Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
وقف هتشينسون هاتش، الذي يعمل صحفيا، بجوار مكتب محرر الأنباء المحلية، يدخن وهو ينتظر بفارغ الصبر ذلك السيد النشيط المفعم بالحيوية كي يبلغه بعدد من الأمور. لطالما كان محررو الأنباء المحلية منشغلين بأمور كثيرة؛ إذ تعد مهنة قياس نبض العالم مهنة كثيرة الأعباء. وأخيرا ظهر محرر الأنباء المحلية هذا من وسط كومة من الأشياء الأخرى، والتقط ورقة كتب عليها بعض الرموز الهيروغليفية الغريبة، التي تمثل صورته الخاصة من فن الكتابة.
أجاب هاتش: «لا أعرف. لم يسبق أن قابلت أحدها.»
قال المحرر موضحا: «حسنا، تبدو قصة جيدة. إنه بيت مسكون. لا أحد يستطيع العيش به؛ إذ تقع به وقائع غريبة من شتى الأنواع، من ضحكات شيطانية وتأوهات وأشياء أخرى. المنزل مملوك للسيد إرنست ويستون، ويعمل سمسارا. من الأفضل أن تتجه إليه بنفسك وتلقي نظرة عليه. إذا وجدت الأمر مبشرا، يمكنك أن تمضي به ليلة لكتابة مقال الأحد. لست خائفا، أليس كذلك؟»
أجاب هاتش وهو لا يزال يبتسم قليلا: «لم أسمع من قبل أن شبحا أصاب أحدا بأذى. وإذا أصابني هذا الشبح بأذى، فسيصبح الخبر أفضل.»
وهكذا اتجهت الأنظار إلى أحدث الألغاز المروعة لبلدة صغيرة تقع بجوار البحر، لم تخل تماما في الماضي من الألغاز المروعة.
في غضون ساعتين كان هاتش هناك، وسرعان ما وجد منزل ويستون القديم؛ إذ كان معروفا. كان عبارة عن هيكل من طابقين قوي البناء، يقف شامخا منذ ستين أو سبعين عاما على منحدر صخري يطل على البحر، في منتصف قطعة أرض تبلغ مساحتها عشرة فدادين أو اثني عشر فدانا. كان مهيبا حين تنظر إليه من بعيد، ولكن عند معاينته عن كثب تجده مهدما آيلا للسقوط، من الخارج على الأقل.
ودون أن يسأل أحدا في القرية، صعد هاتش طريق المنحدر الصخري متجها إلى المنزل القديم، متوقعا أن يجد أحدا قد يمنحه الإذن بمعاينته، ولكن لم يكن يوجد أحد؛ بل كانت الكآبة والظلام المطبقان يخيمان عليه، وكانت جميع النوافذ والأبواب مؤصدة بقوة.
لم تلق طرقاته القوية على الباب الأمامي أي استجابة، ثم أخذ يهز مصراع إحدى النوافذ دون جدوى. بعدها لف حول المنزل متجها إلى الخلف، وهناك وجد بابا راح يطرقه، ولكن بلا مجيب أيضا. حاول فتحه، ودخل. وقف في المطبخ، كان رطبا، باردا يسوده الظلام بفعل النوافذ المغلقة.
ألقى نظرة خاطفة على هذه الغرفة، ثم مضى في طريقه عبر ردهة خلفية متجها إلى غرفة الطعام، أصبحت مهجورة الآن، بعد أن كانت في وقت ما مكانا مريحا ومجهزا بأثاث أنيق. كانت أرضيتها الخشبية الصلبة يغطيها التراب، وكانت البرودة التي خلفها هجر المكان تسوده بالكامل. لم يكن ثمة أثاث، لا شيء إلا الأتربة التي تراكمت تلقائيا.
من هذه النقطة، من عند باب غرفة الطعام، استهل هاتش ما هو أشبه بدراسة للطراز المعماري الداخلي للمكان. كان على يساره باب؛ كان باب حجرة المؤن وأدوات المائدة الخاصة بكبير الخدم. وكان يوجد ممر يفضي إلى المطبخ الذي كان قد غادره لتوه، على بعد ثلاث خطوات.
