في يوم من أيام الربيع رقت فيه أنفاس النسيم، وجملت أفقه أضواء الأصيل، ظهرت قرطبة عروس المدائن وأم قرى الأندلس، وحولها البساتين والخمائل، تحيط بها أشعة الشمس الذهبية فتبدو كأنها صورة في إطار من ذهب، وقد انحدر تحت قدميها الوادي الكبير نقيا صافيا كأنه خالص اللجين، وجرت به السفن ترف قلاعها البيض كما ترف الحمائم رأت ماء وخضرة فحنت إلى الورود. وانطلق الملاحون ينغمون أهازيج لهم، فيها حب، وفيها أمل، وفيها مجد وبطولة، فسرت ألحانهم مع هبات النسيم ناعمة مطربة، وتوثبت كل موجة علها تقتنص منها لحنا. وامتد فوق النهر الجسر العظيم الذي أمر ببنائه عمر بن عبد العزيز ضخما تياها يباهي بأقواسه السبع عشرة ما بناه الأولون، ويتحدى أن يكون له مثل في الآخرين.هذه قرطبة في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، وفي حكم أبي الحزم ابن جهور، انطلقت قبابها في السماء شامخة معجبة على الرغم مما لاقت من الويلات والفتن والحروب وضروب التخريب والتدمير.هذه قرطبة التي كانت أيام الناصر لدين الله بهجة الدنيا وقبلة الأمم، وملتقى الشرق والغرب، وشعلة النور التي تعشو إلى ضيائها الأبصار، وتفد إليها طلاب العلم من أقاصي الأرض، لعلهم يأتون منها بقبس أو يجدون على النار هدى، والتي لا تزال إلى اليوم تحتفظ بآثار مجدها القديم، وشرفها الصميم.هذه قرطبة في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، تراها فترى صفحة عجزت الخطوب عن محو سطورها، ودوحة لم تعبث الأعاصير إلا ببعض غصونها، وأملا ضاحكا لم تبكه غوابس الليالي، وصوتا مجلجلا لم تخفته رعود الأحداث الجسام. إنها لا تزال تروعك بجمال باهر وقوة كامنة لم تزعزعها الدهارير! إنها الحسناء الفاتنة وخطها الشيب فأضاف إلى حسنها وقارا، والحلية النادرة زادها قدم العهد ثمانة وغلاء. تزدان بالقصور السامقة، والمساجد الفسيحة، ومعاهد العلم الزاخرة بالطلاب، والأسواق العامرة والتجارات الرابحة، وحولها من الأرباض ما يجاوز العشرين عدا، بكل ربض ما يقوم بأهله حتى لكأنه مدينة قائمة بذاتها. أما الحدائق والمروج التي تحيط بها فلن تجد لها فيما سجله التاريخ في ألواحه مثيلا. وكان القرطبيون يسمون هذه الحدائق بالمنى: فهناك منية الرصافة، ومنية الزبير، والمنية المصحفية، ومنية عجب. وكانت هذه المنى ملاعب لهو الأندلسيين ومسرح صباباتهم، فلقد كانت قرطبة مدينة العلم والزهد والتصوف، كما كانت مدينة اللهو والعبث والمجون. وكان لشبابها جولات أساموا فيها سرح اللهو. واستناموا إلى النعيم، وأطلقوا العنان للذات، حتى ليقول شاعرهم:ولقد لدغوا مرات من جراء هذا العبث والتغالي في حب الحياة، فما أغنتهم النذر، وما حاكت فيهم العبر والمثلات، إلى أن جرهم حب الحياة أو الموت الذي لا صحوة بعده!