Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان نابوليون الأول عائدا من مدينة موسكو بعدما نشبت فيها نار الروسيين، وقد غرق نصف معسكره العظيم في مياه نهر بريزينا الثلجية، وكان السيل عرما والريح زعزعا تهب من جهة الشمال، والأفق مقتما متلبدا بالغيوم السوداء، والبرد قارصا، فكانت تلك الجنود التي ألقت الرعب في قلوب أوروبا المتحدة، تقاوم بقوة اليأس جواذب النعاس المميت، وتدافع بعامل الأنفة ألم الجوع القاتل، وكان بعض المشاة ينازعون العقبان جثث الخيول، ومنهم من كان يغلبه النوم فيرقد رقدة لا انتباه بعدها، وهم مع كل ذلك يلجئون إلى الفرار من حين إلى حين خشية مدافع الروسيين ومطاردة القوزاق، وإن بين أولئك المنكودين ثلاثة فرسان قد أووا إلى غابة صغيرة، وجعلوا يجردون الثلوج عن أغصان العليق، ثم أحرقوها وقعدوا حولها يصطلون.
وكان أحدهم في الخامسة والثلاثين من عمره مرتديا بملابس تدل على أن له في الجيش رتبة أميرالاي، وهو فوق الربعة في الرجال، أزرق العينين، قد ارتسمت على محياه النبيل علائم الشجاعة والصبر، وهو ملقى بين رفيقيه، وقد تكسرت ذراعه وأثخن بالجراح.
وكان الثاني قائد مائة، وهو في مقتبل الشباب أسمر لون الوجه، ذو نظر مضطرب لا يستقر، وقد جلس إلى جنب رئيسه يعينه على الاصطلاء، ولوائح الاضطراب ظاهرة على وجهه العبوس.
أما الثالث فكان من جنود الحرس، وقد طار فؤاده شعاعا لجراح مولاه، فكان جالسا بقربه، ودموع الحنو تنهمل من عينيه، فكان إذا سمع دوي مدافع أو أحس بوقع حوافر ينهض نهضة الليث، ويسير باحثا عن جهة المطاردين، ثم يعود إلى مولاه فيغسل جراحه الثخينة بمنهل الدموع.
وكان الظلام قد أقبل، وأخذ ضباب الشفق المقتم يمزج الأرض بالسماء، فنظر الأميرالاي إلى قائد المائة وقال له: ما ترتئي يا فيليبون، أنقيم الليلة في هذا المكان؟
فلم يدع الجندي مجالا للقائد، وأجاب بحماسة: مولاي، إن البرد قارص، وليس من الحكمة أن نبيت في هذه الغابة؛ فإن القوزاق قريبون منا.
فجعل الأميرالاي ينظر إليهما، ثم سأل فيليبون ثانية عن رأيه، فأجاب: لقد أصاب بستيان فيما ارتآه من وجوب الرحيل؛ لأننا إذا اختفينا في هذا المكان الخطر فلا نفيق، ومتى خمدت النار نموت من البرد، وفوق ذلك فإن دوي مدافع الروسيين ينذرنا بقربهم منا، فلا نجاة لنا إلا بالفرار.
فتنهد الأميرالاي وقال: يا للشقاء ويا للعار! أنهرب من وجه فرقة من القوزاق، وما يتحدث الناس عنا ومن عرف ما لنا من الإقدام، ولكن ويلاه من يستطيع أن يغلب الطبيعة، ومن يطيق ثباتا أمام هذا البرد الهائل؟ بل كيف أقدر على الرحيل وقد وهنت قواي لفرط ما نزف من دمائي؟ بالله دعوني أموت قرب هذه النار، فإن رجلي قد ضعفتا عن حملي.
قال هذا وقد صاح صيحة الألم، وانطرح أمام النار وهو على وشك الموت.
فتشاور رفيقاه بالنظر، ثم همس القائد بأذن الجندي وقال: إذا تركناه ينام، فلا نعود نقوى على إيقاظه.
فمال الجندي على أذنه وقال: لا بأس من رقاده ساعة، فإني أحمله نائما على كتفي.
فأصغى القائد قليلا ثم قال: إن الروسيين على مسافة ثلاثة فراسخ منا، فلينم إذا شاء ونحن نسهر بقربه.
وقد سمع الأميرالاي هذه العبارة فمد يده إلى فيليبون، وقال له: إنني أسديك أيها الصديق الحميم جميل الشكر لما تظهره نحوي من الرأفة والبر بي، وإني أهنئك لثباتك أمام البرد الهائل، فلو لم تكن أشجع مني وأصبر لكنت على ما تراني عليه الآن من الوهن وضعف العزيمة.
