Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
لا أتذكر أي مناسبة تلك التي دعتني إلى تناول العشاء مع ثورندايك في مطعم جيامبوريني في تلك الليلة تحديدا التي لم تنمح بعد من ذاكرتي. مما لا شك فيه أن بعض الأعمال المنجزة كانت قد استدعت حضور هذا الاحتفال المتواضع على ما يبدو. على أية حال، دخلنا إلى المطعم وجلسنا على طاولة اختارها ثورندايك في مكان منعزل بعض الشيء، جلسنا أمام نافذة كبيرة تتدفق من خلالها أشعة الشمس في شهر يونيو. حضرت الترتيبات الأولية وهي زجاجة من نبيذ البارساك، وكنا مترددين بين مجموعة من أطباق المقبلات نصف المطهوة، وعندئذ دخل رجل وجلس على طاولة أمام طاولتنا، من الواضح أنها كانت محجوزة له؛ لأنه سار إليها مباشرة وسحب الكرسي الوحيد الذي كان موضوعا بزاوية تجاه الطاولة.
تملكني الاهتمام بمراقبة أسلوبه المنمق؛ فقد كان واضحا أن الرجل يتناول عشاءه باهتمام. ومن أسلوب النادل والطاولة المحجوزة بكرسي واحد، خمنت أنه عميل منتظم أيضا، ولكن الرجل نفسه أثار فضولي؛ فقد كان رجلا غير عادي وكان مظهره ينم عن شخصية ربما تشوبها مسحة من الغرابة. بدا عليه أنه يقارب الستين من عمره، وله جسم صغير ونحيل، ووجه تكسوه التجاعيد ومتقلب التعابير وغريب الأطوار، وتعلو رأسه خصلات من الشعر الأبيض المنتصب. ومن جيب صدريته تبرز أطراف قلم حبر وقلم رصاص وكشاف كهربائي صغير يشبه ذلك الذي يستخدمه الجراحون؛ رأيت عدسة كودينجتون مكبرة محاطة بإطار فضي معلقة في سلسلة الساعة، ويرتدي في إصبعه الأوسط بيده اليسرى أكبر خاتم رأيته في حياتي.
قال ثورندايك وهو يتابع نظراتي: «حسنا، ما تقول في الرجل؟»
أجبته: «لا أعرف حقا، توحي عدسة كودينجتون المكبرة أنه من أنصار المذهب الطبيعي أو عالم في مجال ما، ولكن هذا الخاتم الكبير يستبعد هذا التخمين. لعله يعمل في جمع الأشياء القديمة أو القطع النقدية أو حتى الطوابع البريدية. إنه يتعامل مع الأشياء الصغيرة من نوع ما.»
في تلك اللحظة، دخل رجل وهو يمشي بخطى واسعة باتجاه طاولة صديقنا ومد يده للمصافحة وصافحه الرجل الآخر ولكن ليس بحماس كبير حسبما رأيت. أحضر الوافد الجديد كرسيا ووضعه بجانب الطاولة وجلس وأمسك القائمة، وفي ذلك الوقت أخذ الآخر ينظر مستنكرا. خمنت أنه كان يفضل تناول العشاء وحده، وأنه لم ترق له شخصية الرجل الذي دخل لتوه؛ إذ كان ذا مظهر مبهرج وصارخ ولافت للأنظار.
ومن هذين الرجلين، انجذبت عيناي إلى رجل طويل القامة توقف بقرب الباب ووقف يتفحص الردهة وكأنه يبحث عن شخص ما. وقعت عيناه فجأة على طاولة فارغة ذات مقعد واحد، توجه الرجل إليها مباشرة وجلس وأخذ يقرأ قائمة الطعام متوجسا والنادل يقف ينتظر أوامره. استرقت النظر إليه بشيء من الازدراء. يأخذ المرء عنفوان الشباب بعين الاعتبار، ولكن عندما يتحلى رجل في منتصف العمر بمظهر يجمع بين الشعر الكثيف الدهان المفروق من المنتصف، وشارب مدهون بكمية كبيرة من الكريم المثبت بحيث يثير الاستغراب من كثافة لونه الأسود، ونظارة محدبة بعين واحدة من النوع الفخم يبدو أنها لمجرد الزينة، فهذا يدفع المرء إلى أن ينظر إليه بقدر ضئيل من القبول. لم أعر مظهره الغريب انتباها، ولكني كنت مهتما بوجبة العشاء ولم أنتبه لشيء آخر مع العشاء لبعض الوقت إلى أن سمعت ثورندايك يصدر ضحكة مكتومة خفيفة.
