Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان الرجل الجالس إلى الطاولة ذات السطح الرخامي في مقهى «جريت كابتن» — إن صحت ترجمتي للافتة — رجلا ميسورا خالي البال. كان رجلا طويل القامة ذا لحية مشذبة وعينين رماديتين متجهمتين تجوبان الشوارع في شرود، فكأنه لا يعرف مبتغاه. راح يرتشف فنجانا من القهوة الممزوجة باللبن، وينقر على الطاولة بيديه البيضاوين النحيلتين عازفا نغمة صغيرة.
كان متشحا بالسواد، الذي يعد لونا تقليديا رائجا في إسبانيا، وكانت عباءته السوداء مبطنة بالمخمل. كانت رابطة عنقه من الساتان الأسود، وكان بنطاله المحكم عليه تماما مربوطا أسفل حذائه المدبب، على طريقة بعض السادة الإسبان.
كانت هذه الملامح التي يتسم بها ملبسه غريبة أشد الغرابة في قرطبة، بالرغم من أنه كان تقليديا بالدرجة الكافية. ربما كان إسبانيا؛ إذ كانت العيون الرمادية إرثا من جيش الاحتلال، وقد ولد الكثير من الأشخاص من زيجات تجمع بين أيرلنديي ولينجتون الذين يغلب عليهم المرح والبهجة، وبين سيدات إستريمادورا المرهفات الحس.
كانت طريقة حديثه سليمة تماما بلا أي أخطاء، وكان يتحدث بلثغة أندلسية؛ مجتزئا كلماته مثلما يفعل أهل الجنوب. وقد تجلى الدليل على أصله الجنوبي في رد فعله تجاه الشحاذ المتأوه الذي جاءه يجر قدميه في ألم ومرارة، مادا يده طلبا للإحسان.
«باسم العذراء، والقديسين، والرب الذي هو فوق الجميع، أتوسل إليك يا سيدي أن تمنحني عشرة سنتيمات.»
اتجه الرجل ذو اللحية بعينيه الشاردتين نحو راحة يده الممدودة.
ثم قال باللكنة العربية المدغمة المميزة لمنطقة المغرب الإسباني: «سوف يعطيك الرب.»
قال الشحاذ بنبرة رتيبة: «إنني لن أكف أبدا عن الدعاء لفخامتك بالسعادة، حتى وإن عشت مائة عام.»
نظر ذو العباءة المبطنة بالمخمل إلى الشحاذ.
كان الشحاذ رجلا متوسط الطول، حاد الملامح، طليق اللحية على غرار أمثاله، ومعصبا بضمادات ثقيلة تغطي رأسه وإحدى عينيه.
كان أعرج أيضا تتجسد قدماه في كتل بلا شكل محدد من الضمادات الملفوفة، وكانت يداه الشاحبتان تقبضان بقوة على عصا.
قال متأوها: «أيها السيد والأمير، بيني وبين آلام الجوع اللعينة عشرة سنتيمات، ولن تهنأ فخامتك بنومك وأنت تراني في خيالك أتقلب على جمر الجوع.»
قال الآخر في صبر: «فلتذهب في سلام.»
أطلق الشحاذ زفرة أنين قائلا: «فليباركك يسوع في حجر أمه» ثم أشار بعلامة الصليب «بحق القديسين ودماء الشهداء المباركة، أستحلفك ألا تتركني أموت على جانب الطريق، بينما يمكن لعشرة سنتيمات، لا تساوي لديك شيئا شأنها شأن قلامة أظافرك، أن تشبع معدتي.»
ارتشف الرجل الجالس إلى الطاولة قهوته دون أن يحرك ساكنا.
ثم قال: «اذهب في رعاية الرب.»
غير أن الرجل لم يزل يتباطأ ويتلكأ.
راح ينظر يمنة ويسرة إلى الشارع المشمس بلا حول ولا قوة، ثم حدق في المقهى البارد المظلم من الداخل؛ حيث جلس نادل إلى إحدى الطاولات يقرأ الجريدة دونما اكتراث لأي شيء.
بعد ذلك مال إلى الأمام، ومد يده ببطء ليأخذ كسرة كعك من الطاولة المجاورة.
سأل بإنجليزية ممتازة: «أتعرف د. إيسلي؟»
بدا السيد المختال بنفسه الجالس إلى الطاولة مستغرقا في التفكير.
سأل باللغة نفسها: «لا أعرفه، لكن لماذا؟»
قال الشحاذ: «يجدر بك أن تعرفه؛ إنه شخص مثير للاهتمام.»
وانصرف يجر قدميه بصعوبة عبر الشارع دون أن يزيد كلمة. وراح السيد يراقبه ببعض الفضول وهو يشق طريقه ببطء إلى المقهى المجاور، ثم صفق بحدة جعلت النادل الغافل، الذي كان في تلك اللحظة منكبا على الجريدة على نحو ملحوظ، يستفيق فجأة، وحصل منه على قيمة الفاتورة، وعلى بقشيش يتناسب مع قيمتها. وبالرغم من أن السماء كانت صافية بلا غيوم، فقد ألقت الشمس بظلال زرقاء على الشارع، وكانت تلك الظلال نفسها تحمل برودة قارصة؛ إذ كانت تلك هي الأيام الباردة التي تسبق أولى بشائر حر الربيع.
وقف الرجل فاردا قامته التي كان طولها يزيد على ست أقدام، وحرك عباءته قليلا وبخفة ألقى أحد طرفيها على كتفه، ثم بدأ يمشي رويدا في الاتجاه الذي ذهب منه الشحاذ.
قاده الطريق إلى شوارع ضيقة للغاية؛ حتى إن الجدران على كلا الجانبين قد تخللتها شقوق عميقة تسمح بمرور صناديق عربات النقل. أدرك الشحاذ الذي كان في مقهى كال بارايزو واجتازه، سالكا الشوارع المؤدية إلى شارع سان فرناندو، الذي سار فيه بتمهل شديد، ثم عرج إلى شارع كاريرا دي بوينتي؛ فصار في ظلال المسجد-الكاتدرائية المكرس لله والرب على حد سواء، بحيادية تشرح الصدور. وقف مترددا أمام البوابات المؤدية إلى الأفنية الداخلية، وقد بدا في شيء من الريبة، ثم استدار مجددا وانحدر عبر التل نحو جسر كالاهورا. امتد الجسر في استقامة شديدة، بأقواسه الست عشرة التي شيدها الموريون القدماء. وصل الرجل ذو العباءة إلى منتصف الجسر، ومال من فوقه يراقب باهتمام فاتر تلك المياه الصفراء المتلاطمة في النهر الكبير.
رأى الشحاذ بزاوية عينه وهو يتقدم ببطء نحو البوابة ويسير في اتجاهه. وقد انتظر لوقت طويل؛ إذ كان الرجل يتقدم ببطء. وفي النهاية اقترب منه في حذر، وقبعته في يده وراحة يده ممدودة. كان سلوكه كسلوك الشحاذين، لكن صوته كان صوت رجل إنجليزي مثقف.
قال في نبرة جادة: «مانفريد، لا بد أن ترى هذا الرجل المدعو إيسلي. لدي سبب خاص لطلبي ذاك.»