Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
امتد الطريق، ممهدا، لا تشوبه شائبة، بعرض أربع عشرة قدما بالضبط، بحواف مشذبة كما لو كانت مقلمة بمقص تشذيب، وكأنه شريط من الخرسانة الرمادية، بسطته يد عملاقة فوق الوادي. كانت أرضية الطريق تمضي في موجات طويلة من ارتفاع ببطء وهبوط ببطء ثم انحدار مفاجئ؛ فكانت السيارة تصعد، وتنطلق بسرعة، لكنك لا تشعر بالخوف؛ لأنك تعلم أن الشريط السحري سيكون هناك، خاليا من العوائق، ولا تفسده مطبات أو ندبات، ينتظر مرور العجلات المطاطية المنفوخة بالهواء التي تدور سبع دورات في الثانية. مرت ريح الصباح الباردة محدثة صفيرا، ومنذرة بقدوم عاصفة، وأصدرت أزيزا وزمجرة ذات نغمات متغيرة، ومع ذلك تجلس أنت مرتاحا خلف زجاج السيارة الأمامي المائل، الذي يجعل الريح تنزلق من فوق رأسك. في بعض الأحيان كنت ستود أن ترفع يدك وتشعر بالهواء البارد يصطدم بها، وفي أحيان أخرى، كنت ستخرج رأسك من جانب السيارة، وتترك تيار الهواء يصطدم بجبهتك، ويبعثر شعرك. ولكن في أغلب الأحيان كنت تجلس في صمت ووقار؛ لأن هذا ما كان يفعله الأب، ومما كان يفعله الأب تشكلت آداب قيادة السيارة.
كان الأب يرتدي معطفا، بنيا باهتا، له ملمس صوفي ناعم، وقصة رائعة، وعبر الخياط عن كرمه في كل موضع ممكن بإضافة صفي أزرار، وياقة كبيرة، وطيتي صدر كبيرتين، وثنيات كبيرة فوق الجيوب. صنع الخياط ذاته معطف الصبي، من الصوف الناعم نفسه، وبالياقة الكبيرة وطيتي الصدر الكبيرتين والثنيات الكبيرة نفسها. كان الأب يرتدي قفاز قيادة، وكان المتجر ذاته يبيع قفازات للأولاد من النوع نفسه. وكان الأب يضع نظارة ذات إطار سميك، ولم يعرض الصبي على طبيب عيون مطلقا، لكنه عثر في متجر للأدوية على نظارة بلون الكهرمان، وبإطار سميك مثل إطار نظارة الأب. لم يكن الأب يعتمر قبعة على رأسه؛ لأنه كان يعتقد أن الريح وأشعة الشمس تمنع تساقط الشعر؛ لذلك ركب الصبي السيارة أيضا تاركا خصلات شعره حرة طليقة. الفرق الوحيد بينهما، فضلا عن الحجم، هو أن «الأب» كان يضع سيجارا بنيا كبيرا، غير مشتعل، في زاوية فمه؛ إذ كان هذا ما تبقى له من الأيام الخوالي الشاقة، عندما كان يقود البغال ويمضغ التبغ.
خمسون ميلا، كانت تلك هي قراءة عداد السرعة؛ كانت تلك قاعدة الأب في المناطق الريفية المفتوحة التي تكاد تنعدم فيها المباني، ولم يغيرها قط، إلا عندما يكون الطقس رطبا. لم تشكل درجة انحدار الطريق فارقا؛ فضغطة بسيطة بقدمه اليمنى كانت تجعل السيارة تنطلق بأقصى سرعة وترتفع لأعلى، حتى تصبح على القمة، ثم تنزلق بسلاسة إلى الوادي الصغير التالي، تماما في منتصف الشريط الرمادي السحري المصنوع من الخرسانة. تزيد سرعة السيارة عند الانحدار، ويخفف الأب من قوة الضغط بقدمه قليلا، ويسمح لمقاومة المحرك بضبط السرعة. قال الأب: «خمسون ميلا سرعة كافية»؛ فقد كان رجلا يحترم النظام.
