Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
أقدم ترجمة كتاب «تلماك»، وعنوانه الأصلي «مغامرات تلماك» لفنلون …
في اليوم السادس من أغسطس سنة ١٦٥١ ولد فرنسوا دو سلنياك دو لا موت فنلون في قصر فنلون بيريغرد، وكان آل فنلون يعدون من أعرق أسر ذلك الإقليم نسبا وأوسطها حسبا، وكان لهم باع طويل في ميادين القتال وعالم السياسة، ومن ذلك أن برتران سلنياك دو فنلون اشترك في حصار مس مع الدوك دوغيز ودون يوميات عن هذا الحصار، ثم عين سفيرا لدى ملكة إنكلترة، إليزابت، فطلب الملك منه أن يسوغ مذبحة سان برتلمي لها، فأجابه بأنفة: «مولاي، أرسل من أشار عليك أن تقوم بهذه المذبحة!»
وبون دو سلنياك هو اسم أبي فرنسوا فنلون، ولويز دو لا كربت دو سنتابر هو اسم أمه، وهي كزوجها من أشراف بريغرد، وبذلك يكون فنلون كريم المحتد من الأصلين.
وعلى ما كان من عدم ثراء آل فنلون ومن اعتدال تراثهم كانوا أغنياء بمصاهراتهم، وهم — ليسرهم المحدود — كانوا يقضون حياة بسيطة مع عدم خشونة، وفي قصر فنلون الذي كان يسوده هذا الطراز من العيش قضى فنلون صباه الأول، أجل، إنه قضى في منزل أبيه دور عمره الأول الذي دام اثني عشر عاما، ولا يعرف نوع التربية التي نال في هذا المنزل، وإن افترض أنها كانت دينية مع تغذيته بالأدب الكلاسي القديم، فلما بلغ السنة الثانية عشرة أرسل إلى جامعة كاءور؛ حيث نال قسطا من الآداب والفلسفة في ثلاث سنين تقريبا.
ولا يعرف متى فقد فرنسوا فنلون أباه ضبطا، وإنما نعلم أنه قصد باريس في الخامسة عشرة من سنيه ليحصل معارف في الفلسفة واللاهوت بكلية بلسيس، وأنه جعل تحت وصاية عمه المركيز أنطوان دو فنلون الذي كان بالغ الصلاح والتقوى، ففقد ابنه في حصار كندي، فحبا ابن أخيه بالعطف الذي كان يحمله لابنه، ثم أدخله عمه هذا في سنة ١٦٧٢ إلى معهد سان سلبيس الديني، كما أشار عليه مدير هذا المعهد مسيو أليه الذي كان شديد الصداقة له.
ويتم فنلون دروسه اللاهوتية في هذا المعهد، ويصير قسا في سنة ١٦٧٥، ويقوم بتفسير الكتاب المقدس في ذاك المعهد مدة ثلاث سنين، ويبحث له عن عمل ملائم لميوله في الوعظ والإرشاد، ويجعله رئيس أساقفة باريس في سنة ١٦٧٨ مديرا لمعهد الكاثوليكيات المحدثات؛ أي الفتيات اللائي تحولن عن البروتستانية إلى الكثلكة، فكان لا بد من تثبيت أفئدتهن على هذا المذهب.
وما اتصف به فنلون من حلم ولطف وصفاء ذهن أوجب حسن إدارته لهذا المعهد، وهكذا وجد فنلون نفسه متصلا بأمر إلغاء مرسوم ننت الضامن لحرية البروتستان الدينية، ولكن كيف واجه فنلون هذا الإلغاء؟ ذلك ما يصعب أن يجاب عنه، وإن فضل فنلون الرفق والإقناع والأناة على وسائل العنف.
ويستمر فنلون على إدارته لذلك المعهد سنين كثيرة، ويعهد الوزير سنياله إليه في القيام بمهمة تحويل بروتستان سنتنج عن مذهبهم، ويختلف في تقدير عمله، ولكن مع رضا لويس الرابع عشر ووزيره هذا عنه كما يلوح، وينشر فنلون في ذلك الدور، أي في سنة ١٦٨٧، رسالة «تربية البنات»، وتغدو هذه الرسالة موضوع بحث القوم وسبب ذيوع صيت فنلون، وما كان فنلون ليفكر في نشر رسالة «تربية البنات» التي هي أول كتاب له، ما دام قد وضعها بطلب من صديقيه دوك بوفليه وزوجه الدوكة اللذين ودا الانتفاع بنصائحه في تربية الإناث من أولادهما على الخصوص، ولكن ما أبصرا فيها من الآراء الرصينة الدقيقة الصالحة لتربية كلا الجنسين حملهما على إلزام فنلون بنشرها.
