ذلك بسبب بغضه للأجانب، كما يشاع كثيرا، أو البلادة الفطرية التي تفسر سبب رضائهم بالوضع القائم. خذ، على سبيل المثال، موجات الكراهية الدورية ضد إنجلترا التي تظهر في الصحافة الأوروبية. إنها تخلق وضعا دوليا خطيرا. تدفع بريطانيا ملايين الجنيهات من أجل الدفاع والاستعداد، في حين أنها لو وضعت في يدي مليون جنيه منها فقط، لكنت سأضمن لها أن تظهر في صورة ملاك يطير بجناحين أبيضين أمام كل الدول الأوروبية.
عندما حاولت العمل مع سكوتلاند يارد، طلبوا مني بالطبع وثائق تثبت مؤهلاتي. وعندما أوضحت أنني كنت المحقق الأول للجمهورية الفرنسية، لاحظت أن هذا الإعلان قد ترك انطباعا مهما لديهم، لكن عندما أضفت أن الحكومة الفرنسية قد استغنت عن خدماتي دون أي وثائق تثبت عملي لديها أو توصية أو معاش، تسبب على الفور تعاطفهم الرسمي مع الروتين المؤسسي في قلب الأمور رأسا على عقب. اعذروني هنا للإشارة إلى وجه اختلاف مهم آخر بين البلدين، وهو الذي أرى أنه ليس على الإطلاق في صالح أبناء جلدتي.
لقد طردت من عملي دون سابق إنذار. قد تقول إن هذا كان بسبب فشلي، ومن الصحيح أنني بلا شك قد فشلت في قضية قلادة الملكة، لكنني، على الجانب الآخر، تتبعت على نحو صحيح الخيط البحثي الذي كان أمامي. وعلى الرغم من أن النتيجة لم تكن متوافقة مع الحقائق، فقد كانت متوافقة مع المنطق. لا، لم أطرد لأنني فشلت؛ فلقد فشلت في حالات كثيرة من قبل، كما قد يحدث لأي شخص في أي مهنة. بل طردت لأنني جعلت من فرنسا في ذلك الوقت أضحوكة أوروبا وأمريكا. لقد استغنت فرنسا عن خدماتي لأنها أصبحت محط سخرية الجميع. لا يستطيع أي فرنسي تحمل انقلاب المزحة عليه، ولكن لا يبدو أن الإنجليزي يهتم بذلك على الإطلاق. وفيما يتعلق بالفشل، لم يفشل أحد على نحو فظيع كما فعلت مع فيليني المجرم المراوغ الذي امتلك كل شجاعة الفرنسيين وكل دهاء الإيطاليين. لقد وقع في قبضة يدي ثلاث مرات — مرتين في باريس ومرة في مارسيليا — وفي كل مرة كان يهرب مني، ومع ذلك لم أطرد من عملي.
عندما أقول إن السنيور فيليني كان لديه شجاعة الفرنسيين، أكون قد بالغت بعض الشيء في مدحه؛ فقد كان يخاف بشدة من شخص واحد، وهذا الشخص هو أنا. أعتقد أنه لن ينسى لقاءنا الأخير في فرنسا، وعلى الرغم من أنه قد أفلت مني فيه، فقد سعى بكل قوة وبأقصى سرعة ممكنة للهروب إلى إنجلترا، ولم تطأ قدماه ثانية الأراضي الفرنسية بينما كنت على رأس فريق المحققين الفرنسيين. لقد كان وغدا مثقفا؛ إذ تخرج في جامعة تورينو، وكان يتحدث الإسبانية والفرنسية والإنجليزية إلى جانب لغته الأم. وقد جعله تعليمه وثقافته شخصا خطيرا جدا عندما استغل مهاراته في ارتكاب الجرائم.
لقد أصبحت أعرف الآن طريقة فيليني في ارتكاب الجرائم، سواء جرائم القتل أم سرقة المنازل، تماما كما أعرف توقيعي على قطعة من الورق الأبيض، وبمجرد أن رأيت جثمان الرجل المقتول في متنزه جرينيتش بارك، كنت متأكدا من أن فيليني هو القاتل. كانت السلطات الإنجليزية آنذاك تنظر إلي نظرة ازدراء يغلفها شيء من الود والتسامح.