فأجابه القائد قائلا: إني أقاسي من البرد نفس ما تقاسيه، غير أنك مثخن بالجراح، وأنا لم ينزف مني قطرة دم، وهذا هو السبب فيما اتهمت به نفسك من الوهن وضعف العزيمة.
فشكره الأميرالاي وقال له: إصغ إلي فإني أشعر بدنو الأجل، وأحب أن أحدثك بأمر أرجو ألا يثقل عليك سماعه؛ إن لي من العمر خمسة وثلاثين عاما، وقد دخلت في سلك الجندية في السادسة عشرة من عمري، وارتقيت إلى رتبة أميرالاي ولي من العمر ثلاثون عاما، أريد بذلك أنه كان لي شيء من الشجاعة والصبر تدرجت بهما في سلم المعالي، وكدت أبلغ بهما منتهى آمالي، وهما صفتان ما نزلتا بنفس امرئ إلا رفعتاها من دركات الخمول إلى أقصى درجات التقدم، وكأني بهما الآن وقد سالتا مع دمائي النازفة من جراحي، وحل مكانهما هذا البرد القارص الذي لا يحتمل، وطالما خضت المعامع، واستهدفت لسهام الخطوب، وعرضت نفسا رخصت في حب الوطن إلى الأخطار، فإني أذكر معركة دفنت بها يوما كاملا تحت جثث القتلى، ويوما اقتحمت صفوف الأعداء في حصار ساراكوس في إسبانيا وفي صدري رصاصتان، وأخرى في واركرام ثبت على ظهر الجواد إلى نهاية القتال، وقد جرحت فخذي إحدى الحراب، وتراني الآن أشبه بالأموات جسما بغير روح، جبانا يهرب من مطاردة القوزاق، كل ذلك مما أقاسي من البرد لا مما نزف من الدماء.
فقال له القائد بلهجة المعزي: صبرا أيها الصديق، فسنغادر هذه البلاد المصقعة إلى بلاد تسطع بها أشعة الشمس، فيخرج الأسد من عرينه.
فتنهد الأميرالاي وقال: وا شدة شوقي إلى الأوطان! ووا أسفاه فإني سأموت قبل أن أرى بلادي! ثم تبسم ابتسام القانط وقال وهو يدفع جواذب النعاس القاتل: لا، لا يجب أن أنام، فإن علي أن أفتكر بامرأتي وولدي قبل ذلك، فأصغيا إلي، إنكما يا صاحبي ستعيشان بعدي، وسيطبع تذكار ودادي أثرا في قلبيكما، فأعيراني السمع فهذا آخر ما أحدثكما به. ثم مد يده إلى فيليبون، وقال: إنني تركت أيها الصديق في فرنسا وطني المحبوب امرأة في مقتبل الشباب وطفلا صغيرا، وعن قريب ستصبح تلك المرأة أرملة وذلك الطفل يتيما … لا تقطع علي حديثي أيها الصديق، فإنني أتمنى لنفسي ما تتمناه لي من العيش لأشاهد امرأتي وولدي، ولكن قلبي يحدثني بقرب الوفاة، وأن تلك الأرملة وذلك اليتيم يحتاجان إلى نصير أمين.
فركع بستيان على ركبتيه، واستشهد السماء بيديه وهو يقول: إني سأبذل حياتي ودمي قطرة فقطرة في خدمة امرأتك وولدك إذا أصابك الدهر بمكروه.
فشكره الأميرالاي، وكان اسمه أرمان دي كركاز، ثم حول نظره إلى القائد فقال: وأنت … أنت أيها الأخ الشفيق والصديق الصدوق …
وكأن هذه الكلمات قد فعلت بالقائد فعل الكهربائية بالأجسام، فاضطرب عند سماعها كاضطراب الريشة في مهب الريح، ولكن ذلك مر بأسرع من التصور، فلم يلبث أن عاد إلى ما كان عليه من الكدر، واقترب من أرمان مصغيا إليه، فقال أرمان: أنت يا خير من عرفته في أيامي، إنك ستكون سند تلك الأرملة، ووالد ذلك الطفل الصغير.