بينما يضع كأسه، علق بقوله: «ليس سيئا.»
وافقته الرأي: «لا بأس إطلاقا بالنسبة إلى نبيذ من المطعم.»
قال: «لم أقصد النبيذ، ولكني أقصد صديقنا بادجر.»
قلت متعجبا: «المفتش! إنه ليس هنا، أليس كذلك؟ فأنا لا أراه.»
قال: «يسرني أن أسمعك تقول ذلك يا جيرفيس. بذل الرجل جهدا أفضل مما توقعت، ولكن بإمكانه التعامل مع متعلقاته بطريقة أفضل قليلا. فهذه المرة الثانية التي تقع فيها نظارته في الحساء.»
بينما أتتبع نظراته، لاحظت أن الرجل ذا الشارب المدهون بالكريم المثبت يمسح نظارته خلسة؛ وبفضل الانقشاع المؤقت لغيمة العبوس من إحدى عينيه، تمكنت من ملاحظة أوجه التشابه مع الملامح المعتادة لضابط المباحث.
قلت: «إذا كنت تقول إن هذا هو بادجر، فأنا أخمن أنه هو. إنه يشبه صديقنا قليلا، ولكن ما كنت لأتعرف عليه.»
قال ثورندايك: «لا أعرف إن كان هناك ما يجعلني أتعرف عليه، ولكني تعرفت عليه من بعض سقطات الحركات اللاإرادية. تعرف طريقته في التمسيد على مؤخرة رأسه وفتح فمه والحك في ذقنه من الجانب. رأيته يفعل ذلك لتوه. فقد نسي مظهر الملوك الذي يظهر به حتى نسي ذقنه، ثم التوقف المفاجئ في حركته جذب الانتباه كثيرا. فما كان عليه أن ينسى أنها لحية مزيفة.»
قلت: «لا أعرف ما اللعبة التي يحيكها. يوحي تنكره بأنه في مهمة تحر عن شخص ما ربما يعرفه، ولكن من الواضح أنه لم يعثر على أحد حتى الآن. على أية حال، يبدو أنه لا يراقب شخصا بعينه.»
قال ثورندايك: «لا، ولكن يبدو أنه يوجد أشخاص يتحاشى النظر إليهم. هذان الرجلان الجالسان على الطاولة التي أمامنا يقعان في مجال رؤيته مباشرة، ولكنه لم يركز نظره معهما ولو مرة واحدة منذ أن جلس على الرغم أني لاحظته يرمقهما بنظرة سريعة قبل أن يختار طاولته. لا أعرف هل رآنا أم لا. ربما لم يرنا لأن ضوء النافذة شديد السطوع من خلفنا كما أن انتباهه مشغول بشيء آخر.»
نظرت إلى الرجلين ثم إلى المحقق وعلمت أن صديقي على حق. كان يوجد على طاولة المفتش نبات سرخس بحجم كبير موضوع في إناء زينة، بعد ذلك حركه بحيث يصبح بينه وبين الغريبين؛ ومن ثم لا بد أنه أصبح غير مرئي جزئيا لهما. في الحقيقة، يمكنني أن أرى الآن أنه بالفعل يسترق النظر إليهما من وقت لآخر عبر حافة بطاقة قائمة المأكولات. وحينما أوشكا على الانتهاء من وجبتيهما، أنهى وجبته بسرعة وأشار إلى النادل ليحضر له الفاتورة.
قال ثورندايك بعدما دفع حسابنا: «يمكننا الانتظار نحن أيضا ونراهم وهم يغادرون. دائما ما يثير بادجر اهتمامي. إنه شديد الذكاء ولكن حظه سيئ بدرجة صادمة.»
لم ننتظر طويلا. نهض الرجلان عن طاولتهما ومشيا على مهل باتجاه الباب، وتوقفا لإشعال السجائر قبل الخروج. ثم نهض بادجر وأولاهما ظهره وجعل وجهه باتجاه المرآة المقابلة لهما؛ وبينما خرج الرجلان، تناول قبعته وعصاه وتبعهما. نظر ثورندايك إلي نظرة تساؤل.