بعيدا في الأفق، فوق قمم العديد من تموجات الطريق، كانت سيارة أخرى قادمة. كانت مثل بقعة سوداء صغيرة، توارت عن الأنظار عندما انحدرت لأسفل ثم ظهرت مرة أخرى بحجم أكبر، ثم زاد حجمها في المرة التالية، وفي المرة التي تليها، كانت على قمة المنحدر الذي تسير بأسفله سيارة «الأب»، وكانت تندفع نحو سيارة الأب بسرعة متزايدة، وكأنها قذيفة ضخمة أطلقها مدفع عيار ست أقدام. حانت الآن لحظة اختبار أعصاب سائق السيارة. فالشريط السحري الخرساني كان غير قابل للتمدد. كانت الأرض على الجانبين مهيأة لحالات الطوارئ، لكن لا يمكن التأكد دائما من أنها كانت قد أعدت جيدا لذلك؛ فعند الانطلاق بسرعة خمسين ميلا في الساعة، تتعرض العجلات لتذبذبات بشعة، وقد تجد أن الخرسانة المشذبة بعناية ارتفعت عدة بوصات فوق الأرض بجانبها، مما يجبر السائق على السير على الأرض الترابية، حتى يمكنه العثور على مكان يعود منه إلى الطريق الممهد مرة أخرى، وقد يكون هناك رمل ناعم من شأنه أن يتسبب في انحراف السيارة عن مسارها، أو طين رطب من شأنه أن يتسبب في انزلاق السيارة وإنهاء رحلتك نهاية مفاجئة.
لذلك تحظر قوانين القيادة الجيدة الخروج عن الشريط السحري إلا في حالات الطوارئ القصوى. ومن أخلاقيات القيادة أن للسائق الحق في الحصول على عدة بوصات من هامش الحافة اليمنى، وللرجل الذي يقترب بسيارته الحق في عدد مساو من البوصات؛ مما يخلف بضع بوصات بين السيارتين المنطلقتين وإحداهما تمر بالأخرى كالقذيفة. بالطريقة التي يصف بها المرء الأمر تبدو مخاطرة، لكن هكذا هو الحال مع الأجرام السماوية، ومع أن التصادمات بين الأجرام تحدث بالفعل، يتوفر وقت كاف بين التصادم والآخر لتتشكل الأكوان، ووسط التحديات والمخاطر، يتمكن رجال الأعمال البارعون من تحقيق النجاح في مسيراتهم المهنية.
انطلقت السيارة الأخرى كالقذيفة، واندفعت بقوة للأمام محدثة دويا عاليا وسريعا دون أن تقلل سرعتها. وعند مرور السيارة، كان بإمكان المرء أن يلمح رجلا آخر يرتدي نظارة ذات إطار سميك أيضا، ويمسك عجلة القيادة بإحكام بكلتا يديه، ويثبت عينيه دون حراك على النحو ذاته. فعند القيادة بسرعة خمسين ميلا في الساعة، لا ينظر المرء وراءه أبدا؛ فما يهم هو الأشياء الواقعة أمامك، وما مضى قد مضى، أو نقول كما يقولون: ما فات قد مات؟ بعد هنيهة ستأتي سيارة أخرى، ومرة أخرى سيكون من الضروري أن تترك موقعك المريح في منتصف الشريط الخرساني، وتكتفي بالسير في جزء من الطريق محدد بدقة، يقل عن النصف ببضع بوصات. وفي كل مرة، ستراهن بحياتك على قدرتك على وضع سيارتك في المسار المحدد، وعلى قدرة واستعداد الطرف الآخر المجهول على فعل الشيء ذاته. فلا تقع عينك على سيارته إلا في اللحظة التي تندفع فيها مسرعة نحوك، وإذا رأيت أنه لا يحيد عن منتصف الطريق بالقدر اللازم، تدرك أنك تواجه أخطر الثدييات التي تسير على رجلين وهو: السائق الأهوج. أو ربما كان رجلا مخمورا، أو ببساطة امرأة، لكنك لا تملك الوقت الكافي لمعرفة ذلك؛ فليس لديك سوى جزء من الألف من الثانية لتدير عجلة القيادة قيد أنملة، لتنحرف عن الطريق الخرساني وتتجه نحو الطريق الترابي.
