Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
فيرنون لودر هو مؤلف شهير غزير الإنتاج من العصر الذهبي للأدب البوليسي وروايات الجاسوسية التي تفيض بالغموض والإثارة. ألف لودر ٢٢ رواية خلال العقد الممتد بين عامي ١٩٢٨ و١٩٣٨. ولذا، نفدت طبعات روايات لودر وأغفلت إلى حد كبير. ولحسن الحظ أن اتجاه النشر قد تغير مؤخرا. ففي عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤، تناول اثنان من محللي الروايات البوليسية البارزين، هما كيرتس إيفانز وجيه إف نوريس، عددا من الروايات الأولى التي ألفها لودر؛ إذ عرضها الأخير في سلسلة من المراجعات المشجعة على القراءة. تبع ذلك موجة من الإصدارات الإلكترونية لقصص لودر. ولكن لم تعد أعمال لودر إلى الطباعة مرة أخرى منذ آخر مرة طبعت فيها في ثلاثينيات القرن الماضي إلا في عام ٢٠١٦، حين أعيد نشر أولى رواياته بعنوان «لغز ستو» (١٩٢٨) كأحد أعمال سلسلة «كولينز ديتكتيف ستوري كلوب» لإعادة طبع القصص البوليسية. وفي مقدمة الطبعة الأصلية، أشاد محرر السلسلة، فريد تي سميث، بلودر باعتباره «واحدا من المؤلفين الواعدين المنضمين حديثا إلى صفوف كتاب القصص البوليسية.»
كانت هذه الرواية هي الرواية الرابعة للودر (١٩٣٠)، بعد إصداره روايات: «لغز ستو» (١٩٢٨)، «يد من؟» (١٩٢٩)، «لغز المزهرية» (١٩٢٩). نشرتها دار كولينز للنشر في المملكة المتحدة، وأصدرتها دار مورو للنشر في الولايات المتحدة بالعنوان نفسه. حبكة القصة مثيرة واستثنائية، وتعد واحدة من أكثر الحبكات الدرامية المبتكرة للودر. وتدور أحداثها في متجر ماندر المتعدد الأقسام في منطقة ويست إند بلندن (على غرار متجر سيلفريدجز بشارع أكسفورد)، الذي يملكه توبياس ماندر ويشتهر بنوافذ عرضه المبهرة. في وقت مبكر من صباح أحد أيام الإثنين، يتجمهر المارة أمام واجهة العرض لمشاهدة رفع ستائرها عن المعروضات الأسبوعية الجديدة؛ ولكن سرعان ما يدرك المتفرجون أن أحد تماثيل العرض الشمعية ما هو إلا جثة بشرية، مصابة بطلق ناري وموضوعة وسط التماثيل الأخرى المعروضة في واجهة العرض. وبعد مرور فترة قصيرة، تكتشف ضحية ثانية، ومن هذا المشهد الصادم يبدأ لغز محير وغامض. هل كانت هذه جريمة قتل وانتحار، أم جريمة قتل مزدوجة؟
يضع لودر قائمة كبيرة ومتنوعة من المشتبه بهم، كل منهم لديه دافع لارتكاب الجريمة. وعلاوة على مزيج سام من دوافع الغيرة والخوف والذعر والغضب، يضيف لودر للقصة المزيد من التفاصيل المفعمة والمتزاحمة من خلال ملابسات غريبة وقرائن غامضة، مستعرضا مؤامرة شيطانية معقدة.
