Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
لعل من العبث أن يحاول المرء أن يرسم بالقلم صورة لإنسان أو شيء ما، ولا سيما إذا كان الكاتب رجلا والموصوف امرأة؛ فليس أجهل من الرجل بالمرأة ولا من المرأة بالرجل، وإن كانا يعيشان معا، ويتحابان — لا أدري كيف؟ — ويتزاوجان ويعمران الأرض بنسلهما، ويبذران ذريتهما كالحب، ولا تسألني كيف يأتلف هذان المختلفان، ويتواطن هذان الإنسانان — إن صح أن كليهما إنسان — وكل منهما لصاحبه لغز لا حل له؟ فما كنت خلقتهما أو شهدت خلقهما، أو عاصرت جديهما الأعليين حتى أدري.
على أن التصوير بالقلم — وإن كان لا يفيد أحدا صورة واضحة المعارف بينة السمات متميزة اللمحات — يتيح لكل قارئ أن يرسم لنفسه صورة، يؤلفها خياله مما توحي به الأوصاف، وكفى بهذا مغنما، والله أرحم بالكتاب من أن يجعل عناءهم باطلا وتعبهم لا خير فيه.
فلنتشجع إذن، ولنتوكل على الله الحنان المنان.
كانت الليلة ساجية طلقة، والقمر متسقا مضحيا في سماء تبدو في رأي العين كالمخمل، والدنيا المسحورة من نوره الواضح اللين في فوف منسوج من خيوط سود وأخر فضية، وقد أفضلت لها فضول، والأشجار تذهب في الهواء كأنها عمد مدهونة، وتلقي ظلها مونرا على الأرض، وتعطر الجو، والنوافذ والشبابيك كلها مفتوحة يهفو منها ترجيع شجي يمتد به صوت أنثوي ينتقل من نغمة إلى نغمة في غير تكلف أو جهد.
وكان في حديقة البيت جوسق (كشك) سداسي الشكل مصنوع من أعواد الخشب، وقد تعلق به وارتقى فيه وظلله النبات، وفيه مائدة عليها بقية من لحم، وجزلات من رغفان، وقطع من مخلل الخيار واللفت والجزر والباذنجان، وقرص متصدع من جبن حالوم، وزجاجات جعة بعضها نصفان أو دون ذلك، والبعض لا يزال في الثلج وعليه سداده لم ينزع، وقد جلس إلى المائدة ثلاثة أمامهم الأقداح وقد أبطئوا بها بعد أن كادوا يمتلئون من الطعام والشراب.
وأول هؤلاء الثلاثة وأولاهم بالتقديم — وإن لم يكن أحقهم بالتعظيم — عياد وهو شركسي الأصل، يؤمن بالشارب المفتول، والعين الحمراء والبرجمة في الكلام، والزعقة الشديدة حين ينادي خادما أو غيره، وإن كان الجرس قريبا، وزره يتدلى فوق المائدة من سقف الجوسق. ولا نحتاج أن نقول إنه شخيص لحيم، وإنه شديد الوطء على الأرض، وإنه لا خير فيه ولا شر، إلا أن يجيء الخير عفوا، أو يجيء الشر من قلة العقل أو النفخة الكذابة.
والثاني في هذا المجلس: الأستاذ حليم، وهو مدرس قديم ناهز الخمسين، وآثر الراحة، فاعتزل العالم مكتفيا بدخل خاص يسير، ومعاش يقبضه كل شهر من الحكومة وهو قاعد، وهو ضاوي الجسم خفيف اللحم معروق الوجه، دقيق عظام اليدين والرجلين، يأكل كثيرا ولا يرى أثر ذلك عليه في بدنه، وحديثه طويل فلنرجئه إلى أوانه.