قد لا يحدث ذلك سوى مرة أو مرتين فقط أثناء القيادة طوال اليوم. وعندما كان ذلك يحدث، كان الأب يستخدم جملة واحدة ثابتة؛ حيث كان يحرك السيجار قليلا في فمه ويتمتم: «أحمق لعين!» كانت هذه هي الكلمات البذيئة الوحيدة التي سمح بها سائق البغال السابق لنفسه بقولها في حضور الصبي، ولم يكن لها أي دلالة مهينة — فقد كانت ببساطة المصطلح العلمي للسائقين المتهورين والرجال السكارى والنساء اللائي يقدن السيارات، وكذلك لأحمال التبن وعربات الأثاث والشاحنات الكبيرة التي كانت تسد الطريق عند المنحنيات؛ وللسيارات ذات المقطورات، التي تنطلق بسرعة مفرطة، وتتأرجح من جانب إلى آخر؛ وللمكسيكيين الذين يقودون العربات الخفيفة التي يجرها حصان واحد وتنقلب بسهولة، وللذين يعجزون عن الالتزام بالطريق الترابي حيث تنتمي هذه العربات، ويمضون بعرباتهم المتمايلة على الطريق الخرساني — وحينما تأتي سيارة في الاتجاه المعاكس، تضطر إلى أن تضغط بقوة على الفرامل، ورفع فرامل اليد، وإيقاف السيارة وهي تحدث أصوات صرير وطحن، والأسوأ من ذلك هو انزلاق الإطارات. يعد سائقو السيارات «انزلاق إطارات السيارة» أمرا مخزيا، وكان الأب مقتنعا بأنه في يوم من الأيام سيكون هناك قانون للسرعة عكس القوانين الحالية، حيث ستحظر القيادة بسرعة أقل من أربعين ميلا في الساعة على الطرق السريعة، أما الأشخاص الذين يريدون قيادة عربات خفيفة تنقلب بسهولة وتجرها خيول عرجاء، فسيسلكون طرقا مختصرة أو يمكثون في منازلهم.
امتد حاجز من الجبال بعرض الطريق. من بعيد، كانت جبال زرقاء، تعلوها مظلة من الضباب، وكانت تبرز في شكل تكتلات متداعية، حيث تصطف القمم واحدة وراء الأخرى، وتطل من فوقها قمم أخرى غامضة، ألوانها باهتة أكثر. كنت تعلم أنه يجب عليك الصعود إلى هناك، وكان من المشوق تخمين المكان الذي يمكن أن يخترق فيه الطريق هذه الجبال. ومع اقترابك أكثر، تغير لون هذه التكتلات الجبلية الضخمة من اللون الأخضر إلى الرمادي أو البني المصفر. لم تنم عليها أشجار، بل شجيرات تتنوع فيها درجات الألوان تنوعا كبيرا. وانتشرت بها صخور سوداء أو بيضاء أو بنية أو حمراء، بالإضافة إلى أوراق نبات اليكة الباهتة، وهو نبات له ساق سميكة ترتفع لعشر أقدام أو أكثر في الهواء، تغطيها كتلة ضخمة من الأزهار الصغيرة الحجم، في شكل يشبه تماما لهب شمعة، إلا أنه لا يخفق مطلقا عند هبوب الريح.
بدأ ميل الطريق يزيد بحدة صعودا، وينعطف حول جانب تلة، وكانت هناك لافتة مكتوب عليها باللون الأحمر: «منحدر جوادالوبي: الحد الأقصى للسرعة عند المنحنيات ١٥ ميلا في الساعة.» لم يبد الأب أي أمارة على أنه كان يجيد قراءة الكلمات المكتوبة على تلك اللافتة، أو الأرقام على عداد السرعة في سيارته. لكنه فهم أن هذه اللافتات كانت للأشخاص الذين لا يعرفون القيادة؛ فبالنسبة للقلة المبتدئة، كانت القاعدة تنص على السير بالسرعة التي تبقيك على الجهة الخاصة بك من الطريق السريع. في هذه الحالة، كان الطريق على الجانب الأيمن من المعبر؛ حيث يمتد الجبل على يمينك، ويقترب منك كثيرا عند اجتياز المنعطفات، ويسير الشخص القادم في الاتجاه المعاكس بالقرب من الحافة الخارجية؛ حيث يمكن أن يلقى حتفه، لكن هذا شأنه.
قدم الأب تنازلا آخر؛ فحيثما يكون المنعطف على اليمين، بحيث يحجب جسم الجبل الرؤية، كان يطلق البوق. كان بوقا كبيرا ذا صوت قوي، مخفيا في مكان ما تحت غطاء محرك السيارة الكبير؛ بوقا يلائم رجلا اضطرته أعماله للسفر في رحلات سريعة عبر منطقة كبيرة بما يكفي لاستيعاب إمبراطورية قديمة، وتنتظره في نهاية رحلته تعاقدات مهمة، ويتنقل ليلا ونهارا ولا يهمه اعتدال الطقس أو سوءه. كان صوت بوق السيارة حادا ويشبه البوق العسكري، ولم يحتو على أي ملمح من ملامح سماحة البشر. فعند سرعة خمسين ميلا في الساعة لا مكان لمثل هذه المشاعر؛ فما تريده هو أن يبتعد الناس عن الطريق، وأن يفعلوا ذلك بسرعة فور أن تخبرهم بذلك. ولأن البوق كان يشبه الأنف الكبير، انطلق منه صوت مخنخن. وانبعث صوت البوق مع كل انحراف مفاجئ أو منعطف حاد في الطريق السريع، وبهذا يستمر الطريق في الارتفاع والتعرج، وتردد جدران منحدر جوادالوبي الصخرية صدى صوت البوق الغريب. نظرت الطيور حولها في حذر، وغاصت سناجب الأرض في حفراتها الرملية، وسار على حافة الطريق السريع المحفوفة بالمخاطر أصحاب المزارع الذين يقودون سياراتهم الفورد المتهالكة، والسائحون القادمون إلى جنوب كاليفورنيا، الذين يربطون كل دجاجاتهم وكلابهم وأطفالهم ومراتبهم وطاساتهم القصدير على عتبات سياراتهم؛ تأرجح هؤلاء حتى آخر بوصة خطرة من الطريق السريع، بينما انطلقت السيارة المكشوفة السريعة، القريبة من سطح الأرض وهي تطلق بوقها.