تعامل معي المفتش ستانديش تعامل شخص ترك في متناول يده حبل طويل حتى يشنق به نفسه. بدا أنه كان يظن أنني سريع الانفعال؛ لذا كان يستخدم معي عبارات للتهدئة كما لو أنني كنت طفلا نزقا يجب تهدئته، وليس شخصا عاقلا مكافئا له، يحتاج لمناقشته وإقناعه. وفي مواقف عديدة، كنت أتوصل بسهولة إلى الحقائق، في حين كان يبقى هو قابعا في غياهب الجهل، وعلى الرغم من أن هذا التوجه القائم على التقليل من قدره للتعامل بلطف مع شخص من الواضح أنه يراه مجنونا أرعن كان مثيرا بشدة لسخطي، فأنا مع ذلك سعيد للغاية؛ لأنني استطعت تمالك أعصابي معه. لكن اتضح لي أن من المستحيل أن أتجاوز تحيزه الشديد؛ فلطالما افترض أنني شخص متقلب وأهوج؛ لذا لم أستطع إثبات أنني مفيد له — على أي نحو — في مهامه الشاقة.
كانت قضية فيليني آخر محاولاتي لكسب وده. بدا المفتش ستانديش في أكثر حالاته المزاجية لطفا عندما مثلت بين يديه، وكان ذلك بالرغم من أن مأساة متنزه جرينيتش كان يتردد صداها في جميع أنحاء لندن، دون أن يكون لدى الشرطة أدنى فكرة عن الجريمة أو مرتكبها. استشففت من ابتسامة المفتش ستانديش الكريمة أنني أنفعل بعض الشيء حين أتحدث إليه، وربما استخدمت العديد من الإيماءات التي بدت عديمة المعنى بالنسبة إلى رجل ضخم يمكن أن أصفه بأنه عديم العاطفة وبطيء الكلام ولا يحرك يده، كما لو أن عباراته هي خلاصة حكمة السنين.
صحت قائلا: «أيها المفتش ستانديش، هل من سلطتكم أن تقبض على شخص عند الاشتباه فيه؟»
قال: «بالطبع، هذا من سلطتنا، لكننا يجب أن نتأكد من وجود حالة الاشتباه قبل أن نقبض عليه.»
قلت متعجبا: «ثق بي. الشخص الذي ارتكب جريمة القتل في متنزه جرينيتش بارك مجرم إيطالي يدعى فيليني.»
أعطيته عنوان المكان الذي من المفترض أنه كان يعيش به، مع توجيه بعض التحذيرات بشأن طبيعته المراوغة. قلت له إنني استطعت الإمساك به ثلاث مرات، لكنه نجح في تلك المرات الثلاث في الهرب مني. لكنني شعرت بعد ذلك بأن المفتش ستانديش لم يثمن أي كلمة قلتها.
سألني المفتش ببطء: «ما دليلك على ارتكاب هذا الرجل الإيطالي للجريمة؟»
رددت: «الدليل موجود على جسد الرجل المقتول، لكن إذا واجهت فيليني بي فجأة، ومن دون أن تعطيه أي فكرة عن الشخص الذي من المفترض أن يقابله، فسوف تحصل على الدليل من شفتيه قبل أن يتمالك نفسه من اندهاشه ورعبه.»
لا بد أن شيئا ما في ثقتي بنفسي قد أثر في المفتش؛ لأنه أصدر أمر الاعتقال. والآن، وأثناء غياب الشرطي الذي جرى إرساله للقبض على فيليني، شرحت للمفتش بالكامل تفاصيل خطتي. فعليا، لم يكن يستمع إلي؛ إذ كان رأسه منكبا على دفتر اعتقدت أنه كان يدون فيه الملاحظات التي أقولها، لكن عندما انتهيت من كلامي، استمر في الكتابة كما كان يفعل قبل ذلك؛ لذا رأيت أنني قد بالغت في تقدير مكانتي دون داع. مر أكثر من ساعتين قبل عودة الشرطي وفي قبضته المتهم الإيطالي الذي كان يرتعد خوفا. التفت بسرعة قبالته وصحت فيه بنبرة تهديد:
«فيليني! انظر إلي! أنت لا تستطيع العبث مع فالمونت لأنك تعرفه جيدا! ما أقوالك فيما يتعلق بحادثة القتل التي جرت في متنزه جرينيتش بارك؟»
أؤكد لكم أن المتهم الإيطالي انهار وكان على وشك السقوط تماما على الأرض لولا وجود الشرطيين اللذين كان يمسك كل منهما إحدى ذراعيه بيديه. اعتلى وجهه شحوب شديد، وبدأ يتلعثم وهو يسرد اعترافه عندما حدث هذا الأمر العجيب الذي لا يصدق وقوعه في فرنسا؛ فقد أشار المفتش ستانديش إليه بالتوقف عن الكلام.