كانت الشمس على وشك الغروب، وكانت المدينة تتطلع لاستقبال الليل وما يحمله إليها من لهو ومرح وبهجة، حينما كان فتى يجلس في إحدى حجرات داره، وفي يده قلم يخط به كلمات يثبتها حينا، ويشطب فوقها حينا، ثم يقف مفكرا حينا، وعيناه ذاهلتان في السقف وفي أرجاء الحجرة، كأنه يتلقف الخيال الطائر، أو يستهوي الوحي الحائر، أو يخشى أن ينزلق قلمه بكلمة تأباها الحيطة، ولا يرضاها الحذر. ذلك الفتى هو أحمد أبو الوليد بن زيدون أديب الأندلس وشاعرها، وهو شاب مؤتلق الشباب، ناضر العود، معتدل القامة، وسيم الوجه، عربي الملامح والشمائل. حاجبان إذا اقتربا عرفت فيهما التصميم والعناد وقوة الشكيمة، وعينان فيهما ذهول الشاعرية وبعد مدى الخيال، وأنف أشم يدل على الكبرياء والثقة بالنفس، وفم مفوه خلق ليكون خطيبا!وابن زيدون من بيت علم وأدب وثراء ونعمة، كان أبوه من كبار قضاة قرطبة، رفيع المنزلة عزيز الجانب، فنشأ الفتى كما ينشأ أبناء المترفين ناعم العيش مدللا، يتقلب في جنبات النعيم، ولكن ميوله الفطرية، ومواهبه الموروثة، كانت تختطف من فراغه ساعات لدراسة الأدب وفنون اللغة، فاطلع على مكنونها، وظفر بذخائرها، وخرج منها وافر النصيب ضليعا متمكنا. والعبقرية تكفيها النظرة، وتجزئها الإلمامة لتحصل في قليل على ما تنفق فيه الأعمار، وتشيب دون نيله النواصي.كان ابن زيدون ينظم أبياتا يجيب بها عائشة بنت غالب التي دعته إلى ندوتها مع ثلة من الشعراء والأدباء، وكان كثير التحزر، يثبت ويمحو، ويختار كل لفظ قبل أن يجري به قلمه، فكتب بعد تردد:وبينما كان يهم بكتابة البيت الثاني، إذ دخل خادمه علي الباجي يؤذنه بقدوم أبي مروان بن حيان مع شاب في زي المشارقة. وكان ابن حيان مؤرخ الأندلس شيخا باقعة عنيف النقد سليط اللسان، لا يكاد يترك أديما صحيحا، فلم يسلم أحد ترجم له في تاريخه من غمزة تقضي على محاسنه، وتذهب بمآثره، لا يستثني من ذلك ملكا جبارا، ولا ثريا عريض الجاه، ولا عالما بعيد الشهرة، فهابه العظماء، وخافه الأمراء، وتقرب إليه بالود الشعراء والأدباء. وكان يحمل في كمه كراسة لا تفارقه في ليله ونهاره، وكلما شاهد حادثة، أو نما إليه خبر، أو وقعت واقعة أسرع فدون فيها ما رأى أو سمع مصحوبا برأيه وما توحي به إليه نفسه.كان صديقا لابن زيدون حميما، ولكنه كان شديد النقد له، قاسيا في نصحه، حريصا على أن يجنبه مزالق الشباب.دخل ابن حيان على ابن زيدون فلما رأى حوله الأوراق والدواة صاح في دعابة قاسية: وهكذا يا أبا الوليد لا تفتأ بين أوراق وأقلام! وأشهد أنك لا تخط فيها إلا ما يمليه الفراغ والشباب. ويلي من أدباء قرطبة ويلي! كأن الشيطان اشترى أقلامهم فما تكتب إلا عبثا ومجونا! فاتجه ابن زيدون إلى الشاب المشرقي وقال في مزح يشبه الجد: ألا تعجب لهذا الشيخ الذي يقتحم داري، ويتجافى عن تحيتي، ثم يبدأني بالسخرية والتقريع؟والتفت إلى ابن حيان فقال: اجلس يا أخي واهدأ فقد كاد يذهب بأنفاسك طول الطريق، ثم عرفني بهذا السيد حتى أقوم له بحق الكرامة. فقهقه ابن حيان وقال: على أن نعرف ما كنت تكتب!– قبلت شريطتك.– هذا يا أخي أبو الفضل محمد الدارمي، قدم إلينا من بغداد تحفزه رغبة بعيدة المنال، ويحدوه أمل في جمع كلمة العرب بعد أن فرقتهم النوازل والأضغان. فتهلل وجه ابن زيدون وصاح: هذه أمنيتي يا سيدي! فإني أعتقد أن العرب لن تعود إليهم قوتهم إلا إذا اتحدت رايتهم، واتفقت كلمتهم، وكانوا بنيانا مرصوصا لا مطمع فيه لعدو. فزفر ابن حيان ثم قال: وأين الثريا من يد المتناول؟