والثالث شاب في العقد الثالث، بتع شديد المفاصل، سريع خفيف حسن الصورة، بياض وجهه تعلوه حمرة، وعلى جلده نمش قليل، وهو خطيب محاسن بنت عياد، وقد آثره على غيره لبياض وجهه، زاعما أن هذا يسلكه مع الشراكسة والأتراك، ويرفعه عن طبقة الفلاحين الغبر الوجوه، وإن كانت الحقيقة أنه فلاح ابن فلاح جلا عن قريته بعد أن أضاع أرضه فيها، فشب ابنه حضريا صرفا وقاهريا محضا، وتعلم الهندسة وفاز بوظيفة في الحكومة، واسمه في شهادة الميلاد محمود، ويدلله أهله تدليلا سمجا فيقولون: «حودة»، ومن الإنصاف أن نقول إنه يستسخف هذا الاسم، وكان يثور على من يدعوه به، ثم رأى أن هذه حكاية شرحها طويل فاكتفى بألا يجيب كأن المنادى غيره.
وكان عياد أكولا شريبا، ولم يكن هذا يعني أحدا سواه، ولكنه كان إذا آكل أحدا أو شاربه، لا يزال يحضه ويستحثه، ويزين له الطعام ويغريه به، ويوالي عليه الكأس دراكا، وكان من السهل على محمود أن يسايره؛ فإنه شاب قوي لا يتعذر عليه — بل لعله يباهي بأنه يستطيع — أن يكثر مخلطا من صنوف الطعام مستقصيا لها.
أما الأستاذ حليم فكان رجلا قد كبر، فهو يؤثر أن يكون زهيدا لا يأكل إلا دون الشبع، ويأبى له ما عودته مهنة التعليم من المحافظة على وقاره واحتشامه، أن يشرب حتى يتطرح، كان إذا ألحف عليه عياد يرفع الكأس ويميلها على فمه، فعل الشارب، ثم يردها وما حسا إلا قطرة أو بلة ريق، على حين يعب عياد العبة الروية ويضع الكأس كأنما يدق بها المائدة ويقول: «اهح» ممطوطة ممدودة، وكان هذا دأبه حين يشرب؛ يعكف على الشراب جزافا غير حافل بالكيل كأنما هو في سباق أو رهان، ولا يرضيه إلا أن يرى غيره عاكفا مثل عكوفه، فإذا استأنوا كبر في ظنه أنه قصر في التحفي والإكرام، وكان واسع الخلق؛ لا يدع عنده شيئا من الجهد في إكرام ضيفه، ويجد في انبساط نفسه بالكرم راحة ولذة وزهوا، ولكنه كان إذا شرب يثقل على ضيفه ويضجره بالإلحاح عليه أن يقبل على ما قدم له.
وعبثا كان الأستاذ حليم يقول لعياد: يا أخي كن منصفا؛ إن معدتي حوصلة دجاجة، فأين تريد أن أدس كل هذا الطعام والشراب؟ وهو لو وضع في كفة ميزان ووضعت أنا كلي بما علي من ثياب في كفة أخرى، لرجح علي.
فيقول عياد وهو يلمس شاربيه المصمغين — أو هكذا يخيل إلى المرء؛ فما كانت شعرة واحدة تنفلت عن محلها في هذين الشاربين المبرمين بل المجدولين، أو تنطفئ لمعتها: كلام فارغ؛ أنا والله رأيت شابا أصغر منك جسما يأتي على قصعة فت ويجرفها جرفا، وكانت لأربعة فسبقهم إليها ومسحها ولحسها.
فيقول الأستاذ حليم: نعم، معدة جيدة قوية تحتمل الكظة، ولكن معدتي طاعنة في السن، فهي أشبه بمخلاة قديمة. هات لي معدة فتية وأنا أريك كيف أقش وأجرف.
ولكن عيادا يأبى أن يقتنع، بل يأبى أن يجعل باله إلى ما يقال، أو يسمح للحجة بأن تدخل رأسه وتكلفه عناء التفكير فيها؛ لأن معدته هو هي المحك، والمقياس حجة، وما دامت هذه دائبة كالعصرين من دهره في غير كلال أو فتور، فلا عذر لمعدة أخرى إذا قصرت أو ونت، ولو كانت أقدم من هرم خوفو أو جبل المقطم.