تثير القضية سؤالا جوهريا: لماذا ترك مرتكب الجريمتين وراءه الكثير من القرائن والشواهد؟ هل كان هذا انعكاسا لعقل مشوش؟ أم كانت هذه محاولة متعمدة وماكرة لإرباك الشرطة من خلال ترك مجموعة من المشتتات والزوايا المختلفة التي أقحمت المزيد والمزيد من الشخصيات في الجريمة مما صعب عملية تحديد دليل الإدانة؟
تولى إجراء تحقيقات الشرطة المحقق ديفينش من شرطة سكوتلانديارد، الذي سجل ظهوره الوحيد في هذه الرواية فقط من قائمة الروايات البوليسية التي تركها لودر. يتمتع ديفينش بالذكاء والبراعة والصلابة والسعي الذي لا يتوقف. وهو يتحلى ببوصلة أخلاقية قوية؛ إذ لا يلقي بالا إلى من يكذبون عند استجوابهم، لا سيما أولئك المبتزين المشتبه فيهم. وهو يتحمل المسئولية بالكامل وبثبات على طول الطريق؛ إذ يتابع القضية بكد واجتهاد مبهر وانهماك تام؛ رغم أن قدراته الخارقة في الاستنباط تأتي بوجه عام نتيجة لبذل الجهد. ومن منطلق هذه الخصال ربما يكون ديفينش مشابها للمحقق الشهير فرنش الذي ابتكر شخصيته الكاتب فريمان ويلز كروفتس. وهو لا يتصف بأي من السمات الغريبة الأطوار التي أسبلها لودر على بعض محققي الشرطة الآخرين، مثل مفوض الشرطة المحبوب كوبهام في رواية «يد من؟» (١٩٢٩)، والذي يضلل المشتبه بهم عن عمد بإعطائهم شعورا زائفا بالأمان من خلال التظاهر بكونه متخبطا شارد الذهن (على غرار المحقق التلفزيوني كولومبو)، والذي يدندن كثيرا أثناء التحقيق، متنقلا بين الأنغام الأوبرالية وأنغام قاعات الموسيقى. يصف لودر ديفينش بأنه «رجل نحيف طويل القامة، ذو شعر داكن وعينين داكنتين وبشرة داكنة، ربما يحسبه المرء مواطنا من جنوب إيطاليا.» وما دون ذلك، لا نعرف شيئا آخر عن خلفية ديفينش أو حياته الشخصية، ولا حتى اسمه الأول. ولا يوجد محقق هاو متاح لينافس الشرطة أو يربكها. فيعمل ديفينش بمفرده، ويساعده الرقيب ديفيز ورئيسه هو السيد ميليس، مساعد مفوض الشرطة. أما ميليس فهو شخص كيس ودمث ونقي السريرة، يغلب عليه طابع ممثل هاو. غير أن أفكاره عن القضية غالبا ما يتبين أنها ذكية ومبتكرة؛ لتوفر بذلك البذرة التي يستخرج منها ديفينش فرضياته العملية.
وتأتي النهاية مفاجئة ولا يسهل توقعها على الإطلاق. غير أنها معقولة ومنطقية، على الرغم من أن جزءا منها قائم على التخمينات. وتوضح أن الحبكة الدرامية متقنة على نحو محكم بالنسبة إلى القارئ الذي يستطيع متابعة الإلماعات والإشارات طوال أحداث الرواية. فعادة ما يصور لودر الأوغاد يقعون فريسة في شباك مؤامراتهم وفي هذه الرواية يفعل الشيء نفسه. كذلك يغلب على الأحداث إحساس بالمأساة، مأساة شبه كوميدية، تؤثر على المعنيين بها مباشرة. تنطوي إحدى جريمتي القتل في هذه الرواية على أسلوب قتل لوحظ في روايات لودر الأخرى. أما الجريمة الأخرى فتنذر بأحداث جريمة القتل التي قدمت في روايته «السقوط المميت» (١٩٣٩)، التي شارك في تأليفها جون ديكسون كار (الذي كان يكتب تحت اسم كارتر ديكسون) وجون رود.
تعد هذه الرواية مثالا ممتعا وذا حبكة ثرية للعصر الذهبي للروايات البوليسية. فالجريمتان الغريبتان والاستثنائيتان تجعلانها واحدة من أفضل روايات فيرنون البوليسية لما تنطوي عليه من أحداث محيرة وإبداع. ويتسم السرد بكونه مباشرا وخفيفا ومفعما بالحركة، والتسلسل المعقد للأحداث ممتع جدا وجيد الصياغة ويسير بوتيرة سريعة. ويولي لودر اهتماما شديدا للحبكة الدرامية التي عمل عليها بعناية وصاغها على نحو معقد. وقد أشادت الشاعرة دوروثي إل سايرز ببراعة لودر في ابتكار «صور وصفية براقة ورائعة» بارعة وثاقبة للشخصيات في مراجعتها لرواية لودر «جريمة من ثلاث زاويا» (١٩٣٤)، كما يتضح في شخصية ميليس الذي يعد مثالا جيدا على هذه الشخصيات. فقد ساعد مزيج الملاحظات الطريفة المتقنة والحس الفكاهي على تخفيف حدة الكآبة في الحكاية. فنجد لودر هنا يصف معجبة ماندر العجوز بقوله: «لم يبد عليها أنها امرأة لعوب، رغم محاولاتها الواضحة للحفاظ على شبابها البائد بارتداء التنورات.» وبوجه عام، توضح هذه الرواية الثقة والنضج اللذين يتسم بهما أسلوب لودر في الكتابة ككاتب من كتاب أدب الجريمة.