كان أمامه مباشرة مرآة ضخمة على الجدار بين نافذتين، بارتفاع سبع أقدام، أو ربما ثمان، وعرض مماثل. وعلى الجدار الذي في نهاية الحجرة إلى يساره وجد مرآة أخرى بالحجم نفسه. ومن غرفة الطعام مر إلى الغرفة المجاورة عبر مدخل واسع، جعل الغرفتين وكأنهما غرفة واحدة تقريبا. كانت الغرفة الثانية، حسب اعتقاده، أقرب إلى غرفة معيشة، ولكن لم يكن بها أيضا أي شيء خلاف الأتربة المتراكمة، ومدفأة ذات طراز قديم ومرآتين طويلتين. كانت المدفأة إلى يساره مباشرة عندما دخل، وكانت إحدى المرآتين أمامه مباشرة بينما الأخرى إلى يمينه.
في نهاية الغرفة، بجوار المرآة، وجد ممرا ذا حجم أكبر قليلا من المعتاد، كان فيما مضى يغلق بباب منزلق. عبر هاتش هذا الممر إلى بهو استقبال المنزل القديم. وهنا، إلى يمينه، كان يوجد البهو الرئيسي الذي يتصل ببهو الاستقبال بواسطة ممر، وعبر هذا الممر رأى سلما عريضا قديم الطراز يؤدي إلى الطابق العلوي. وإلى يساره وجد بابا مغلقا ذا حجم عادي، حاول أن يفتحه، وفتحه بالفعل. حدق داخل غرفة كبيرة خلف هذا الباب. كانت هذه الغرفة هي المكتبة، وكانت تفوح برائحة الكتب والخشب الرطب، ولم يكن بها أي شيء، ولا حتى مرايا.
خلف البهو الرئيسي كان ثمة غرفتان فقط، إحداهما غرفة رسم لها الأبعاد العريضة التي كان أهلنا القدماء يعشقونها، فقدت أجزاؤها المذهبة بريقها، وغطى التراب زخارفها الرائعة. وخلف هذه الغرفة، قرب الجزء الخلفي من المنزل، كانت توجد ردهة صغيرة. لم يكن بها ما يلفت انتباهه، فصعد إلى أعلى. وبينما هو ماض في طريقه استطاع أن يصل ببصره عبر الممر إلى بهو الاستقبال وصولا إلى باب المكتبة الذي كان قد تركه مغلقا.
كان الطابق العلوي يحوي أربعة أو خمسة أجنحة فسيحة. رأى هنا أيضا ولع مالك المنزل بالمرايا مرة أخرى في الغرف الصغيرة المخصصة لارتداء الملابس. وبينما كان يمر بالغرفة تلو الأخرى رسخ ترتيبها جميعا في ذهنه، ثم على الورق لدراسته، وذلك حتى يستطيع، إن استدعى الأمر، مغادرة أي جزء من المنزل في الظلام. لم يكن يعرف إن كان هذا سيحدث أم لا، لكنه مع ذلك قد يكون ضروريا، ومن هنا جاء الاهتمام؛ وهو الاهتمام ذاته الذي أبداه وهو في الطابق السفلي.
بعد معاينة سريعة أخرى للطابق السفلي، خرج هاتش متخذا الطريق الخلفي المؤدي إلى الإسطبل. كان على بعد بضع مئات من الأقدام خلف المنزل، وكان ذا طراز معماري أحدث. كان الجزء العلوي، الذي يتم الوصول إليه عبر سلم خارجي، يحوي غرفا معدة للخدم. ألقى هاتش نظرة على هذه الغرف، ولكنها بدت هي الأخرى مهجورة لسنوات عديدة. أما الجزء السفلي من الإسطبل فقد وجده معدا لإيواء نصف دزينة من الخيول، إلى جانب ثلاث أو أربع مصائد.