فأسرع ابن زيدون يقول: لا تيأس يا شيخ من روح الله!وهنا قال الدارمي: لقد تنقلت في إفريقية، وحادثت أمراءها، ثم بلغت الأندلس منذ عام، وقابلت ابن عباد صاحب إشبيلية، وابن ذو النون أمير طليطلة، وابن صمادح زعيم بطليوس ورأيت منهم ميلا إلى لم الشمل وجمع الكلمة.فهز ابن حيان رأسه في تهكم وسخرية وقال: بشرط أن يكون كل أمير منهم هو الرئيس الأكبر!فعجل ابن زيدون وقال: اتق الله يا حطيئة التاريخ!– لو وجدت خيرا ما كتمته.– إن لك عينا لا ترى إلا الشر.– لا والله! ولكني لا أكتم الحق ولو طاح فيه رأسي.– ما رأيك في ابن جهور عميد الجماعة؟ قل وكن شجاعا.فتردد أبو مروان قليلا ثم قال: إني أقولها في وجهه يا فتى، ولو كنت أهاب السيف ما حملت كفي قلما. إن ابن جهور خير من ساس هذه الدولة بعد أن تمزقت أوصالها، ورثت حبالها، وهو من أشد الناس تواضعا وعفة، وأشبههم ظاهرا بباطن، وأولا بآخر، لولا أنه يحوط ماله بالبخل الشديد، ويغلق باب خزائنه في وجوه السائلين.فقهقه ابن زيدون وقال: لم يسلم الرجل من لدغة الثعبان!وعجل أبو مروان يقول: أي ثعبان يا فتى؟ لقد أطريت الرجل، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه.فزفر الدارمي في أسف قائلا: لقد زرته فرأيته على سجاحة خلقه وحرصه على سلامة رعيته، شديد العداء لمن جاوره من الأمراء، كثير الزراية بهم. وهذا هو الداء العقام الذي أصاب هذه الأمة فهد أركانها، وزعزع بنيانها، ولن يعود للعرب مجدهم إلا إذا عادت لهم أخلاقهم الأولى، وكانوا — كما جاء في الأثر الشريف — في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فهز ابن حيان رأسه وقال:– ما رأيت دستورا للمسلمين أجمع ولا أوجز من قول النبي الكريم: المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم.إن التحاسد والتنافس والاعتصام بالأجنبي والتكالب على الحكم والغلب، كل أولئك كان شره مستطيرا.فقال الدارمي: عندنا في المشرق استعان المعتصم بالأتراك، ومكنهم من رقاب العرب، فكانوا حربا عليه وعلى خلفائه من بعده، وأصبحت الخلافة في أيديهم لعبة لاعب، يولون من يشاءون، ويعزلون من يشاءون، فقاطعه ابن حيان قائلا: أما في الأندلس فالمصيبة أشد وأنكى، فإن الدولة منذ سنة أربعمائة — وهي سنة الفتنة الكبرى — تتقاسمها ذئاب ضارية: من مضرية ويمنية وصقالبة وبربر وإفرنجة، فما كادت تنتهي الدولة العامرية حتى نعبت غربان الشر من كل جانب، وعاثت شياطين الدمار، واندلعت نيران الفتنة فلم تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. ويبدأ عهد الخذلان — والعياذ بالله — من ولاية سليمان بن الحكم الذي لقبوه بالمستعين بالله، وكانت أيامه شدادا نكدات، صعابا مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة. دولة كفاها ذما أن أنشأها «شانجة» ومزقتها الإفرنجة!وكان من نحس رأيه، واختبال عقله، أن اختار علي بن حمود ليكون أكبر قواده، وأقوى مناصريه. اختار بازيا فاصطاده، وسيفا فحز أوداجه. وإذا أراد الله شيئا أمضاه!