سيخبرك أي صبي أن هذا رائع. مرحى! بكل تأكيد! فأنت تحلق هنا بالأعلى قريبا من السحب، بمحرك بالغ القوة، تتحكم فيه بطريقة سحرية، حيث يستجيب لأقل ضغطة من قدمك. إنه محرك بقوة تسعين حصانا، تخيل ذلك! تخيل أن يركض أمامك تسعون حصانا حول جانب الجبل، خمسة وأربعون زوجا في طابور طويل، ألن يجعل هذا المشهد قلبك يخفق بقوة؟ وهذا الشريط الخرساني السحري الممهد من أجلك، والذي يعج بالمنعطفات، ويرتفع دون أن تلاحظ أي اختلاف في درجة الانحدار، ويمتد على جانب جبل، مخترقا في استقامة قمة جبل آخر، وغائصا في الجوف المظلم لجبل ثالث؛ ومنحرفا ومنعطفا ومائلا للداخل عند المنحنيات الخارجية، لكنه يميل للخارج عند المنحنيات الداخلية، حتى تشعر بالتوازن والأمان طوال الوقت، وله الخط المطلي باللون الأبيض مرسوما بحيث يحدد منتصف الطريق، حتى تعرف دائما المكان الذي يحق لك السير فيه بالضبط، أي سحر فعل كل هذا؟
أوضح الأب الأمر؛ المال فعل هذا. فقد أصدر الأثرياء الأوامر، وجاء المساحون والمهندسون، وآلاف من الحفارين، واحتشد المكسيكيون والهنود، أصحاب البشرة الداكنة، حاملين المعاول والمجارف؛ والحفارات الكبيرة التي تعمل بالبخار، والمزودة بجرافات فولاذية متدلية تشبه مخالب جراد البحر؛ والرافعات ذات الأذرع الطويلة المتأرجحة؛ وآلات كشط الأرض وتسويتها، والمثاقب الفولاذية، وخبراء المفرقعات ومعهم الديناميت، وكسارات الصخور، وخلاطات الخرسانة التي تبتلع آلافا من أكياس الأسمنت، وتشرب الماء من خرطوم ملطخ بالدقيق، وتدور أوعيتها الفولاذية طوال اليوم مصدرة أصوات طحن عالية. جاء كل هؤلاء، وكدحوا على مدى عام أو عامين، ورويدا رويدا بسطوا الشريط السحري.
لم يسبق أن كان هناك رجال ذوو نفوذ مثل هذا منذ بدء الخليقة. وكان الأب واحدا منهم؛ فقد كان بإمكانه فعل أشياء من هذا القبيل، وكان بالفعل في طريقه الآن لفعل شيء من هذا القبيل. في الساعة السابعة من مساء هذا اليوم، في بهو الفندق الملكي في بيتش سيتي، كان ينتظر رجل يدعى بن سكوت، كشاف نفط، وصفه الأب بأنه «صائد عقود الإيجار»، وكان معه «عرض» كبير، والأوراق جاهزة للتوقيع. لذلك كان للأب الحق في أن يكون الطريق خاليا، وكان ذلك هو معنى صوت البوق العسكري الحاد الذي كان يخرج مخنخنا وكأنه يقول: «الأب قادم! أفسحوا الطريق!»