وكان التطريب الذي قلنا إنه كان يهفو في تلك الليلة الساكنة الضحياء إلى الجلوس في الحديقة، مصدره محاسن، وهي فتاة غضة السن صغيرتها، تدلف إلى العشرين، ولكنها فيما يرى أبوها عياد قد صارت إحدى المصائب الكبرى، وكانت دقيقة الطول ممشوقة القد، أو نحيفته إذا اعتبرت خفة اللحم على الذراعين والصدر والبطن، ولكنها كانت عريضة الألواح كالغلام، وثدياها صغيران وإن كانا راسخين كالكمثرى الصغيرة، وحلمتاهما ناشزتان طويلتان وحولهما من السواد أكثر من المألوف في العذارى، كأنما كانت قد ولدت وأرضعت، فأما محياها فأسيل الخدين وإن كانا متهضمين قليلا، وأما شفتاها فرقيقتان جدا، يفتران حين تبتسم عن ثنايا عذاب، إلا أنها ليست بالناصعة البياض؛ لإفراطها في التدخين بكره أبيها ورغمه، وأما عيناها فنجلاوان ظمياوان، ولكنهما تبدوان حين يعروهما فتور أو كمد أو اضطراب ثابتتين، ويخيل إليك أنهما أظلمتا، وكان حاجباها سابغين مهللين كأنهما خطا بقلم، وجبينها عريضا واسعا، وشعرها أسود فينانا في طول واسترسال ونعومة، تفيئه كيف شاءت بغير احتفال أو عناء، وكانت تؤثر أن ترسله ولا تجمعه.
أما أنها إحدى المصائب الكبر؛ فذاك لأنها عرفت من سيرة أبيها ما كان يكره أن تعرف هي أو أمها، ولكنها كتمت سره واكتفت بإذلاله به، فأرخى لها الحبل على الغارب، فركبت رأسها، ولم تعد تحفل غير أمها، وكانت هذه ضعيفة بطيئة الجسم والعقل معا، لا متصرف لها ولا حيلة عندها.
على أن الفتاة لم تكن سعيدة بهذه الحرية أو موفقة فيما تعالج أو تدبر أو تطلب من الأمور، وقد ورثت عن أبويها ضعف الرأي، وقلة الإحكام للمراد، والاستعداد للرضى بالكلام، والاستنامة إلى كل أحد، وشيئا من الزهو والغطرسة والميل إلى التظاهر والتفاخر بالباطل أو بأكثر مما هناك.
وكان جانب الغفلة فيها يكاد يلقيها على المعاطب، فلا يقيها إلا بقية حذر مستفاد من الكبر الموروث والأنفة أن يقال غوت وضلت بنت عياد، ومما أكسبتها الحرية من اعتياد الاعتماد على نفسها في أمورها وإيقاظ ما في رأسها من عقل ليعينها ويمدها بالرأي فيما هي ماضية إليه. على أن الأرجح أن هذا كله ما كان ليجديها ويحميها لولا أن ساعفها حسن حظها.
على أن حسن الحظ أمر نسبي؛ فقد كانت حسنة الحظ إذا اعتبرت ما آلت إليه في كل مرة من السلامة، ولكنها كانت سيئة الحظ إذا اعتبرت أن أملها خاب في كل مرة حتى كادت تصير إلى اليأس في كل ما تطمع فيه وتحرص على إدراكه؟ فاضطربت أعصابها وأتعبها وأقلقها قلبها بنوبات من الخفقان الشديد لا مثيل لها إلا هذا الاضطراب، وقللت طعامها، لا زهادة فيه، ولا عن ضعف اشتهاء له، بل من الضجر والحيرة وقلة التوفيق وكثرة الإخفاق وخفاء ما ينعش من العثرات، ويصلح هذا البخت المقلوب.
