Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
دقت نواقيس الدير قبل أن ينبثق نور الفجر مؤذنة بالصلاة، فتهافت الرهبان إلى المصلى.
وبينما الرهبان يصلون صلاة الفجر، كان داغوبير قد بدأ أعماله وامتزجت أصوات مطرقته بأصوات الرهبان.
إن داغوبير هذا كان حدادا وبيطارا في ذلك الدير، ولكنه لم يكن من الرهبان ولا يتصل بهم بغير الجوار.
وهو فتى في الثانية والعشرين من عمره، متين القوى، وافي الذراعين، عظيم الزندين، مدمج المفاصل، تظهر الشجاعة بين عينيه، ولا يخلو وجهه من الجمال.
كان والد داغوبير وأجداده إلى عهد بعيد يتوارثون هذا الاسم توارثهم مهنة الحدادة والبيطرة في جوار الدير، حتى كان نبلاء أورليان يقولون: لو كان نسب الأسرات بتقادمها لكان هذا الحداد مساويا لنا في الحسب.
ثم إن رهبان الدير كانوا يموتون ويحل سواهم محلهم فيه، كذلك أعضاء عائلة داغوبير فإنهم كانوا يتوارثون تلك المطرقة وتلك الدكان، كما تتوارث الملوك التيجان.
ولهذه العائلة حكاية كان يتناقلها الناس كما يتناقلون أحاديث الخرافات، وهي أن جد هذه العائلة كان يتصل تاريخه بعام ١٣٥٠.
وكان للكهنة والنبلاء في ذلك العهد مطلق السلطان، فاتفق يوما أن حراس غابات الدير جاءوا بهذا الرجل إلى الرئيس مكتوف اليدين، واتهموه أنه اصطاد أيلا في تلك الغابات، فأمر رئيس الدير بجلده خمسين سوطا وبدفع غرامة كانت فوق طاقته، وسجنه إذ لم يستطع دفعها.
واتفق في ذلك اليوم أنهم انتخبوا رئيس الأديرة العام، والعادة أن الرئيس العام حين ينتخبونه يأتي إلى هذا الدير فيقيم فيه يوما، ثم يذهب مع رئيسه إلى مركز رئاسته العليا.
وكان حصان رئيس الدير قد حفت حوافره، وليس في تلك القرية بيطار غير داغوبير السجين، فأمر الرئيس بإحضاره من سجنه وأمره أن ينعل فرسه، فأبى الرجل لحقده على الرئيس، فقال له: إذا أصررت على الرفض أمرت بشنقك.
فأجابه بملء السكينة: إني مستعد للموت.
فغضب الرئيس ولكنه كان مضطرا إلى مرافقة الرئيس الأكبر، فكظم غيظه وقال له: لماذا لا تريد أن تنعل فرسي؟
– لأنك أسأت إلي ولم تعوضني شيئا.
– إني أصفح عنك وأتخلى عن الغرامة التي فرضتها عليك.
– إن هذا التعويض لا يكفيني.
– إذن سل ما تشاء فإني أمنحك كل ما تريد.
– إني أريد أن تمنحني أرضا يسير فيها الماشي ثلاث ساعات في أي مكان أردته من أملاك الدير.
– وأريد أن تأذن لي ببناء منزل ودكان للحدادة.
– وأريد أن تكون هذه الأرض والمنزل والدكان حقا لأعقابي يتوارثونها من بعدي.
– قد منحتك هذا الحق أيضا.
ثم كتب له صكا بهذه المنح، فأنعل له فرسه وتمكن من مرافقة الرئيس العام.
وتوالت السنون والقرون فكانت تلك الدكان عند باب الدير لا يشتغل فيها غير أعقاب داغوبير، فكانوا مع الرهبان على أتم خير وسلام.
أما داغوبير هذا الذي بقي من تلك العائلة في عهد هذه الرواية فكان يدعى جان داغوبير.
وقد كان في مقتبل الشباب كما قدمناه، ولم يبق من تلك العائلة سواه، ومع ذلك فإنه كان لا يزال عازبا، إما لخوفه من الزواج، وإما لأنه لم يجد بعد من تشاركه في هذا القيد.
ولقد قلنا إن الرهبان كانوا يصلون صلاة الفجر، وداغوبير يقرع السندان بمطرقته فيوقظ الأطيار من سباتها؛ لأن الفجر لم يكن قد انبثق بعد.
وفيما هو ذلك سمع وقع حوافر جواد، فذهل لقدوم هذا الجواد بمثل هذه الساعة، وترك مطرقته وقام إلى الباب ليرى من القادم، فرأى فارسا ينهب الأرض بجواده وهو قادم من جهة سولي، فقال في نفسه، لا شك أن هذا الفارس من النبلاء، وهو ذاهب إلى قرية سانت ألبير لحضور حفلة العيد.
غير أن هذا الفارس لم يتجاوز الدير؛ فإنه حين وصل إلى دكانه أوقف الجواد، ونادى داغوبير فقال له: أهنا الدير الذي يدعونه دير أبناء الله أيها الصديق؟