لم يرد فنلون قصر ذكاء النساء على «تدبيرهن لأمور منازلهن وإطاعتهن لأزواجهن»، وقد دل على شأن المرأة العظيم في المنزل والدولة، ومن قوله ردا على من احتج بضعفهن: «كلما كن ضعيفات وجبت تقويتهن، أو ليس عليهن من الواجبات ما يجب أن يقمن به؟ إن النساء يخربن البيوت ويرفعن عمادها، ويسهم النساء كثيرا في تقويم الأخلاق وإفسادها … وليست الأمور الخارجة عن منازلهن غريبة عنهن بسبب ما لهن من نفوذ في أزواجهن وأولادهن … وهل يستطيع الرجال أن يرجوا نيل قسط من حلاوة الحياة إذا تحول مجتمعهما الوثيق، الذي هو مجتمع الزواج، إلى غم؟ وما يكون الأولاد، الذين سيتألف الجنس البشري منهم فيما بعد، إذا ما أفسدتهم أمهاتهم منذ سنيهم الأولى؟»
وكرامة المرأة هي المبدأ الرئيس الذي يسيطر على كتاب «تربية البنات»، ومن هذا المبدأ جاء وجوب تعليمها ورفع مستواها الذهني، ولا شيء أكرم من هذه الفكرة، ولا شيء أكثر ملاءمة لما يقتضيه المستقبل.
والذي يهمنا في الأمر هو الروح الذي أملى على فنلون ذلك المبدأ، هو ذاك الروح البالغ الحرية، وفنلون قد طلب، قبل روسو، أن يرجع إلى الطبيعة، فلا يفرض على الأولاد نظام ثقيل يضعف نشاطهم وينغص عمرهم، وقد شعر فنلون بفتون الصبا وأحب الأولاد، فنال بهذا مقاما رفيعا في حقل التربية وعد من أركان التهذيب في العالم.
ومن إبداع فنلون قوله بإضافة مبدأ اللهو إلى مبدأ الفضيلة، قال فنلون: «امزجوا التهذيب باللعب، ولتبد الحكمة للولد في فترات وعلى وجه ضاحك، واعلموا أن الولد إذا ما تنور عالم الفضيلة باكتئاب وكرب ضاع كل شيء.»
ولا يعد متعبا كل مرب محب للأولاد رءوف بهم، ولا ينبغي أن يطالب الصبي بأكثر مما يحتمله عمره الغض الدقيق، قال فنلون: «ومما يحدث في الغالب أن يلزم الأولاد بضبط وجد يعجز عنهما من يطالبهم بهما، فلا حرية، ولا مزاح، ولا شيء غير الدروس والصمت والأوضاع المرهقة، وغير الوعيد والعقاب …
ويجب أن يكون المرح وراحة النفس عدتهم العادية، فإذا لم يقع هذا أظلم ذهنهم وفتر بأسهم، وغدوا غضابا بعد نشاط، وبلها بعد لين، ويشابه الخوف أقوى الأدوية التي تستعمل في أشد أدوار المرض، وهذه الأدوية، وإن كانت تصفي، تضعف المزاج وتنهك الأعضاء، وتصبح النفس التي تقاد بالخوف أكثر ما تكون خورا.»
وهكذا كانت الأمور تتضافر على تقليد فنلون منصبا أرقى من الذي كان يقوم به، ولو كان غير تفويض تربية دوك برغونية إليه.
وتحل سنة ١٦٨٩، وتكون بدء تحول في حياة فنلون البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، وذلك أنه نقل من وظيفة الواعظ في أحد الأديار الوضيعة إلى البلاط كيما يكون مربيا للأمير حفيد الملك لويس الرابع عشر مع دوك بوفليه الذي عين مرشدا له، وذلك أن صلة فنلون بيوفليه وزوجه كانت وثيقة قبل هذا التاريخ كما ذكرنا، وأنه كان لهذه الزوج، التي هي ابنة للوزير الشهير كلبر، أخت اقترنت بدوك شفروز، وأنه كان يوجد وداد قوي بين هذين الزوجين وامرأتيهما ومدام منتنون التي غدت زوجة الملك بعد وفاة الملكة، وأن هؤلاء الأماجد لم يألوا جهدا في الوصول إلى نصب فنلون مربيا للأمير راجين أن يلقى هذا الأمير وفرنسة خيرا عميما من هذه التربية؛ أي أن يعد لفرنسة ملك صالح تقي.