وقال بجدية محذرا: «لحظة واحدة! تذكر أن كل ما تقوله سيستخدم ضدك!»
أخذت عينا الرجل الإيطالي السوداوان السريعتان والصغيرتان والبراقتان تنتقلان من ستانديش إلي وبالعكس. وفي لحظة، أدرك ذهنه المتوقد الموقف. مجازيا، جرت تنحيتي جانبا؛ فأنا لم أكن هناك بأي صفة رسمية. وقد أدرك على نحو خاطف العقلية البلهاء التي كان عليه التعامل معها. فأغلق فمه بسرعة وكأنه مصيدة من الصلب، ورفض أن ينبس ببنت شفة. بعد فترة قصيرة، أطلق سراحه؛ إذ لم يكن هناك أي دليل ضده. وعندما توافر في النهاية دليل إدانته الكامل في أيدي السلطات البريطانية البطيئة، كان هذا الرجل الشديد الذكاء آمنا في سلسلة جبال الأبينيني، واليوم هو يقضي حكما بالسجن المؤبد في إيطاليا لاغتياله سيناتورا لا أذكر اسمه.
هل هناك أي عجب إذن في شعوري بالإحباط واليأس لوجودي وسط هؤلاء؟ لكن هذا كان في الأيام الأولى. أما الآن وبعد امتلاكي خبرة أكبر بالإنجليز، فقد تغير الكثير من آرائي المبدئية عنهم.
لقد ذكرت كل هذا لأشرح: لماذا، كمحقق خاص، كنت معتادا على فعل ما لم يكن يجرؤ أي مسئول إنجليزي على فعله؟ إن البلد الذي يرسل شرطيا، دون حتى أن يكون معه مسدس يحميه، للقبض على مجرم عتيد في أخطر أحياء لندن، لا يمكن فهمه من جانب أي من مواطني فرنسا أو إيطاليا أو إسبانيا أو ألمانيا. وعندما بدأت أنجح كمحقق خاص في لندن وأدخر المال الكافي لإتمام مشروعي، قررت ألا يعيق عملي تلك الرخاوة غير المبررة للإنجليز تجاه الأشخاص المتهمين؛ لذا غيرت تصميم شقتي، وجعلت في وسطها غرفة مظلمة محكمة كأي زنزانة من زنازين سجن الباستيل. كانت مساحة تلك الغرفة ١٢ قدما مربعة، ولم تكن تحتوي على أي أثاث سوى عدد من الأرفف ومرحاض في أحد الأركان وفراش صغير. كانت تجرى تهويتها من خلال فتحتي تهوية في وسط السقف، تعمل في إحداهما مروحة كهربائية عندما يشغل أحد الغرفة؛ بحيث تخرج الهواء الفاسد عبر هذه الفتحة، وتدخل الهواء النظيف عبر الفتحة الأخرى. كان مدخل تلك الزنزانة يفضي إلى غرفة نومي، وما كان أدق تفتيش ليكشف مكان بابها الذي كان من الصلب الشديد، وكان يفتح ويغلق باستخدام زر كهربائي كان مخفيا جزئيا بفعل ظهر سريري. وحتى إذا جرى اكتشافه، فما كان سيكشف عن شيء؛ لأن من شأن إدارته مرة واحدة أن تضيء الضوء الكهربائي الموجود في ظهر السرير، وإدارته مرة ثانية ستغلق هذا الضوء، وكان هذا سيحدث ما دام الزر يدار جهة اليمين. لكن إذا أدرته ثلاث مرات ببطء جهة اليسار، فإن الباب المصنوع من الصلب كان سينفتح. كانت وصلته مخفية تماما وراء كسوة الجدار. وقد جعلت الكثير من المجرمين يعودون لصوابهم بين الجدران المنيعة لتلك الغرفة الصغيرة.
إن من يعرفون قواعد البناء في لندن سيتعجبون، كيف أمكنني خداع المفتش الحكومي أثناء بناء هذا الجزء من سجن الباستيل في وسط مدينة لندن الحديثة. كان هذا أبسط شيء في العالم. إن حرية المواطن هي القاعدة الكبرى الأولى لدى الشعب الإنجليزي؛ ولهذا السبب أتيح لكثير من المجرمين الهرب. كنت أضع خططا لانتهاك تلك القاعدة الكبرى الأولى. ولكي أفعل هذا، استغللت القاعدة الكبرى الثانية للإنجليز، ألا وهي: عدم انتهاك حرمة المسكن. قلت لسلطات البناء إنني رجل غني ولا أثق كثيرا في البنوك. وإنني أرغب في أن أبني داخل شقتي خزانة أو غرفة حصينة أضع فيها مقتنياتي الغالية. بنيت حينها غرفة كتلك التي يمكن أن توجد في أي بنك، والعديد من المباني الخاصة في المدينة. ومن الممكن أن يعيش في شقتي أي مستأجر مدة عام ولا يشك أبدا في وجود هذا السجن. ومن الممكن أن تطلق قاطرة سكة حديد صافرتها داخل تلك الغرفة دون أن يصل أي صوت إلى الشقق المحيطة بها إلا إذا كان الباب مفتوحا.
