Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
لم تشهد مدينة الفسطاط منذ أن دق عمرو بن العاص بها أطنابه كهذين الفارسين، وقد التفا بعباءتيهما السوداوين فزادا ظلمة الليل البهيم وحشة وإرهابا، وخطا بهما جوادهما في حذر وخشية، فلم يكن يتردد من أنفاسهما إلا ما يتردد من همسات النسيم الوادع يهز أطراف الغصون. اخترق الفارسان خضم الظلام كأنهما شبحان من أشباح الظلام، لا تكاد تحس لهما حركة أو تسمع ركزا، أو كأنهما تمثالان من صنع الفراعين الأولين سرت إليهما روح خافتة خامدة فبقيا على ما عهد فيهما من جمود إلا ما كان من يد تقبض على العنان، ورجل تثبت في الركاب. صمت وإطراق مخيفان حقا، وليل وهدوء مخيفان حقا، والهدوء في ذاته رفيق بالنفس، حبيب إليها، ولكنه إذا اقترن بالظلام كان مخيفا، وكان مبعثا للهواجس ومثارا للخيال الجامح الذي يخلق ما شاء من صور، ويبتدع ما أراد من تهاويل. وخير لك ألف مرة إذا لفك الليل في مكان موحش أن تسمع حولك صخبا وضوضاء من أن تسمع هدوءا وصمتا، إذا صح أن الهدوء والصمت يسمعان؛ ذلك لأن الهدوء مظنة المفاجأة والاغتيال، وهل قتل الصيد إلا ذلك الهدوء الذي يتصنعه الصائد لينقض؟ وهل فتك القاتل بفريسته إلا بعد أن خدعها بجو من السكون الشامل؟ وهل يسرت الفطرة للحيوانات الضارية سبيل الفتك إلا بتلك الأقدام اللينة التي لا تحس إذا مست الثرى؟
سار الفارسان في صمت وإطراق، وظللهما الليل بصمته وإطراقه، فكان لا يرى إلا سراج خافت هنا وهناك يلمع في نافذة، ولا يسمع إلا طنين بعوضة أتخمتها الدماء، فأرسلت صوتا ضعيفا متقطعا، ولا يحس إلا رفيف خفاش عاد من بعض الحدائق بعد أن نال من ثمارها.
سار الفارسان هكذا صامتين جامدين فمرا بجامع العسكر، وكان أبو هلال السبكي مؤذن المسجد ينام فوق سطحه، واتفق أن أيقظه بعض الهوام، فبدرت منه التفاتة، فرأى الفارسين. وكان من بين كبار المخرفين يحتفظ إلى حفظه القرآن الكريم بثروة واسعة من أقاصيص الجن والشياطين، فما كاد يرى الفارسين حتى حملق وتمتم بكل ما وعى صدره من صنوف الاستعاذات والأدعية، فلما جاوزاه تنفس الصعداء، وأخذ يسكن رعدة هزت أوصاله، ويحدث نفسه في همس لم تسمعه أذنه: أفارسان هما؟ لا. إنهما لم يكونا فارسين، أنا واثق بذلك ثقتي بوجود هذه المئذنة القائمة. وأنى لفارسين أن يسيرا في هذا الليل الداجي، وفي ليلة يسكن فيها كل رجل إلى أهله ويهدأ ليستقل العيد مرحا نشيطا؟ إنهما لم يتحركا ولم يتهامسا فكيف يكونان رجلين؟ لقد رأيت بعيني شرارا يتطاير من أعينهما، ورأيت بعيني أنهما كانا يركبان أسدين لا حصانين. نعم لقد كانا أسدين ما في ذلك شك. لقد سمعت زئيرهما بأذني. ولقد اتجه أحدهما ببصره إلى أعلى كأنه أحس بمكاني فأخفيت وجهي خلف شرفات المسجد.
ويلي من هذه الأرواح الشريرة التي لا تدب إلا في حلك الظلام! وإلى أين كان يسير هذان الشيطانان؟ أغلب الظن أنهما لا ينتهيان إلى خير، أكان علي أن أصيح بملء صوتي حتى أوقظ النوام لينقضوا عليهما؟ لا. لو فعلت وتيقظ الناس لتسربا في الهواء، ولم يكن جزائي إلا أن أشتم وأرمى بالجنون. غدا أقص على الناس هذا الخبر الرائع، وسيكون حديث العيد، وسوف ينالني شيء من الخير كلما قصصته على من لهم ولوع بمثل هذه الأخبار.