سألني ثورندايك قائلا: «هل ندخل في مغامرات هذه المطاردة؟» ومع موافقتي لرأيه، انطلقنا في أثر المفتش.
بينما نتبع بادجر على مسافة قريبة، كنا من وقت لآخر نرصد الرجلين اللذين يراقبهما المفتش من أمامه؛ إذ تسببت تصرفاتهما في إرباك المفتش، حيث كانا يتوقفان فجأة لتوضيح بعض النقاط التي يتناقشان فيها، واضطر المحقق أن يبعد بمسافة أكبر من المسافة الآمنة؛ وذلك نظرا لازدحام الرصيف. وفي إحدى هذه المناقشات عندما كان الرجل الأكبر يقول بنفسه بعض النكات المضحكة، نظر كلاهما إلى الخلف فجأة، وكان صاحب النكتة يشير إلى شيء ما في الجهة المقابلة من الطريق. التفت العديد من الأشخاص ليروا الشيء الذي يشير إليه وبالطبع اضطر المفتش إلى الالتفاف أيضا كي لا يكشف أمره. وفي هذه اللحظة، دخل الرجلان إلى مدخل وعندما التفت المفتش مرة أخرى لم يجدهما.
بمجرد أن فقد بادجر أثرهما، بدأ في الركض وتوجه على الفور إلى المدخل الكبير لمبنى سيلستشيال بنك تشامبرز، وبدأ في البحث الحثيث عنهما. ثم بدا أنه رأى طريدته ومن ثم اندفع إليهما ونحن أسرعنا الخطى وتبعناه. وفي منتصف الردهة الطويلة رأيناه يقف عند باب مصعد ويضغط على زر الاستدعاء والعجلة تبدو عليه.
قال ثورندايك ضاحكا في نفسه ونحن نتجاوزه دون أن يلاحظنا: «بادجر البائس! حظه المعتاد! لن يجد طريدته الآن إلا بصعوبة في هذا المبنى الضخم. قد نذهب أيضا إلى مدخل شارع بلينهايم.»
تابعنا طريقنا عبر الممر المتعرج واقتربنا من المدخل وحينها لاحظنا رجلين ينزلان من على الدرج المؤدي إلى الصحن.
قلت: «يا للعجب! إنهما هنا! هل نعود ونخبر بادجر؟»
تردد ثورندايك، ولكن بعد فوات الأوان. وصلت سيارة أجرة وكان السائق يأخذ أجرته. أسرع الشاب، وهو يشير للسائق، وأمسك مقبض الباب؛ وعندما دخل صاحبه إلى الكابينة، أعطى العنوان للسائق ودخل إلى السيارة بسرعة وأغلق الباب. عندما انطلقت سيارة الأجرة، سحب ثورندايك دفتر ملاحظاته وكتب رقم السيارة. استدرنا وعدنا أدراجنا، ولكن عندما وصلنا إلى باب المصعد، وجدنا أن المحقق اختفى. من المؤكد أنه صعد إلى الطوابق العليا، وكأنه حلق مع ألحان توم بولينج الساحرة.
ثورندايك: «يجب أن نترك الأمر يا جيرفيس. سأرسل له رقم سيارة الأجرة من دون تحديد هوية المرسل، وهذا جل ما يمكننا فعله، ولكني آسف على بادجر.»
بذلك نحينا الحادث جانبا عن تفكيرنا، وعلى الأقل، فإنني أزعم بالفعل أني رأيت الرجل الأخير من هذين الغريبين. لم أكن أظن أنني سألتقي بهما مرة أخرى قريبا تحت أي ظرف!
بعد أسبوع، زارنا صديقنا القديم وهو المشرف ميلر من إدارة التحقيقات الجنائية. السنوات التي مضت أسست بيننا تبادل الثقة والاحترام، وكان ضابط التحقيقات المخضرم والأمين زائرا مرحبا به على الدوام.
قال ميلر وهو يقطع طرف سيجاره الذي لا يفارق يده: «أتيت للتو لأخبركما عن قضية غريبة وقعت تحت أيدينا. أعلم أنكما تهتمان دائما بالقضايا الغريبة.»