جلس الصبي، متشوقا ومتيقظا؛ فقد كان يرى العالم بطريقة كان قد حلم بها الرجال في أيام هارون الرشيد، من على ظهر حصان سحري يركض فوق السحاب، وبساط سحري يحلق في الهواء. لقد كانت إطلالة رائعة تمتد على نطاق كبير؛ مشاهد جديدة تتجلى عند كل منعطف، ووديان تتعرج أسفل منك، وقمم تلال ترتفع فوقك، وسلاسل الجبال تتوالى على مرمى بصرك. والآن وأنت وسط هذه الجبال، يمكنك ملاحظة الأشجار في الأخاديد العميقة، أشجار صنوبر عجوزة باسقة، التوت أغصانها جراء العواصف وشقها البرق؛ أو مجموعات من أشجار البلوط الدائمة الخضرة التي امتدت لمساحات شاسعة، مثل الحدائق العامة الإنجليزية. ولكن على قمم الجبال بالأعلى، لم يكن هناك سوى أجمة نضرة تتميز باللون الأخضر الربيعي الذي لا يستمر طويلا، ونباتات المسكيت والمريمية وغيرها من النباتات الصحراوية، التي تعلمت أن تزدهر بسرعة، أثناء وجود الماء، ثم تتحمل الجفاف الحار الطويل. وتناثرت بقع برتقالية اللون إثر انتشار نباتات الحامول التي تنمو في شكل خيوط طويلة تشبه حرير الذرة، حيث تنسج خيوطها فوق النباتات الأخرى؛ مما كان يؤدي إلى موتها، ولكن كان هناك الكثير منها.
كانت التلال الأخرى صخرية بالكامل، ذات ألوان متنوعة لا نهاية لها. فترى أسطحا مرقطة ومنقطة مثل جلود الحيوانات؛ مثل النمر الأرقط، ومخلوقات أخرى، يجتمع فيها الأحمر والرمادي أو الأسود والأبيض، لا تعرف أسماءها. وكان هناك تلال مكونة من جلاميد، متناثرة وكأن عمالقة كانوا يتعاركون ويلقون بها بعضهم على بعض، وكانت هناك كتل صخور مكدسة بعضها فوق بعض، وكأن أبناء العمالقة كانوا يلعبون بها حتى سئموا من اللعب. وارتفعت فوق الطريق صخور عالية مقوسة مثل أسقف الكاتدرائيات؛ من خلالها يمكنك رؤية واد عميق ينفرج بالأسفل، وحاجز أبيض قوي لحمايتك من السقوط عندما تنعطف. وظهر من بين السحب طائر كبير يحلق فوقنا، ثم توقف جناحاه عن الحركة وكأنما أصيب برصاصة، وغاص في الهاوية. سأل الصبي: «هل كان هذا نسرا؟» أجاب الأب، الذي لم يشعر بأي إثارة: «صقر حوام.»
أخذ الطريق في الارتفاع أكثر فأكثر، وأصدر المحرك خرخرة ناعمة، لها نغمة واحدة لا تتغير. تحت زجاج السيارة الأمامي كانت توجد مجموعة معقدة من العدادات وأجهزة القياس؛ عداد سرعة به خط أحمر صغير يوضح سرعة السيارة بالضبط، وساعة، ومقياس للزيت، ومقياس للبنزين، ومقياس للتيار الكهربائي، ومقياس للحرارة كان يرتفع ببطء عند الصعود على منحدر طويل كهذا. كان الأب يدرك كل هذه الأشياء؛ فقد كان يمتلك عقلا معقدا أكثر من أي آلة. ففي نهاية المطاف، لم يكن هناك وجه مقارنة بين قوة التسعين حصانا وقوة المليون دولار. فقد يتعطل المحرك، لكن عقل الأب لم يكن يتعطل أبدا. كان من المقرر أن يصلا إلى قمة المنحدر بحلول الساعة العاشرة، وكان مسلك الصبي يشبه مسلك مزارع مسن يرتدي ساعة ذهبية جديدة، ويقف على شرفة منزله الأمامية في الصباح الباكر، معلقا: «إن لم ترتفع تلك الشمس فوق التل خلال ثلاث دقائق، فهذا يعني أنها قد تأخرت».
لكن حدث خطب ما وأفسد الجدول الزمني لسير الأمور. إذ كان الضباب قد انتشر، واندفعت حجب بيضاء باردة نحو وجهيهما. كان بالإمكان الرؤية جيدا، لكن الضباب كان قد بلل الطريق، وكان هناك طين عليه؛ تركيبة تجعل السائق الأكثر مهارة معدوم الحيلة. لاحظ الأب ذلك بعينه اليقظة، وأبطأ من سرعته، وكان هذا من حسن الحظ؛ لأن السيارة بدأت في الانزلاق، وكادت تلمس الحاجز الخشبي الأبيض، الذي يحول دون السقوط من فوق الحافة الخارجية.