ابتعد الفارسان عن جامع العسكر فمال أحدهما على صاحبه وقال هامسا: كيف نجتاز الباب الشرقي يا أبا الطيب؟
– هذا ما كنت أفكر فيه يا ابن يوسف، ومن العجيب أننا دبرنا كل شيء ولم يخطر ببال أحدنا أن الباب سيكون مغلقا، وأن الحارس قد يكون شريرا عنيفا.
– لو كان الحارس شكسا صخابا لقضي الأمر وكتبت علينا الخيبة.
– خل عنك اليأس يا ابن أخي، فإن من خصائص هذا الخنجر أنه يسكت الأصوات.
– لن ألوث يدي بدماء الأبرياء.
– إن من يقف في طريق عزيمتي لا يكون بريئا. فابتسم صاحبه ابتسامة ضاعت في الظلام، وقال: أخشى أن أقف في طريق عزيمتك.
– لا تمزح يا خزاعي، فإنما نحن في جد عابس دميم. بم تشير إذا لم نقتل الرجل؟
– لقد اعتدت ألا أفكر في أمر إلا بعد أن أعرف ما يحيط به من شئون، وبعد أن ألتقي بصعابه وجها لوجه، فدعنا الآن من التفكير فلعل الله معقب فرجا.
كان المتكلم عبد العزيز الخزاعي زعيم العرب ببلبيس، وكان يخاطب صديقه وصفيه أحمد بن الحسين المتنبي، وقد عزم في تلك الليلة على الرحيل عن مصر والفرار من وجه كافور، بعد أن أقام أربع سنوات في ضيافة الأسود يمدحه بروائع الشعر، ويخلع عليه من صفات الجلال والبطولة ما يندر اجتماعه في إنسان. ولم يقصد كافورا إلا بعد أن خدعه عماله، أو خدع هو نفسه بأنه سينال عنده الحظوة الكاملة، والمنزلة الرفيعة، وأنه سيوليه إمارة تسكت صائح طموحه، وتشفي غلة نفسه، وترفعه من وهدة الشعراء المجتدين، إلى قمة الملوك الحاكمين. فأقام بمصر يتزلف إلى الأسود ويتملقه؛ ويضفي عليه حللا من الثناء لم ينسجها زهير لهرم بن سنان، ويثب بنسبه المجهول دفعة واحدة حتى يبلغ به ذروة معد بن عدنان. وقد أنفد الأسود حيله، فكان يستجديه ويسأله إنجاز وعده في لطف ووداعة، أو في خشونة وإلحاف. وكثيرا ما كان ييأس فيثور على كافور وعلى نفسه وعلى الناس جميعا، ويلعن الحظ العاثر الذي ساقه إلى مصر، وأوقعه بين براثن هذا الزنجي اللعين، ويبكي على أيام سيف الدولة وعلى سالف عهده بحلب، وما كان يتقلب فيه من نعيم في ظلال هذا العربي المجاهد الكريم الذي كان يفهم شعره، ويقدر مكانته، وينزله بين سمعه وبصره، ولكنه بطر وأشر فلاقى جزاء البطر والأشر. سخط على الجنة التي كان ينعم فيها بوارف من العيش هنيء، فخرج منها مذءوما شريدا، فساقه النحس وقاده نكد الطالع إلى جحيم تأجج فيها الخلف والكذب والمطل والخديعة والرياء. إلى جحيم يرى فيها نفسه وهو العربي العزوف، والشريف الأنوف، الذي تصغر في عينه العظائم، ويرمي بعزيمته إلى أبعد مطارح الآمال، مدفوعا إلى أن يقول للقرد: أنت آية الجمال، وللكلب: أنت العزة في تمثال، ولابن آوى أنت صفوة الصحاب، وللثعبان أنت ملح اللمى عذب الرضاب. وأن يقول لكافور:
إلى جحيم أحرق فيها آماله ومطامحه وعزته وشممه، وهدم فيها كل مجد بناه، وشرف أثله وأعلاه، وأصبح من سوقة الناس شاعرا مستجديا بغيضا، يرمي إليه العبد بفتات موائده، ويلزمه أن يقول بكل لقمة يزدردها بيتا من الشعر في وصف آلائه الحسنى، وآيات عظمته الكبرى. إلى جحيم سلط فيها كافور عليه زبانيته ينتقصونه ويزدرونه ويتجسسون عليه، فلا ينطق بكلمة إلا وهي في كتاب، ولا يخطو خطوة إلا ولها عندهم حساب.