إلى جانب السيد يوجين فالمونت، الذي يرتدي أفخم الملابس كما لو أنه لا يزال الرجل الأرستقراطي الباريسي الذي يسكن بالطابق العلوي بأحد أفخم المباني، كان يوجد فرنسي آخر في لندن يجب علي أن أقدمه لكم، ألا وهو: البروفيسور بول دوشارم الذي كان يعيش في غرفة قذرة بأحد الشوارع الخلفية في حي سوهو، وهو الحي الأرخص والأقل إقبالا من قبل الناس. يثني فالمونت على نفسه بأنه لم يبلغ بعد منتصف العمر، لكن دوشارم المسكين لا يحتاج إلى لحيته الرمادية الخفيفة للإعلان عن تقدمه في العمر. كانت تبدو على فالمونت مظاهر الثراء والرخاء وكان يتباهى بذلك. أما دوشارم، فكان يرتدي ملابس رثة وتبدو عليه مظاهر الفقر اليائس. لقد كان يجر قدميه في الشارع في خنوع وخضوع؛ إنه شخص من بني وطنك لا يمكن أن تفتخر به. هناك العديد من الفرنسيين المستعدين لإعطاء دروس أخلاقية بلغتهم مفادها أنه يمكن لأي منهم أن يعيش حياة فقيرة ويستطيع تحسين ظروفه، لكنك لن ترى أبدا فالمونت الأنيق يسير جنبا إلى جنب مع دوشارم المعدم.
قد تتعجب قائلا: «آه! فالمونت في رخائه نسي هؤلاء الأقل حظا من بني جلدته.»
أستميحكم عذرا يا أصدقائي. ليس الأمر كذلك؛ ففي الواقع، أعترف لكم أن فالمونت المتأنق ودوشارم الرث الملابس هما شخص واحد. وهذا هو السبب وراء عدم تنزههما معا. بالطبع لا يتطلب الأمر أي براعة تمثيلية للعب دور دوشارم البائس؛ لأنني عندما قدمت لأول مرة إلى لندن، كنت أصارع الفقر في تلك الغرفة البائسة، وكنت أنا من سمر على بابها لافتة مطبوعة مكتوبا عليها «البروفيسور بول دوشارم، أستاذ اللغة الفرنسية». لم أتخل قط عن تلك الغرفة، حتى عندما أصبحت غنيا وانتقلت لشقتي الفخمة، تلك التي تشتمل على غرفة الرعب الخفية التي لا تعلم السلطات الإنجليزية عنها شيئا. لم أتخل عن غرفة حي سوهو بالأساس للسبب التالي: لو عرفت حقيقة بول دوشارم، لكان سيعتبر شخصية خطيرة، لكن كان من الضروري أحيانا بالنسبة إلي تقمص تلك الشخصية؛ فلقد كان عضوا في إحدى المنظمات اللاسلطوية الدولية. كان المقر الحقيقي لتلك المنظمة الشريرة هو لندن، وقد لعنا نحن المسئولين العاملين مع أجهزة الخدمة السرية الأوروبية أكثر من مرة تهاون الحكومة البريطانية الذي سمح لمجموعة مصاصي الدماء هذه بالوجود على أراضيها دون أن يجري المساس بها عمليا. أعترف أنني قبل أن أعرف جيدا كما أعرفهم الآن كنت أظن أن هذا التهاون كان راجعا لأنانية شديدة؛ لأن اللاسلطويين لم يتسببوا قط في أي مشكلات في إنجلترا. إن إنجلترا هي المكان الوحيد في أوروبا الذي لا يمكن فيه للاسلطوي أن يسجن إلا إذا كان هناك دليل ضده يجعله يخضع لمحاكمة في جلسة علنية. يستغل اللاسلطويون هذه الحقيقة؛ فتدبر الخطط في لندن وتنفذ في باريس أو برلين أو بطرسبرج أو مدريد. أدرك الآن أن تلك الطراوة من جانب الحكومة البريطانية لا ترجع إلى مكرها، وإنما لتمسكها غير المبرر بقاعدتها الكبرى «حرية المواطن». طالبت فرنسا أكثر من مرة بتسليم مواطنيها من اللاسلطويين، لكن طلباتها كانت دائما ما تقابل بالسؤال التالي:
أعرف حالات عديدة كان اليقين فيها مطلقا، وأعرف أيضا قضايا امتلكنا فيها كذلك أدلة قانونية، لكنها أدلة لم نجرؤ على إعلانها على الملأ، لسبب أو لآخر، غير أن كل هذا لم يكن له أي تأثير على السلطات الإنجليزية. فما كان لهم أن يسلموا حتى أعتى المجرمين إلا بأدلة قانونية معلنة على الملأ. وحتى في حالة توافر تلك الشروط، ما كانوا ليسلموا المتهم إذا كانت الجريمة سياسية.