قال سان سيمون: «ولد دوك برغونية متعبا مرعدا قاسيا غضوبا هجوما عنيدا، ولوعا باللهو وفاخر الأطعمة، كلفا بالصيد إلى درجة الجنون، مغرما بالموسيقا إلى حد الفتون.»
فهذا هو الولد الذي كان يجب أن يجعل منه رجل، وما وفق له فنلون في تحويل هذا الولد يعد من الأعاجيب، قال سان سيمون: «ووجه العجب في ذلك هو ما تم للطف والورع في وقت قصير من تحويل الفتى إلى إنسان آخر ومن تحويل النقائص الهائلة إلى فضائل، فقد خرج من هذه الهوة أمير أنيس وديع عطوف كريم صبور معتدل متواضع قنوع غير مفكر في غير إضافته واجباته مثل ولد تابع إلى واجباته حيال ما يبصر أنه يعد له.
وقد روي لنا، فيما روي، عن نزق هذا الأمير الجامح، وعن أسلوب فنلون في ترويضه، ما يأتي: حدث ذات يوم أن وجه فنلون إلى دوك برغونية لوما شديدا على أمر أتاه، فثار هذا الأمير الفتى، واعتز بنسبه وقال لمربيه: «لا، أيها السيد، أعرف من أنا ومن أنت»، ولم يجبه فنلون عن هذا، وكف عن مخاطبته وظهر مكتئبا، فلما كان الغد ذهب فنلون إلى الأمير الصغير صباحا، وقال له: «لا أخشى أن أقول لك: إنني أفضل منك، ولا مجال للنسب هنا، ولا يخامرك شك في أنني أعلوك نورا ومعرفة وأنك لا تعلم غير ما أعلمك إياه، ولا يذكر هذا بجانب ما بقي علي أن ألقيه عليك، وليس لك أي سلطان علي، ولي عليك كل سلطان، ومن المحتمل أن تظن أنني أعد نفسي سعيدا جدا بما عهد إلي من عمل أزاوله نحوك، فأفق من غفلتك أيها السيد، واعلم أنني أقوم بتعليمك عن إطاعة للملك، وأنني أتيت لأدفع كل شك يخامرك في ذلك فآتي بك إلى صاحب الجلالة ملتمسا أن يعفيني من عملي، وأن يعين لك من يكون أسعد مني في العناية بك»، ويصعق دوك برغونية من هذا التصريح، ويبكي ويضرع، ولا يلين فنلون، ولا يعدل عما ذهب إليه إلا بإلحاح من مدام دومنتنون.»
وتتزاحم الأحوال، وتزدحم الحوادث، وتزيد مآزق فرنسة في الداخل والخارج، ففي الخارج حروب تشهر من كل جهة، وتنتظر فرنسة قيام أوربة بهجوم عليها، وفي الداخل ارتباك مالي، وشعب بائس تحاول الحكومة أن تجد علاجا لبؤسه، وتوجع من الجور الاجتماعي وحب الترف، وفضائح غنى حصل بأحط الوسائل، وتفجع من بطل كل مجد تسفر عنه الحروب.
تلك الأمور منابر للوعظ البليغ، وقد عالجها فنلون في «مغامرات تلماك»، فما هذا الكتاب؟
لم يكتب فنلون مقدمة لكتاب «مغامرات تلماك»، غير أن الظروف التي وضع بها هذا الكتاب توضح أمره بما فيه الكفاية، ومع ذلك فقد انتهى إلينا من فنلون تصريح ممتع يلقي نورا على الزمن الذي ألفه فيه، وعلى الغاية من وضعه، وعلى المشاعر التي أوحت به: نصب فنلون رئيسا لأساقفة كنبره في سنة ١٦٩٥، ولكنه ظهر نصيرا للكياتية، والكياتية مذهب صوفي يرى كمال النصرانية في محبة الرب وراحة النفس وعدم القيام بأوضاع ظاهرة، وللكياتية أنصار في كل زمن، وأشهر زعماء هذا المذهب هو القس الإسباني مولينوس الذي أخرج في سنة ١٦٧٥ كتابا في النسك بلغ من المبالغة في مثالية الدين ما استغلق الدين معه على العوام، وتتابع مدام غويون مولينوس على رأيه فيتابعها فنلون على رأيها في كتابه «مبادئ القديسين» الذي نشره سنة ١٦٩٧، ففي هذه السنة تلقى فنلون أمرا بمغادرة البلاط والانزواء في أسقفيته، ويمضي عامان فينشر كتاب «مغامرات تلماك» ويظهر فنلون موضع مقت البابا ولويس الرابع عشر معا.