فاحمر وجه القائد، وبرقت أسرة وجهه، غير أن أرمان لم ينتبه إلى ذلك، فمضى في حديثه يقول: إني لا أجهل سابق غرامك بامرأتي منذ كانت تدعى باسم ذويها، وإنك تذكر يوم خلبت قلبينا بآدابها، وتزاحمنا على حبها، كيف تركنا لها الخيار في انتخاب أحدنا بعلا لها، فكنت يومئذ أوفر منك حظا، واختارتني لها قرينا برضاك، فلم يكن ذلك ليقطع صلات المودة بيننا؛ بل استحكمت في أثره علائق الوئام، واستوثقت عرى الإخاء؛ مما دعاني إلى شكرك في حينه شكر محب عرف سر الولاء، ودعا لك الله في صلواته إذ كنت السبب في ما وصل إليه من ذلك الهناء.
والآن فإن ذلك الزوج الرءوف سيزج في ظلمات الأبدية، وسيغادر تلك المرأة أرملة لا نصير لها إلاك، ولا رجاء لها سواك، فأنت ستكون بعدي زوج تلك الأرملة؛ لتكون أبا لذلك اليتيم.
نعم، إنك ستتزوجها من بعدي، وهذه وصيتي الأخيرة كتبتها عند نشوب هذه الحرب، وقد تركت لك بها نصف ثروتي، أما الآن فإنك ستقتسمها مع امرأتي وولدي؛ لأني أثق بك وبإخلاصك، ولا ريب عندي بأنك ستنفذ إرادة محبتك الأخيرة. قال ذلك ومد يده السليمة إلى جيب صدرته، فأخذ منها غلافا ضخما وأعطاه لفيليبون.
فاصفر وجه القائد، وأخذ الغلاف بيد ترتجف وهو يقول: كن مطمئنا أيها الصديق، فسأمتثل لأمرك إذا أصبت بمكروه، ولكنك ستبرأ من جراحك، وستعيش لامرأتك التي طبعت على قلبي خير أثر من الاحترام.
فتبسم أرمان تبسم القانط الواثق بدنو الأجل، ولم ينبس ببنت شفة، بل تأوه وأطبق عينيه، وقد غلبه النعاس، فقال فيليبون لبستيان: لندعه ينام بضع ساعات نتناوب بها السهر عليه. ثم أضجعاه بقرب النار وغطياه بما كان عليهما من الثياب، فلم تمر دقيقة حتى سمع غطيطه.
فجلس بستيان بقرب رأسه، وجعل يزيد الضرم كلما أخمدت النار أو كادت، وهو يحاذر من وقوع الشرر عليه، ويكاد يذوب حنوا على مولاه.
أما فيليبون فكان غارقا في لجج التصورات، ملقيا بنظره إلى الأرض وهو ينكتها بحسامه الطويل، وكان يقطع تصوراته من حين إلى حين ناظرا إلى أرمان نظرة احتقار وانتقام، وإلى بستيان نظرة حذر وتحسب، ولا بد لنا في سياق هذا الحديث من الإلماح إلى ماضي هذا الرجل الذي كان يحبه أرمان محبة إخاء، ويثق به ثقة عمياء، وهو لو مثلت صورة اللؤم لما مثلت بغير رسمه، نقول: إنه كان فاسد الأخلاق، كثير اللين والمكر، وهو في الأصل من رعاع الطليان، تطوع في الجيش الفرنسي فلم يكن أصحابه على فقره المدقع إلا من أصحاب الملايين.
ولم يمض عليه زمن يسير حتى ارتقى إلى رتبة قائد لفرط تحيله، ولاحتياج الجيش إلى قواد لا لبأسه وإقدامه، فإنه كان يستر جبنه ومكره ببراقع من الرثاء.
وقد ارتبط مع أرمان منذ خمس عشرة سنة برابط متين من الوداد حتى أصبحا لا يفترقان، وقد لقيا منذ ثلاثة أعوام مرت على المعركة التي نحن بصددها السيدة هيلانة ديران، ابنة أحد كبار القواد، وكانت بارعة في الجمال فعلق بها الاثنان، أما هي فاختارت أرمان بعلا لها على ما ذكرناه آنفا، فثارت الغيرة بفيليبون، وأضمر الشر لرفيقه كاتما أحقاده مترقبا فرص الانتقام، حتى إنه أطلق عليه الرصاص في مواقع كثيرة فلم يصبه بأذى، ولم يوفق لقتله، وهو في كل ذلك يظهر له التودد، وتزيد أحقاده بازدياد محبة أرمان له شأن من طبع على الخسة والدناءة.
والآن فقد وجد ضالته المنشودة، وتيسر له ما كان يحلم به من الانتقام، فنظر إلى بستيان الساهر على مولاه بحنو الوالدة، وقال بنفسه: إن هذا الجندي يثقل علي ويحبط مساعي. قال ذلك، وانتصب على قدميه، وذهب إلى جواده.