ضاق المتنبي بمصر واختنق بعد أن رأى أنه فقد فيها كل شيء، ولم يحصل على شيء. وبعد أن رأى شبابه يولي قبل أن يبلغ من الدنيا مأربا، وغصن عوده يذوي وتسقط أوراقه جافة يابسة كما تسقط أوراق الخريف إذا عصفت بها الرياح، وبعد أن رأى الشر يلمع في عيني كافور، ورأى النمر يستجمع للوثوب، والصل الأسود يقترب منه رويدا رويدا ليقبله قبلة الوداع، وبعد أن تواترت إليه الأخبار بأن كافورا ووزيريه ابن الفرات وأبا بكر بن صالح يعدون الفخ لاصطياد الطائر الطموح المغرور، وبعد أن جلس الجواسيس والعيون حيال داره لا يفارقونها في صباح أو مساء.
ضاق المتنبي بمصر واختنق حينما تنكر له أهلها، وناصبه العداء علماؤها، ومشى له الضراء شعراؤها، وأصبح شعره فيها سخرية في كل مجلس، ومتندرا في كل سامر. ولو لم يخفف الله عنه هذه البلوى بحب عائشة بنت رشدين وصادق وفائها وحلو حديثها، وبإخلاص أخيها صالح وكريم حفاوته، وبمودة عبد العزيز الخزاعي، ورعاية إبراهيم العلوي، لبخع نفسه الحزن، ولقضى عليه الهم، ولذهبت نفسه في الهالكين. كان يحب عائشة، وكانت تحبه حبا عذريا قدسيا شريفا يناغم عزتها وكرم أرومتها، ويساوق شرفه وأنفته. وكان يزور بيت أخيها بين الحين والحين، فيجد في حنوها الجنة والنعيم، وكثيرا ما كان يضم المجلس الشريف إبراهيم العلوي والشاعر ابن أبي الجوع وشيخ العرب عبد العزيز الخزاعي.
وكان للمتنبي بصيص من أمل في أبي شجاع فاتك، وهو من كبار قواد دولة الإخشيد، ولكن الموت عاجله فأطفأ آخر وميض لمطامع الشاعر، وتركه مع كافور يتنازعان البقاء، ويتباريان في فنون الدهاء والرياء.
لم يبق إذا لأبي الطيب عيش بمصر، ولم يبق له إلا أن يرحل وأن يرحل سريعا، فقد ينطبق عليه الفخ في أية لحظة، وقد تنقض عليه الصاعقة وهو يتأمل في جمال الأفق. ولكن ماذا يصنع وقد نصب له الأسود الأرصاد، وبث خلفه العيون، وعقد العزم على أن يحتبسه بمصر وألا يدع له إلى الفرار سبيلا؟ فقد كان العبد يخشى عاقبة فراره. وكان يخاف بعد أن أذاقه عذاب الهون بمصر أن ينطلق لسانه بهجائه إذا استدبر الفسطاط، وأن يجعل من اسمه سبة الأبد، وأضحوكة الأجيال.
ضاقت الدنيا في وجه المتنبي، ورأى أن حبل كافور أخذ يقترب من رقبته رويدا رويدا، فدبر مع أصدقائه أن يفر من مصر ليلة عيد الأضحى من سنة خمسين وثلاثمائة، وأن يساعده على الفرار صديقه عبد العزيز الخزاعي، وأن يرحل ابنه وعبيده عن مصر قبل فراره بأيام.