بدآ من جديد، يمضيان بسرعة بطيئة، حتى يتمكنا من التوقف بسرعة؛ سجل عداد السرعة خمسة أميال في الساعة، ثم ثلاثة أميال، ثم انزلقت السيارة مرة أخرى، فصاح الأب قائلا: «اللعنة». أدرك الصبي أنهما لن يصمدا طويلا جدا، وجال في خاطره: «السلاسل»، وتوقفا بالقرب من جانب التل، في منعطف داخلي يمكن منه للسيارات القادمة من كلا الاتجاهين رؤيتهما. فتح الصبي الباب الذي على جانبه وخرج منه، ونزل الأب برزانة وخلع معطفه ووضعه على المقعد، وخلع الصبي معطفه ووضعه بنفس الطريقة، لأن الملابس كانت جزءا من وقار الرجل، ورمزا لمكانته في الحياة، ولا ينبغي أن تتسخ أو تتجعد على الإطلاق. فك أزرار كمي القميص وطواهما لأعلى، واقتدى الصبي به بدقة في كل حركة. في الجزء الخلفي من السيارة كان هناك صندوق مسطح ذو غطاء مائل، فتحه الأب بأحد المفاتيح الكثيرة التي كان يحملها، ويعرف جيدا استخدام كل منها، والتي كانت كلها رمزا للكفاءة والنظام. وبعد أن أخرج الأب السلاسل وربطها بالإطارين الخلفيين، مسح يديه في النباتات المحملة بندى الضباب على جانب الطريق، وفعل الصبي الأمر ذاته، حيث أحب برودة كريات الماء المتلألئة. وكانت هناك قطعة قماش قديمة نظيفة في صندوق السيارة الخلفي، موضوعة هناك لتجفيف اليدين، وكانت تغير من حين لآخر. وعاود الاثنان ارتداء معطفيهما، وعادا إلى مقعديهما، وانطلقت السيارة أسرع قليلا من ذي قبل، ولكن بحذر، متأخرة عن الجدول الزمني.
«منحدر جوادالوبي: منطقة تجمع المياه: تحذير: خمسة عشر ميلا في الساعة عند المنعطفات.» هذا ما كانت تنص عليه اللافتة؛ كانا الآن يمضيان بسرعة بطيئة، كابحين جماح السيارة التي استاءت من الأمر، واهتزت بنفاد صبر. خلع الأب نظارته ووضعها في حجره؛ إذ كان الضباب قد جعل الرؤية من خلالها مشوشة، وكان قد ملأ شعره بالرطوبة، وانسابت قطرات الماء فوق جبهته إلى عينيه. كان من الممتع أن تتنفس الهواء المحمل بالضباب وتشعر بالبرد، وأن تمد يدك وتضغط على البوق؛ فالأب سيسمح لك الآن بفعل كل ما تريده. وظهرت من بين الضباب سيارة تتقدم ببطء نحوهما، وكانت هي الأخرى تطلق البوق بقوة؛ كانت سيارة فورد، تلهث متعبة من تسلق هذا الطريق، ويتصاعد بخار من مبرد محركها.
ثم فجأة قلت كثافة الضباب، ولم يتبق سوى بضعة خيوط رفيعة، وبعد ذلك اختفى تماما؛ وأطلقا العنان للسيارة، فانطلقت إلى الأمام نحو الأفق ذي المنظر الخلاب. وتوالت التلال بالأسفل، وامتد في الأفق منظر طبيعي بلا نهاية؛ تمنيت وقتها أن يكون لديك أجنحة، لتغوص هناك بالأسفل، وتحلق فوق قمم التلال والسهول المنبسطة. حينئذ لن يكون هناك جدوى من حدود السرعة والمنعطفات والمكابح! قال الأب بملل: «جفف عدستي نظارتي.» كان المنظر الطبيعي مرضيا بالنسبة له، لكن كان عليه أن يظل على يمين الخط المرسوم باللون الأبيض على الطريق. وانطلق صوت البوق، عند جميع المنعطفات الخارجية.
انسابت السيارة على الطريق، وشيئا فشيئا اختفى المنظر الطبيعي، فعادا إلى طبيعتهما البشرية الفانية، وهبطا مرة أخرى إلى الأرض. اتسعت المنعطفات، وتجاوزا جانب التل الأخير، وامتد أمامهما منحدر طويل، مستقيم؛ وبدأت الرياح تهب مطلقة صفيرا، وأعلن الخط الأحمر بعداد السرعة عن تزايد السرعة التي كانا يمضيان بها. كانا يعوضان الوقت الضائع. ومرت الأشجار وأعمدة التلغراف بسرعة بجوارهما! وصلت السرعة الآن إلى ستين ميلا في الساعة؛ قد يخاف البعض عند القيادة بهذه السرعة، لكن أي شخص عاقل لن يخاف عندما يكون الأب من يتولى عجلة القيادة.