جذبت أوجه التشابه المذهلة بين هذه الرواية ورواية «لغز المسحوق الفرنسي» وبطلها إليري كوين — التي نشرت أيضا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في عام ١٩٣٠ — اهتماما خاصا من جانب هواة العصر الذهبي للروايات البوليسية. كانت رواية «لغز المسحوق الفرنسي» هي الرواية الثانية التي يظهر فيها إليري كوين، بعد عام من ظهوره الناجح الأول في رواية «لغز القبعة الرومانية». تبدأ رواية كوين الثانية مباشرة تقريبا بجريمة قتل؛ إذ نجد ديكورا داخل واجهة العرض الأساسية لمتجر فرنسي متعدد الأقسام بوسط مدينة نيويورك يعرض بعض قطع الأثاث والكماليات العصرية، وبالخارج يقف حشد من الجمهور يشاهدون المعروضات. وعند الضغط على زر للكشف عن سرير قابل للطي مختف داخل الحائط، تسقط جثة زوجة صاحب المتجر من فوقه. وتتواصل أوجه التشابه بين الروايتين: فصاحب المتجر يمتلك شقة خاصة فوق المتجر كانت الضحية قد زارتها في وقت متأخر في إحدى الليالي عندما كان المتجر مغلقا. وثمة أدلة عجيبة وغير مفسرة، واكتشافات غريبة لأغراض غير مألوفة وجدت في غير مكانها المعتاد، وعدد كبير من الدوافع وحجج الغياب. والحبكة الدرامية بارعة، لدرجة تكاد تقترب من التعقيد الشديد والالتفاف. وتخضع كل حقيقة وقرينة مهما صغرت إلى الدراسة والمناقشة وتستبعد (في أغلب الأحوال) بمنطق استدلالي وتفكير استنتاجي رائع. وهذا النهج العقلاني الدقيق مستقى من شخصية المحقق الشهير فيلو فانس في روايات إس إس فان داين البوليسية. وقد أفاض الناقد الأدبي البارز أنطوني باوتشر في إشادته بذروة الأحداث واصفا إياها بكونها «على الأرجح أروع نهاية محكمة البناء في تاريخ القصص البوليسية.» وعلى غرار أسلوب كوين المميز الذي يمثل «تحديا للقارئ»، تضم الرواية ٣٥ صفحة تقدم تفسيرا محكم الصياغة، ولا تنكشف هوية القاتل إلا في آخر كلمتين بالرواية. كان إليري كوين هو الاسم المستعار للشخصية الرئيسة في أعمال المؤلفين فريد داناي ومانفريد لي، وهما قريبان من مقاطعة بروكلين. ووفقا لكاتب سيرتيهما الذاتية فرانسيس إم نيفينز، استوحى أحد المؤلفين أحداث الرواية بعدما مر من أمام واجهة عرض أحد المتاجر المتعددة الأقسام في مانهاتن وتوقف ليشاهد معروضات مفروشات الشقق العصرية التي كان من بينها سرير قابل للطي. ولا يمكن تحديد إذا ما كان لودر أم كوين هو أول من ابتكر فكرة وقوع جريمة قتل داخل واجهة العرض؛ إلا أن أوجه التشابه بين القصتين وتاريخي النشر المتقاربين هي بالتأكيد مصادفة استثنائية لافتة للنظر.
كان اسم فيرنون لودر أحد الأسماء المستعارة العديدة التي استخدمها المؤلف الأنجلو-أيرلندي صاحب الإنتاج الغزير والمتنوع جاك فاهي (جون جورج هازليت فاهي)، (١٨٨١–١٩٣٨). وبالإضافة إلى قائمة أعمال لودر على مدى الفترة بين عامي ١٩٢٨ و١٩٣٨، ألف فاهي في البداية تحت اسم جون هاسليت من عام ١٩٠٩ وحتى ١٩١٦، واستأنف الكتابة في عشرينيات القرن العشرين تحت أسماء أنطوني لاج وجورج فارني وجون موبراي ووالتر براودفوت وهنريتا كلاندون. ولد جون فاهي في مدينة بلفاست، وتلقى تعليمه في أولستر وفي هانوفر بألمانيا لفترة قصيرة. بدأ حياته العملية كطالب هندسة معمارية، ولكن بعد مرور أربع سنوات قام بتغيير مساره المهني وخضع لاختبارات مهنية لكي يصير محاسبا قانونيا. ولكن ترك فاهي هذا المسار المهني أيضا بعد أن عمل بتأليف القصص. وتزوج من جيرترود كرو واستقر بمدينة بورنماوث الإنجليزية بالساحل الجنوبي. وانتهى مشواره المهني في التأليف فجأة بوفاته في سن صغيرة نسبيا؛ إذ كان يبلغ من العمر ٥٧ عاما.