وزاد الطين بلة لما تعلق أبوها بحسانة يهودية راح يحملها معه إلى المصايف والمشاتي ويزعم لأهل بيته أنه مندوب لمهمات تستوجب هذا السفر والغياب؛ فأنزفت هذه المهمات أكثر ماله، وقتر على أهله في النفقة، وأصارهم إلى ضنوكة غير معهودة، وإن كانت في ذاتها محتملة ولكن وطأتها ثقلت بالقياس إلى ما كان من السعة، وشق على محاسن أن تلقى نفسها تروم الشيء فلا يتهيأ لها، وأنها اضطرت إلى الكف عن التعلم، وكان مرجوها أن تواصله حتى تبلغ به مناها فتصبح شيئا له قيمة وبه استقلال، فتفيد بذلك مزية تضيفها إلى مزايا الحسن والشباب وكرم الأرومة؛ فقد كانت تعتز بأرومتها الشركسية وإن كانت رقة الحال قد خففت من غلوائها وطامنت من كبريائها.
وكان كل هذا — مضافا إلى ما يهتف به شبابها، وما تجده من الرغبة فيها والإقبال عليها — ربما أغراها بالإطماع في نفسها دون التمكين، فاعتقد الشبان الذين اتصلت بأسبابهم أسبابها نوعا ما، أنها مخادعة عابثة، تظهر خلاف ما تبطن، وتعطيهم باللسان ما ليس في القلب، وتجريهم وراءها لتلهو بهم وتسخر منهم، فانصرفوا عنها ساخطين محنقين، وبسطوا ألسنتهم فيها، فصارت لها سمعة لا تطيب لامرأة، وإن لم تكن من الحق في شيء.
ومع ذلك خطبها غير واحد قبل محمود، فأما أول الخطاب فعلق خطبته على شرط أن يزوج أخته، وكانت تصغره؛ لأنه كان أبر بها من أن يختص نفسه بنعيم الزواج دونها، ولكن عزوبة الأخت طالت فضجر عياد أفندي ومحاسن، ونقضا الخطبة.
وجاء ثان من إخوان عياد أفندي وجلسائه وسماره، ولم يخطب البنت، ولكنه تحبب إليها، وصفت هي إليه بودها؛ فقد كان أنيس المحضر لطيف الفكاهة سخي اليد، وخيل إلى عياد أفندي وامرأته أن المسألة مسألة أيام، ولكن الأيام والشهور تقضت وهو لا يزيد على التودد، ولا يجاوز ما يبدو من إقباله إلى الخطبة والطلب، ولا حتى إلى الوعد، وما زالت نيته مضمرة لا يتحدث بها أو يكشف عنها، وإن كان لا يكف عن إظهار المودة والإعجاب، والغيرة أحيانا.
ثم كان محمود، وهو يحبها، ولا يجهل ما قيل فيها وشاع عنها، وكان يعلل هذا بأنه قدح شبان لم ينالوا منها منالا فذهبوا يشنعون، وللذي قالوا فيها أدعى إلى فخرها، وبحسبها أنها امتنعت عليهم واستعصت على المغريات، ولكن أشياء بقيت مع ذلك تحك في نفسه وتدور في صدره، ولا سيما حين يرى قلة مبالاتها بما يكون منها؛ كأن تذهب إلى السينما مع رجل لم تعرفه إلا في يومها، بل قبل ساعة واحدة من الاقتراح، أو حين تقبل على الأستاذ حليم إقبال الألفة والثقة وتسارره وتضحك، ويساررها ويبتسم كأن بينهما ما يكتمان أو ما يتساقيان تذكره.
ولم تكن محاسن تبادل محمودا حبا بحب، بل لعلها لم تكن تباليه أو تعبأ شيئا بإقباله أو إدباره، إذا صح ما كانت تفضي به إلى الأستاذ حليم حين يخلو لها وجهه، ولو كان محمود حصيفا لكان الأرجح أن يسلس في يده قيادها، ولكنه أثقل عليها ونفرها بأن كان عيابة لا يزال يقع فيها ويذكرها بما يشنع به عليها أهل الحي وعارفوها من غيره، ولا ينفك يسمعها من الكلام كل سوار يأخذ بالرأس كلما رآها طاشت أو نبت في العنان، فتثور به وتكايله وتقول له أوجع مما قال لها؛ فتقع الجفوة وتحل النبوة، ويفسد الحال، ويعجز عياد أفندي عن إصلاحه، فيستجير بصاحبه الأستاذ حليم، فيشكره محمود وهو كاره وفي قلبه غيرة تضطرم؛ لما يراه من سلطانه عليها وطاعتها له.