أثناء عملي مع الحكومة الفرنسية، لم يكن أي جزء من مهامي مقلقا بالنسبة إلي أكثر من ذلك المتعلق بالجماعات السرية السياسية. بطبيعة الحال — في ظل توافر جزء كبير من جهاز الخدمة السرية تحت إمرتي — استطعت الحصول على بعض المساعدة الخبيرة، وحتى بعض المعلومات من اللاسلطويين أنفسهم. لم أقابل حتى الآن لاسلطويا أستطيع تصديقه حتى وإن حلف بأغلظ الأيمان على صحة كلامه. وعندما كان أحدهم يبيع معلومات حصرية للشرطة، كنا نادرا ما نعرف ما إذا كان يحاول فقط الحصول على بعض الفرانكات حتى لا يموت جوعا، أم أنه كان يعطي لنا تفاصيل خاطئة يمكن أن تقودنا للوقوع في فخ ما. لطالما نظرت إلى تعاملي مع العدميين أو اللاسلطويين أو غيرهم من المنظمات السرية التي تقدم على ارتكاب جرائم قتل؛ باعتباره أخطر مهمة يمكن أن يكلف أي محقق بها. لكن من الضرورة المطلقة أن تعرف السلطات ما يحدث في تلك الخلايا السرية. هناك ثلاث طرق للحصول على المعلومات؛ الطريقة الأولى: الحملات الدورية على المشتبه بهم، التي تتضمن ضبط كل الأوراق التي يعثر عليها والتفتيش فيها. هذه الطريقة من الطرق المفضلة لدى الشرطة الروسية، لكنني طالما اعتبرتها طريقة عديمة الجدوى إلى حد كبير؛ أولا: لأن اللاسلطويين، بوجه عام، ليسوا بهذا الحمق بحيث يدونون مخططاتهم على الورق، وثانيا: لأنها تؤدي إلى أعمال انتقامية؛ فكل حملة عادة ما تتلوها موجة جديدة من النشاط من جانب من لم يقبض عليهم. أما الطريقة الثانية، فتتمثل في رشو أحد اللاسلطويين حتى يخون زملاءه. إنني لم أجد أدنى صعوبة في إقناع هؤلاء بقبول المال. إنهم بحاجة دائمة إلى المال، لكنني غالبا ما أجد المعلومات التي يقدمونها في المقابل غير مهمة أو غير دقيقة. يتبقى معنا الطريقة الثالثة التي تكمن في دس عين لنا وسطهم. إن كتيبة الجواسيس هي الأمل الأخير للمحققين. في أحد الأعوام، فقدت ثلاثة من رجالي في إحدى المهام المتعلقة باللاسلطويين، وكان من بين الضحايا أهم مساعدي هنري بريسون. كان مصير بريسون المسكين مثالا على كيف أن رجلا قد يشترك في مهمة خطيرة لعدة شهور دون أن يصيبه أذى ثم يرتكب خطأ صغيرا فيدمر حياته. حصل بريسون في آخر اجتماع حضره على أخبار ذات تبعات فورية وخطيرة لدرجة أنه بمجرد أن خرج من مكان الاجتماع اتجه مباشرة إلى محل إقامتي بدلا من أن يتجه إلى غرفته القذرة في شارع فالجاري. قال حارس بيتي إنه وصل بعد الواحدة صباحا بقليل. وبدا أنه في تلك الساعة كان يستطيع بسهولة إدراك حقيقة أن أحدهم كان يتتبعه. ومع ذلك، بما أن ذلك الفهد البشري فيليني هو من كان يتتبعه، فليس من الغريب أن بريسون المسكين لم يستطع الإفلات منه.