نشرت جميع روايات لودر من خلال دار نشر كولينز في المملكة المتحدة، ومنذ عام ١٩٣٠ نشرت أعماله من القصص البوليسية تحت الاسم التجاري «نادي الجريمة» الذي تشتهر به هذه الدار. ونشر العديد من رواياته الأولى (بين عامي ١٩٢٩ و١٩٣١) أيضا في الولايات المتحدة من خلال دار نشر مورو، بعناوين مختلفة أحيانا. ويذكر الناشر في مقالة تعريفية قصيرة عن لودر، نشرت في رواية «قتيلان» (عام ١٩٣٤)، أن محاولته الأولى لتأليف رواية (من الواضح أنها لم تنشر مطلقا) جاءت خلال فترة تعافيه في الفراش. وثمة الكثير من المزاعم اللافتة للنظر التي أثيرت حول لودر؛ إذ قيل إنه ألف إحدى الروايات على طاولة نزل في عشرين يوما، ونشرت على هيئة حلقات في كل من إنجلترا والولايات المتحدة تحت عناوين مختلفة؛ وإنه كان يعمل بسرعة بالغة، وكان يؤمن بأن ساعتين في الصباح هي فترة كافية جدا لأي شخص كي يؤلف؛ وإنه كان يؤلف مباشرة على الآلة الكاتبة، ولا يعيد أبدا كتابة أي سطر. ومدى صحة هذه المزاعم — أو جدارتها بالثناء في الواقع — هي مسألة خاضعة للحدس والتخمين.
كان لدى لودر عدة محققين تكرر ظهورهم في أعماله. فعلى سبيل المثال، يعد المحقق بروز وكبير المحققين تشيس شخصيتين متناقضتين تماما؛ فالأول شرطي محلي متبلد بارد الطبع، يؤكد على أهمية الروتين؛ أما الأخير فهو محقق جديد شديد الكفاءة من صنيعة قسم التحقيقات الجنائية بسكوتلانديارد. يظهر بروز في رواية «جرائم إيسيكس» (١٩٣٠) ورواية «مقتل محرر» (١٩٣١)؛ بينما نجد تشيس في رواية «جريمة من ثلاث زوايا» (١٩٣٤) ورواية «جريمة في مسابقة الخيول» (١٩٣٥). وفي رواياته الجاسوسية اللاحقة — «سفينة الأسرار» (١٩٣٦)، و«رجال بوجهين» (١٩٣٧)، و«ذئب في حظيرة الخراف» (١٩٣٨) التي نشرت تحت اسم تجاري منفصل هو «ألغاز كولينز» — كان بطل لودر هو دونالد كيرن، عميل مخابرات بريطانية شارك في سلسلة من المغامرات المثيرة للإيقاع بالجواسيس عبر القارات في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لم يصل لودر أبدا إلى المرتبة الأولى بين روائيي الأدب البوليسي، ولم يلق اهتماما كبيرا من جانب محللي هذا النوع الأدبي. ولكنه على الرغم من ذلك كان مؤلفا ذائع الصيت وجديرا بالثقة في ثلاثينيات القرن العشرين، وربما كان مثالا لكتاب الإثارة والغموض في العصر الذهبي الإنجليزي، متفوقا بذلك على الكثيرين. وتوضح أغلفة النسخ الأصلية الصادرة عن دار نشر كولينز أن أعمال لودر قد لقيت حفاوة من قبل النقاد؛ إذ جاءت الإشادات به على هذا النحو: «يجب أن يشتهر اسم السيد لودر على نطاق واسع باعتباره علامة مميزة وواعدة على أغلفة القصص البوليسية.» (الملحق الأدبي لجريدة «تايمز»)؛ «الكتب المتوالية لفيرنون لودر تؤكد الانطباع الذي كونه هذا الناقد بأننا ليس لدينا في إنجلترا كاتب أفضل من لودر في تأليف قصص الإثارة والغموض.» (جريدة «صنداي ميركوري»)؛ «… أسلوب سلس في السرد القصصي والتزام دقيق بالقواعد.» (توركومادا من جريدة «ذا أوبزرفر»). وفي عام ٢٠١٤، كتب جي إف نوريس: «… انتبه لأي كتب تحمل على غلافها الاسم المستعار فيرنون لودر. فهي تتيح لك تجربة قراءة ممتعة وتختلف عن القصص البوليسية التقليدية لأقرانه كاختلاف الشامبانيا عن الصودا.»
ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين، نفدت أعمال لودر ولم تعد تطبع، وصارت أعماله إلى حد كبير هدفا لجامعي كتب العصر الذهبي — الذين كان له بينهم أتباع — التي كانت الطبعات الأولى النادرة منها تباع بأسعار باهظة. ويفترض أن يساعد إعادة نشر هذه الرواية، إلى جانب رواية «لغز ستو» إلكترونيا، في إعادة اكتشاف أعمال لودر من جديد واكتسابه قاعدة جديدة أوسع من القراء وهو أمر يستحقه عن جدارة.