وكان أمر الأستاذ حليم عجبا، وهو رجل يتمثل فيه «نقص القادرين على التمام» كما يقول أبو الطيب؛ فقد كان محيط علم، وكان إلى علمه فهما نجيبا و«لوذعيا يرى بأول ظن آخر الأمر من وراء المغيب»، ومع ذلك أبى أن يكون أستاذا في الجامعة وآثر الإخلاد إلى الراحة؛ ولو شاء مع الراحة وخلو الذرع وانفساح الوقت لجاء الناس بجناة طيبة وثمار يانعة من شجرة علمه المحلال، ولكنه ترك الخلفة واللحق من ثمرها يهمد في موضعه ولا يدرى أو ينتفع به الناس، وكان ماله كافيا للسعة والخفض ونعيم البال، ولكنه كان يعيش عيشة الشظف والضيق كأنه مخفق مخف من المال أو مسكين، وكان أخوف ما يخاف الفقر والحاجة، فهو يضيق على نفسه وأهله خشية الضيق، وكان معافى في بدنه، ولكن طول إكبابه على التحصيل ومواظبته على الدرس والمطالعة مع قلة الطعام وسوئه، أورثاه ضعفا في جسمه وفسادا في معدته وحشاه وتلفا في أعصابه، ومع ذلك لا يستشير طبيبا ضنا بأجرته وثمن الدواء، واكتفاء بما يصفه له إخوانه من العقاقير «البلدية» مثل المصطكا والحلتيت وما يجري هذا المجرى، فلم يصح قط مما به.
ووقع له في عنفوان شبابه ما زاد تلف أعصابه؛ فقد أحب جارة له معلمة مثله، وكانت ذات حسن وشورة، طيبة النفس ضحوكا، وأريبة موثوقا بفضلها وعقلها، ولكنها كانت أيضا ذات فلسفة وعناد، وأحبته سميحة كما أحبها، غير أنها لما عرض عليها الزواج ترددت، وسوفت، وكانت تقول لأختها كلما جادلتها ونهتها عن هذه المماطلة التي لا خير فيها ولا حكمة: إني أحب الأستاذ حليما؛ أحب مظهره ومخبره؛ فإنه سمح واسع الأفق رحيب النفس، وأحب مشيته التي لا تكلف فيها ولا جهد، وأحب صوته ونبرته المرتعشة، وأحب فوق ذلك لمعة عينيه وذلك الإدراك التام الذي لا أخطئه فيهما حين أنظر إليه، ولكن هناك شيئا يخيفني، لا أدري ماذا، وإن في نفسي لشكا عجيبا؛ فأنا أحبه، ما في هذا شك، ولكن أشك في قدرتي على مبادلته حبه لي، فإنه عميق مستغرق، ويفزعني شكي هذا، فأحس كأني أتحسس في الظلام باحثة عما لا أدري.
وقالت لها أختها ليلة الجلوة — وكانت أحكم طبعا: إن في حليم كل مشتهى المرأة؛ وأعتقد أنك ستكونين معه سعيدة، ولكني أرجو أن تذكري دائما أن عليك أنت بذل أقصى ما يدخل في طاقتك لإسعاده؛ فإن على المرأة أن تمنح بعلها فوق ما ترجو وتتوقع أن يمنحها.
وكان هذا أشبه بالإنذار، أو التحذير. وكانت سميحة تريد إسعاد حليم، وقد أسعدته؛ ولكنها كانت تبدو شاردة ساهمة كأن بها شيئا، ولم يفت صواحبها هذا، ولكنهن حسبنه من نشوة السعادة، فرحن يركبنها بالفكاهة، وهي لا يسعها إلا أن تبتسم متكلفة، فما كانت تستطيع أن تصارحهن بأنها دهشة فزعة، وأنها تخاف شيئا مجهولا خفيا لا تدري ما يهجم عليها منه.