«لا يوجد هنا ما يخيف أحدا.» كان هذا هو ما دار بذهنه عندما غادر هذا المكان القديم وعاد أدراجه إلى القرية. كانت الساعة الثالثة بعد الظهر. كان هدفه أن يعرف كل ما يمكنه الوصول إليه عن «الشبح»، والعودة في تلك الليلة لمتابعة التطورات.
اتجه إلى مكتب الاستعلامات المعهود للقرية، والذي تمثل في شرطي البلدة، وهو رجل عجوز أشيب في الستين من عمره، كان يدرك أهميته بوصفه مديرية الشرطة بأكملها، وكان يحفظ عن ظهر قلب كل المعلومات وكل ما يقال من نمائم، وإن طالها التحريف بدرجة ما، على مدى أجيال عديدة.
ظل العجوز يتحدث على مدى ساعتين — إذ كان يسعد بالحديث — وبدا تواقا لفرصة رائعة كتلك التي أتاحها له الصحفي. استخلص هاتش من الحديث تلك الأشياء التي قد تكون ذات قيمة في مقاله؛ وهي ما أراد.
حسب ما قاله الشرطي، يبدو أن منزل ويستون ظل مهجورا لخمس سنوات، منذ وفاة والد إرنست ويستون، المالك الحالي للمنزل. ولكن قبل أسبوعين من ظهور الصحفي هناك، جاء إرنست ويستون برفقة أحد المقاولين لمعاينة المنزل القديم.
قال الشرطي بحصافة: «نفهم من هذا أن السيد ويستون سوف يتزوج عما قريب، وفي اعتقادنا أنه بصدد تجهيز المنزل ليكون منزله الصيفي مجددا.»
سأل هاتش، بوصف ذلك خبرا: «من سيتزوج في اعتقادك؟»
كانت إجابته: «الآنسة كاثرين إيفرارد، ابنة كيرتس إيفرارد، أحد المصرفيين ببوسطن. أعلم أنه اعتاد مواعدتها قبل وفاة العجوز، ويقولون إنها منذ ظهورها في نيوبورت وهو يقضي معها وقتا طويلا.»
قال هاتش: «آه، فهمت. كانا على وشك الزواج وجاءا إلى هنا؟»
قال الشرطي: «هذا صحيح، ولكن لا أعرف متى؛ نظرا لظهور قصة الشبح هذه.»
قال هاتش: «آه، نعم، الشبح. حسنا، ألم تبدأ أعمال الإصلاح مجددا؟»
أجاب: «بلى، ليس بالداخل. كان ثمة بعض الأعمال في الأساس — خلال فترة النهار — ولكن ليس الكثير، وأعتقد أنه سيمر وقت طويل قبل الانتهاء من العمل برمته.»
قال الشرطي العجوز: «حسنا.» ثم مسد ذقنه متأملا وأكمل قائلا: «تبدو قصة عجيبة. بعد بضعة أيام من مجيء السيد ويستون إلى هنا، جاءت مجموعة من العمال، معظمهم إيطاليون، من أجل العمل، وقرروا النوم في المنزل — كنوع من التخييم — إلى أن يتسنى لهم إصلاح تسريب في الإسطبل والدخول إليه. وقد وصلوا في وقت متأخر بعد الظهيرة، ولم يقوموا بالكثير في ذلك اليوم سوى دخول المنزل، وصعدوا جميعا إلى الطابق العلوي لقضاء ليلتهم. في حوالي الساعة الواحدة سمعوا بعض الضجيج في الطابق السفلي، انتهى بسماع شتى أنواع الجلبة والصرخات والتأوهات، وبطبيعة الحال نزلوا لتفقد الأمر.
حينئذ شاهدوا الشبح. كان في بهو الاستقبال، حسب أقوال بعضهم، بينما قال آخرون إنه كان في المكتبة، ولكنه كان موجودا على أي حال. وغادر الجمع برمته بأسرع ما يمكن، وناموا على الأرض في تلك الليلة، وفي اليوم التالي حملوا متعلقاتهم وعادوا إلى بوسطن. ومنذ ذلك الحين لم يسمع أحد عنهم شيئا.»