لكن فجأة بدأت السيارة في التباطؤ، حتى إنك كنت تشعر بالانزلاق للأمام في مقعدك، وأشار الخط الأحمر الصغير إلى انخفاض السرعة إلى خمسين ميلا، ثم أربعين، ثم ثلاثين. كان الطريق يمتد مستقيما أمامك، ولم تكن هناك سيارة أخرى في الأفق، لكن قدم الأب كانت على الفرامل. نظر الصبي حوله مستفسرا. قال الرجل: «لا تتحرك. ولا تنظر حولك. إنه كمين مروري للسرعات المخالفة!»
يا إلهي! مغامرة تجعل قلب الصبي يثب من الإثارة! أراد أن يلقي نظرة، لكنه فهم أنه يجب أن يجلس دون حراك، يحدق أمامه، وأن يبدو بريئا تماما. وكأنهما لم يسبق لهما القيادة بسرعة تزيد عن ثلاثين ميلا في الساعة في حياتهما، وإن ظن أي شرطي مرور أنه قد رآهما يسيران بسرعة أعلى على طول المنحدر، فهذا مجرد وهم بصري، خطأ طبيعي لرجل دمرت مهنته ثقته في الطبيعة البشرية. لا بد أنه أمر مخيف أن تكون «شرطي سرعة»، وأن تكون عدوا للجنس البشري كله! وذلك بأن تخفض معاييرك الأخلاقية وتقدم على تصرفات شائنة؛ بأن تتوارى بين الشجيرات، ممسكا بساعة إيقاف، ويشترك معك في هذه المؤامرة شخص آخر يقف على مسافة محددة على الطريق، حاملا ساعة إيقاف أيضا، ويربط بينكما خط هاتف، حتى تتمكنا من متابعة سائقي السيارات الذين يمرون! حتى إنهم اخترعوا جهازا مكونا من مرايا، يمكن تركيبه على جانب الطريق، حتى يتمكن أحد الرجلين من ملاحظة وميض السيارة أثناء مرورها، وتسجيل الوقت. كانت هذه مشكلة على سائق السيارة أن ينتبه إليها باستمرار؛ فعند ظهور أبسط مؤشر لحدوث أي شيء مريب، عليه أن يبطئ السرعة على الفور — ولكن بتأن — تباطؤا طبيعيا، مثلما يفعل أي رجل عندما يكتشف أنه قد تجاوز، للحظة عرضا، حدود السلامة التامة في القيادة بشكل طفيف.
قال الأب: «ذلك الرجل سيلاحقنا.» كانت لديه مرآة صغيرة مثبتة أمام عينيه، حتى يتمكن من مراقبة أعداء بني البشر أولئك، لكن الصبي لم يستطع النظر في المرآة؛ لذلك كان عليه الانتظار على أحر من الجمر، مفوتا المتعة.
«لا ليس بعد، لكنه سيأتي؛ إنه يعلم أننا تجاوزنا السرعة المقررة. إنه يستقر في ذلك المنحدر المستقيم؛ لأن الجميع يقود بسرعة في مكان كهذا.» هنا يمكنك الاطلاع على الطبيعة الوضيعة لوظيفة «شرطي السرعة»! لقد اختار مكانا لا يخشى فيه الناس إطلاقا من السير بسرعة، وحيث كان يعلم أن الجميع لن يتحلوا بالصبر، بعدما حدوا من سرعتهم لفترة طويلة؛ بسبب المنعطفات في الجبال والطرق الرطبة! كان هذا هو مقدار اهتمام «شرطيي السرعة» بالتصرف بنزاهة طبقا للأصول المتعارف عليها!
