Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
توقف قطار الساعة الرابعة وخمس عشرة دقيقة المتجه من فيكتوريا إلى لويس في محطة ثري بريدجيز إثر خروجه عن مساره، وعلى الرغم من أن جون لكسمان كان محظوظا بما يكفي بحيث لحق بقطار فرعي جاء متأخرا عن موعده متجه إلى بيستون تريسي، كانت العربة الصغيرة التي كانت وسيلة النقل الوحيدة بين القرية والعالم الخارجي؛ قد غادرت.
قال ناظر المحطة: «إذا كان بإمكانك الانتظار نصف ساعة، يا سيد لكسمان، فسوف أتصل بالقرية وأستدعي بريجز للحضور إليك.»
أطل جون لكسمان إلى الخارج وشاهد الأجواء الممطرة، وهز كتفيه.
قال باقتضاب: «سوف أقطع الطريق سيرا»، وخطا وسط الأمطار في ثبات وعزم، تاركا حقيبته في رعاية ناظر المحطة وجعل يزرر معطفه حتى ذقنه، ليقطع الميلين اللذين يفصلان محطة السكة الحديدية الصغيرة عن قرية ليتل بيستون.
كان المطر يتساقط بلا توقف، ومن المحتمل أن يستمر على مدار الليل. كان الطريق محاطا على كلا جانبيه بأسيجة شجرية عالية تألفت من أشجار عديدة متتالية وارفة الأوراق، وكان الطريق نفسه في بعض المواضع موحلا بشدة. توقف أسفل شجرة كبيرة محتميا بها، ليملأ غليونه بالتبغ ويشعله ثم تابع مسيره خافضا فوهة الغليون إلى أسفل. كان يفضل السير، بل كان مستحبا لديه، لولا الأمطار الغزيرة التي نفذت إلى كل شق، وأغرقت معطفه الواقي من المطر بالكامل.
كان الطريق من بيستون تريسي إلى ليتل بيستون مرتبطا في ذهنه ببعض من أجمل المواقف في رواياته. فعلى هذا الطريق وضع تصوره لأحداث رواية «لغز تيلبري». وفي الطريق بين المحطة والمنزل، نسج حبكة قصة «محبرة جريجوري»؛ القصة البوليسية الأكثر رواجا لهذا العام. فقد كان جون لكسمان متخصصا في كتابة الحبكات الدرامية البارعة.
إذا كان الكبار في عالم الأدب يعتبرونه كاتب الأعمال «الصادمة»، فقد كان له جمهور عريض ومتزايد ومنبهر بالقصص الرصينة والمثيرة التي يكتبها، وكان يحبس أنفاسه وهو يتابع خيوط اللغز المتشابكة حتى يصل إلى حل الحبكة التي وضعها.
لكن ذهنه المضطرب لم يكن منشغلا بالتفكير في الكتب، أو الحبكات، أو القصص وهو يهرول بخطوات واسعة عبر الطريق المهجور إلى ليتل بيستون. فقد حظي بمقابلتين في لندن، كانت إحداهما كفيلة بأن تملأه بالسعادة في الظروف العادية؛ فقد التقى تي إكس، و«تي إكس» هو تي إكس ميرديث الذي سيصبح يوما ما رئيس إدارة المباحث الجنائية، وكان في ذلك الوقت مفوض شرطة مساعدا وكان منخرطا في الأعمال الشائكة لتلك الإدارة.
اقترح تي إكس، بأسلوبه العصبي العنيف، أعظم فكرة لحبكة قصة يمكن لأي كاتب أن يتمناها. لكن لم يكن اللقاء مع تي إكس هو ما يشغل ذهن جون لكسمان وهو يرتقي قمة التل، على المنحدر الذي كان يشكل المنزل الصغير الذي عرف بذلك الاسم المهيب نوعا ما؛ بيستون بريوري.
كان ما يشغل ذهنه هو اللقاء الذي جمعه بالرجل اليوناني في اليوم السابق، والذي عبس وجهه حينما تذكره. فتح بوابة المرور الصغيرة وسار عبر المزروعات وصولا إلى المنزل، باذلا قصارى جهده لينفض عن ذهنه ذكرى المناقشة الاستثنائية والعقيمة التي خاضها مع المرابي.