وقد تمت المؤامرة ونفذت دون أن يخرم منها حرف، وتسلل الشاعر في هذه الليلة من داره في صحبة صديقه الخزاعي بعد أن ترك تحت غطاء سريره ورقة كتب بها قصيدة في ذم كافور نفث فيها سمه، وشفى غليل صدره، ولطخ كافورا بهجاء مر مقذع يمحي جلده الأسود ولا يمحى، وتزول بشاعة وجهه ولا يزول، ورماه بسخرية لاذعة وكلم ممض أصغت إليه الآفاق، وتداولته الأزمان وتندرت به الأجيال، وبقى بقاء الشمس، وترك للعبد ذكرا خالدا لو كان يطمع في مثل هذا الخلود. ولا يزال أبناؤنا وبناتنا وشبابنا وشيبنا ينصتون في شغف وشوق إلى:
خرج المتنبي في هذه الليلة من الفسطاط فارا من وجه كافور ومعه صاحبه الخزاعي، فلما اقتربا من الباب الشرقي ألفيا عنده رجلا ضخما مفرطا في الطول، قوي العضل، موثق الخلق، كأنه صخرة نحتت على هيئة الرجال. ولم يكن فراج القوصي حارس الباب، ولكنه كان ينوب في هذه الليلة عن زوج أخته علقمة السباعي، الذي أراد أن يرفه عن نفسه ليلة العيد بالراحة وبعض اللهو، وكان فراج على قوة جسمه ضعيف العقل خامد الإدراك، ساذجا إلى حد البلاهة، عنيفا إلى حد الجنون، كأنه الهر المستوحش لا تراه إلا متنمرا متوجسا، نشأ في أعلى الصعيد ببلدة قوص نشأة جافية، بين جهل وبداوة وشظف في العيش، فلم تعطف عليه إلا بقليل من الإدراك لا يخرجه من نطاق الحيوان الأعجم إلا بشق الأنفس وبعد لأي وجهد. كان بقوص يرعى الماشية ويعيش معها: يأكل مما تأكل، ويشرب مما تشرب، ويسبح في النيل كما تسبح، وينام حيث تنام ويفهم لغتها وتفهم لغته، ولم يكن بينه وبينها من الفروق إلا أن هذا قائم يمشي على رجلين. وتلك متطامنة تمشي على أربع. وإن أحدا لا يدري إلى الآن أمنها أخذ عقله أم منه أخذت عقلها؟ ولكن الناس كانوا يرون قطيع الجاموس وفيه فراج فيظنونه مالا سائبا، وكانوا في أحيان قليلة يرون فراجا وحده، فيعجبون كيف شرد هذا الحيوان عن القطيع، وكيف ترك هكذا هملا؟ وكان شباب القرية ومجانها كثيرا ما يتندرون به ويهارشونه: جلسوا مساء يوم عند شاطئ النيل، وقد جاء ليسقي قطيعه ويشرب، فسأله خبيث منهم معاجزا: كم عدد قطيعك يا فراج؟ فوقف ذاهلا وقد فتح فاه، ثم بدا على وجهه الجد، وقال في تلعثم: عدد القطيع؟ وماذا أريد من عدد القطيع؟ إنه يأكل ويشرب وكفى.
– لو سرق سارق إحدى هذه الجواميس، أكنت تعرف إذا لم تعرف عددها؟
– أعرف كل شيء، والذي أعرفه أكثر وأكثر أن سارقا لو جرؤ على أن يمد يده إلى جاموسة منها لشربت دمه شربا. ثم نظر إلى سائله في سخرية وتحد، وقال: على أن عددها من أيسر الأمور وأهونها، فهذه واحدة، وهذه واحدة، وهذه واحدة …
– كم واحدة إذا؟ فأسرع بعض الشبان ساخرا، وقال: الله سبحانه وتعالى أعلم، فالتقطها فراج في عجلة واغتباط كأنه ظفر بالقول الفصل والرأي القاطع، وصاح في جذل: الله سبحانه وتعالى أعلم.
طلب الخزاعي من فراج في رنة الآمر وعظمة الواثق أن يفتح الباب، فنظر إليه فراج وأخذ يصعد فيه بصره ويصوبه، ثم فتح الله عليه بكلمة فقذف بها في سرعة حتى لا ينساها، وقال: إني لست حارس الباب.
– أنا فراج. فعلم الخزاعي أن في الرجل بلاهة، وأن عليه أن يسير في الأمر على نحو لا ينفر منه ضعاف العقول. فقال: أهلا بفراج! أين المفتاح يا فراج؟
– ماذا تريد من المفتاح؟ إنه في هذه الكوة، ولكن علقمة أمرني ألا أفتح لأحد.
– صحيح، إن علقمة رجل أمين ذكي شديد الحذر، وقد عرف كيف يختار رجلا مثلك أمينا ذكيا شديد الحذر، غير أنه من المحقق أنه أمرك ألا تفتح لأحد يجيء من خارج المدينة، ثم يطرق الباب طالبا الدخول إليها، فإن في ذلك خطرا عظيما، إنها تكون مصيبة داهمة حقا أن يدخل المدينة عدو. ولكنه لا يعقل أن يأمرك بألا تفتح الباب لأي رجل يريد الخروج من المدينة، الخروج من المدينة يا فراج غير الدخول إليها، أين تسكن يا فراج؟