سارا ببطء بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة؛ وهو الحد القانوني للسرعة في تلك الأيام السوداء، في عام ١٩١٢. أفقد هذا القيادة إثارتها، وجعل الجدول الزمني في طي النسيان. تخيل الصبي بن سكوت، «صائد عقود الإيجار»، جالسا في بهو الفندق الملكي في بيتش سيتي، وهناك كان ينتظر آخرون أيضا؛ فدائما ما كان ينتظر عشرات من الأشخاص، يتناقشون في مسائل العمل المهمة التي تنطوي على المجازفة ﺑ «مبالغ كبيرة». وكنت ستسمع الأب يتحدث في هاتف المسافات البعيدة، وينظر إلى ساعته، ويحسب عدد الأميال التي يجب قطعها، ويحدد موعده وفقا لذلك، ثم كان يتعين عليه أن يصل إلى هناك، ولا بد ألا يوقفه أي شيء. إن حدث عطل في السيارة، فسيخرج حقائبهما، ويوصد السيارة، ويلوح إلى سائق عابر، ويحصل على توصيلة إلى البلدة التالية، وهناك يستأجر أفضل سيارة يمكنه العثور عليها — أو يشتريها على الفور إذا لزم الأمر — ويستكمل رحلته، تاركا السيارة القديمة لتقطر وتصلح. فلا شيء يمكن أن يوقفه!
لكنه الآن كان يسير ببطء بسرعة ثلاثين ميلا في الساعة! سأل الصبي: «ما الأمر؟»، وجاءه الجواب: «القاضي لاركي!» آه، بالتأكيد! فقد كانا في مقاطعة سان جيرونيمو؛ حيث كان القاضي الرهيب لاركي يسجن الذين يتجاوزون السرعات المقررة! لن ينسى الصبي أبدا ذلك اليوم الذي أجبر فيه الأب على تأجيل كل ارتباطاته، والسفر عائدا إلى سان جيرونيمو، للمثول أمام المحكمة والتعرض للتوبيخ من هذا المستبد المسن. في معظم الأوقات لم يكن المرء ليتعرض لمثل هذه الإهانات؛ فتكتفي بعرض بطاقتك على «شرطي السرعة»، موضحا أنك عضو في نادي السيارات، وحينئذ كان يهز رأسه بأدب، ويسلمك ورقة صغيرة مدونا عليها مبلغ «الكفالة»، بما يتناسب مع السرعة التي كنت تقود بها عند الإمساك بك، وترسل شيكا بالمبلغ عبر البريد، ولا تفكر في الأمر أكثر من ذلك.
لكنهم هنا في مقاطعة سان جيرونيمو يتعاملون بطريقة لئيمة، وكان الأب قد أخبر القاضي لاركي برأيه في عادة نصب «كمائن السرعة»؛ فالضباط يختبئون بين الشجيرات ويتجسسون على المواطنين؛ إنه عمل مهين، ويعلم سائقي السيارات أن يعتبروا ضباط القانون أعداء. حاول القاضي أن يكون ذكيا، وسأل الأب عما إذا كان قد فكر يوما في احتمالية أن اللصوص أيضا قد يعتبرون ضباط إنفاذ القانون أعداء. ونشرت الصحف ذلك على صفحاتها الأولى في جميع أنحاء الولاية: «اعتراض أحد العاملين في مجال النفط على قانون السرعة؛ جيه أرنولد روس يقول إنه سيغير القانون.» سخر أصدقاء الأب منه بسبب هذا، لكنه تمسك بموقفه؛ فعاجلا أو آجلا كان سيجبرهم على تغيير هذا القانون، ومن المؤكد أنه فعل ذلك؛ ولذا فالمرء مدين له بحقيقة أنه لم يعد هناك المزيد من «كمائن السرعة»، وأصبح على الضباط الالتزام بارتداء الزي العسكري أثناء القيادة في الطرقات، وإذا انتبهت لمرآتك الصغيرة، يمكنك الانطلاق بالسرعة التي تريدها.
وصلا إلى منزل صغير على جانب الطريق، به سقيفة أوقفا السيارة تحتها، وجسم مستدير منتفخ، نصفه مصنوع من الزجاج والنصف الآخر مطلي بطلاء أحمر، يعني وجود بنزين للبيع. وكانت هناك لافتة مكتوب عليها «نفخ إطارات السيارة مجانا»؛ أوقف الأب السيارة، وطلب من الرجل أن يخلع سلاسل الجليد من إطارات السيارة. أحضر الرجل رافعة ورفع السيارة، وفتح الصبي، الذي كان دائما يخرج من السيارة فور توقفها، صندوق السيارة الخلفي، وأخرج الحقيبة الصغيرة التي سيضع بها السلاسل. كما أخرج «مسدس الشحم»، وفتحه. فوفقا للأب: «الشحم أرخص من الصلب». كان لديه العديد من هذه المقولات التي تكفي لتأليف كتاب كامل عن الأمثال التي كان الصبي يحفظها عن ظهر قلب. لم يكن الأمر حرص الأب على توفير المال، أو توفر الشحم لديه بدلا من الصلب، بل إنه المبدأ العام المتمثل في وضع الأشياء في نصابها الصحيح، واحترام آلة رائعة.