كان بيستون بريوري يتجاوز مساحة كوخ بقليل، على الرغم من أن أحد جدرانه كان أثرا لا شك فيه لتلك المنشأة التي شيدها رجل دين يدعى هوارد في القرن الثالث عشر. لقد كان مبنى صغيرا ومتواضعا، شيد على الطراز الإليزابيثي، ذا أسقف جملونية غريبة الشكل ومداخن عالية، أعطته نوافذه الشبكية وحدائقه المنخفضة عن الأرض من حوله، وبستان الورد الخاص به ومرجه الصغير؛ طابعا إقطاعيا معينا كان مصدر فخر كبير لصاحبه.
مر أسفل الشرفة المسقفة، ووقف لحظة في المدخل الواسع وأخذ يخلع عنه معطفه المبلل.
كان المدخل غارقا في الظلام. كانت جريس على الأرجح تبدل ملابسها استعدادا لتناول العشاء، وقرر أنه لن يزعجها وهو في تلك الحالة المزاجية التي كان عليها. مر عبر الممر الطويل المؤدي إلى غرفة المكتب الكبيرة الواقعة في مؤخرة المنزل. كانت ثمة نيران متوهجة في المدفأة ذات الطراز القديم، وكانت أجواء الراحة والدفء في الغرفة تبعث إحساسا بالارتياح والسكينة. أبدل حذاءه، وأشعل مصباح الطاولة.
كان واضحا أن الغرفة كانت مختلى لرجل. كانت الكراسي المغطاة بالجلد، وخزانة الكتب الكبيرة والممتلئة عن آخرها التي شغلت أحد جدران الغرفة، وطاولة الكتابة الضخمة المصنوعة من خشب البلوط المتين المغطاة بالكتب والمخطوطات غير المكتملة، كل ذلك كان يشي بما لا يدع مجالا للشك بمهنة صاحبها.
بعد أن أبدل حذاءه أعاد ملء غليونه، واتجه صوب المدفأة ووقف يحدق في قلبها المتقد.
كان رجلا ذا طول يفوق المتوسط، نحيل البنية، وله كتفان عريضتان توحيان بأنه رياضي. وكان بالفعل يمارس التجديف في قاربه في فريق من أربعة مجدفين، وخاض منافسات شرسة في الأدوار قبل النهائية لبطولة إنجلترا للملاكمة للهواة. كان وجهه ذا ملامح قوية، ونحيلا، ولكن متناسقا. كانت عيناه رماديتين وعميقتين، بينما كان حاجباه مستقيمين ومنفرين قليلا. كان فمه الذي لا يوجد حوله أي شعر كبيرا وعريضا، وفي وجنتيه سمرة عافية تشي بأنه قد عاش حياته في الهواء الطلق.
لم يكن في مظهره ملامح الزاهد أو رجل العلم. فقد كان في الواقع مجرد بريطاني عادي تبدو عليه أمارات الصحة والعافية، ويشبه إلى حد كبير أي رجل آخر من طبقته الاجتماعية ممن قد نقابلهم في صالة الطعام في معسكرات الجيش البريطاني، أو في استراحات سفن الأسطول البحري، أو في المواقع البعيدة من الإمبراطورية، حيث يشاهد العاملون وهم يعملون كتروس صغيرة في ماكينة ضخمة.
كان ثمة نقر خفيف على الباب، وقبل أن يأذن للطارق بالدخول، فتح الباب ودلفت منه جريس لكسمان.
لو وصفتها بأنها امرأة جريئة وجميلة، لربما استشففت من هذا الوصف الوجيز وصفا لأسلوبها وجاذبيتها. اجتاز الغرفة حتى وصل لمنتصفها لمقابلتها وقبلها في حنو ورقة.
قالت وهي تتأبط ذراعه: «لم أعلم بعودتك حتى …»
ابتسم قائلا: «حتى رأيت الفوضى العارمة التي أحدثها معطفي.» وتابع: «أعرف أساليبك يا واطسون!»
ضحكت، ولكنها عادت إلى جديتها مرة أخرى.
«أنا في غاية السعادة بعودتك. فلدينا زائر.»
«زائر؟ من ذلك الذي جاء في يوم كهذا؟»
نظرت إليه مستغربة بعض الشيء.
لم يكن في نبرتها أي حماس.