وتمر سنون، ويرى فنلون أن يلطف الجو بينه وبين البلاط، فيرسل إلى كاهن الملك المعرف، الأب لوتليه، كتابا جاء فيه: «إن «تلماك» من نوع الأقاصيص الأسطورية التي وضعها أوميرس وفرجيل، وقد أدخلت إليها من المعارف الرئيسة ما يلائم الأمير الذي يعده نسبه إلى الملك، وقد وضعته في زمن فتنت فيه بما غمرني به الملك من آيات الإحسان والثقة … ولم أهدف فيه إلى غير تسلية دوك برغونية بهذه المغامرات وتثقيفه بهذه التسلية …»
والواقع أن فنلون سار على غرار أوميرس في «الأوذسة»، فبدلا من أسفار أوليس واغترابه في طول البحار وعرضها كيما يعود إلى إيتاك ويلقى زوجه الوفية بنلوب قامت «مغامرات تلماك» على البحث عن أبيه أوليس، وتعد هذه حلقة موفقة أدخل إليها كثير من ذكريات ملاحم الأبطال القديمة، أي الإلياذة والأوذسة والإنئيد، وترى في كل مكان من «مغامرات تلماك» ذكرا لحرب تروادة وشعر فرجيل وأوميرس، ولم يقصر فنلون في اقتباسه من القدماء موضوعه وأبطاله وأهم حكاياته وكثيرا من جزئياته ووقائعه وألعابه ومنازعاته ووصفه.
وتكفي أقل نظرة في «مغامرات تلماك» لإدراك ما ينطوي عليه هذا الكتاب من روح شعري وإن وضع نثرا، ولكنه ليس قصة شعرية فقط، بل قصة خلقية تهذيبية أيضا كما قال فولتير، وهو لم يتناول حقل الخلق فقط، بل تناول حقل السياسة والديانة أيضا.
أجل، كان يمكن أن يؤدي هذا الكتاب إلى أثر في الشبيبة معاكس للضالة المنشودة، بيد أن فنلون أصاب الهدف إذ جعل القراء يبصرون من خلال القصة نقدا لاذعا غير مباشر لعهد لويس الرابع عشر، ولا يخامرنا شك في أن فنلون، على الرغم من إنكاره، وجه ذهنه إلى الحملة على حكومة لويس الرابع عشر معدا روحا حكوميا آخر لدى الملك القادم الذي يخلف لويس الرابع عشر، وكل ما وجه إلى الملوك في «مغامرات تلماك» من لوم شديد هو موجه، بالحقيقة، إلى لويس الرابع عشر وإلى فتوحه وحروبه وبذخه وترفه ووزرائه الأقوياء المفسدين، وسائر رجاله المنافقين المرائين.
ومتى وضع فنلون كتاب «مغامرات تلماك» الذي نشر سنة ١٦٩٩؟ إن قول فنلون في كتابه إلى الأب لوتليه المذكور آنفا: «لقد وضعته في زمن فتنت فيه بما غمرني به الملك من آيات الإحسان والثقة» يدل دلالة واضحة على أنه وضعه في أثناء قيامه بتهذيب دوك برغونية؛ أي قبل سقوط حظوته لدى الملك بسبب ما حاك المراءون حوله من الدسائس.
وقد اتفق لكتاب «مغامرات تلماك» توفيق عظيم منذ ظهوره في سنة ١٦٩٩، وقد زاد رواجا بعد وفاة الملك ووفاة فنلون، فقد أحصيت طبعاته وترجماته إلى اللغات الأجنبية حتى أوائل القرن التاسع عشر فوجد أنه طبع ١٥٠ مرة وترجم ثمانين مرة، ولا عجب، فإذا ما عدوت روعة الكتاب وجمال أسلوبه وجدت أن ما انطوى عليه من نقد شديد لبلاط لويس الرابع عشر وحكومته يداري غرائز الحقد والحسد حيال هذا الملك في أوربة كما يداري ضغائن مهاجري البروتستان ومناحي المعارضة في فرنسة.
ولا يخرج فنلون من أسقفيته بعد سقوط حظوته لدى الملك، ويقضي بقية عمره فيها قائما بواجباته رئيسا للأساقفة مكتئبا بما كان يشاهد من زيادة بؤس الجمهور مفكرا في إصلاح شامل لفرنسة، ويموت فنلون في ٧ من يناير سنة ١٧١٥ ابنا للثالثة والستين من سنيه تاركا كتاب «مغامرات تلماك» الذي يعد من أروع ما جادت به قرائح الإنسان.