Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
مرت على الأب براون فترة قصيرة، استمتع فيها، أو بالأحرى لم يستمتع فيها، بشيء يشبه الشهرة؛ فقد كان مثار اهتمام الصحف لبعض الوقت، بل وكان حتى موضوع جدال شائع في المجلات الأسبوعية؛ وقد رويت مآثره بحماسة وعلى نحو غير دقيق في العديد من النوادي وغرف الرسم، خصوصا في أمريكا. وقد جعل من مغامراته كمحقق موضوع للقصص القصيرة التي تنشر في المجلات، على الرغم من أن هذا قد يبدو لأي ممن يعرفونه غير مناسب وبالطبع غير قابل للتصديق.
الغريب أن بريق الشهرة الشارد هذا قد أصابه في أكثر الأماكن غموضا، أو على الأقل بعدا، من بين أماكن إقامته الكثيرة. كان الأب براون قد أرسل ليتولى منصبا رسميا، شيئا بين مبشر وكاهن أبرشية، في أحد أجزاء الساحل الشمالي لقارة أمريكا الجنوبية، حيث لا تزال قطاعات من بلدان تلك المنطقة غير خاضعة بقوة للقوى الأوروبية، أو تهدد باستمرار بأن تصبح جمهوريات مستقلة، تحت مظلة حكم الرئيس مونرو الضخمة. كان السكان يتكونون من الهنود الحمر واللاتينيين؛ أي إنهم كانوا أمريكيين من أصل إسباني، وكان قطاع كبير منهم من الهنود الحمر من أصل إسباني، ولكن كان هناك تغلغل كبير ومتزايد للأمريكيين ذوي الأصول الشمالية — الإنجليز والألمان وغيرهم. ويبدو أن المتاعب بدأت حين اقترب أحد هؤلاء الزوار — والذي كان قد وصل حديثا، وكان منزعجا للغاية لأنه فقد إحدى حقائبه — من أول مبنى وقع عليه بصره، وتصادف أنه هو مقر البعثة التبشيرية والكنيسة الصغيرة الملحقة به، وأمامهما كان هناك شرفة طويلة وصف طويل من الأوتاد التي تتدلى عنها أفرع النباتات المتسلقة السوداء الملتوية، والتي كانت أوراقها المربعة حمراء بسبب الخريف. وخلف صف الأوتاد جلس صف من الرجال في جمود كما لو كانوا مثل تلك الأوتاد، وكانوا يشبهون على نحو ما النباتات المتسلقة في لونهم؛ فبينما كانت قبعاتهم الواسعة الحواف سوداء كعيونهم التي لا ترمش، مال لون بشرة الكثير منهم إلى لون الخشب الأحمر الداكن للغابات عبر الأطلسية الموجودة هناك. رأى عددا كبيرا منهم يدخنون سيجارا رفيعا وطويلا للغاية لونه أسود، وكان الدخان هو الشيء الوحيد تقريبا الذي يتحرك في هذا المشهد. كان الزائر سيصفهم بأنهم من السكان الأصليين، رغم أن بعضهم كان يفخر بشدة بأصوله الإسبانية، ولكنه لم يكن من نوعية الأشخاص الذين يستطيعون التمييز بدقة بين الإسبان والهنود الحمر؛ إذ كان يفضل أن يستبعد السكان الأصليون من المشهد بمجرد أن يرى أنهم كذلك.
كان رجل صحافة من مدينة كانساس، وكان نحيلا ذا شعر أشقر وله أنف جريء، بحسب تعبير جورج ميريديث؛ يمكن للمرء أن يتخيل أن أنفه يتلمس طريقه، وأنه يتحرك كما لو كان خرطوم آكل النمل. كان اسمه سنيث وكان والداه بعد تأمل غريب قد أطلقا عليه شاءول، وهي حقيقة كان يرغب في كتمانها قدر الإمكان. وفي النهاية بالفعل، سوى الرجل المسألة بأن أطلق على نفسه اسم بول، على الرغم من أن السبب وراء اختياره لهذا الاسم لم يكن هو السبب نفسه الذي كان في حالة القديس بول أو بولس رسول الأمم. وعلى النقيض من ذلك، وبقدر ما كان للرجل من آراء حول تلك الأمور، فإن اسم المضطهد كان سيكون ملائما أكثر؛ لأنه كان ينظر إلى الديانات المنظمة بالازدراء التقليدي نفسه الذي يمكن للمرء أن يتعلمه بسهولة أكثر من إنجيرسول عن فولتير. وكان هذا، كما اتضح، هو الجانب الأقل أهمية من شخصيته، والذي أظهره حين قدم نحو مقر البعثة التبشيرية ومجموعة الأشخاص الجالسين أمام الشرفة. تسبب شيء بشأن سكونهم ولامبالاتهم الصفيقين في أن يتأجج لديه شعوره بالأفضلية، وأصبح هو المتحدث الوحيد حين لم يتلق إجابة محددة على أسئلته الأولى.
وقف هناك تحت أشعة الشمس القوية، في هيئته النظيفة المهندمة، وثيابه الأنيقة وقبعة بنما الخاصة به، محكما قبضته على حقيبته الصغيرة. بدأ يصيح في الرجال الجالسين في الظل، وأخذ يشرح لهم بصوت مرتفع جدا لماذا يتسمون بالكسل والقذارة والجهل كالحيوانات، ولماذا كانوا في منزلة أقل من الحيوانات التي تفنى وتهلك، هذا في حال أن تكون هذه المسألة قد جالت بخاطرهم من قبل. كان هذا في رأيه يعود إلى التأثير الضار والوخيم للقساوسة الذين جعلوهم فقراء بصورة مزرية ومضطهدين بصورة بائسة، مما جعلهم يجلسون في الظل، يدخنون ولا يحركون ساكنا.
قال الرجل: «يا لكم من حشد ضعيف لكي تسمحوا بأن يتجبر عليكم أولئك المتعجرفون لأنهم يتجولون وهم يرتدون براطلهم وتيجانهم وأرديتهم المذهبة وخرقهم البراقة الأخرى، وينظرون إلى الآخرين باستعلاء وكأنهم حثالة؛ وأن تنخدعوا بالتيجان والظلل والمظلات الدينية مثل طفل في عرض إيمائي صامت؛ لمجرد أن أحد المتعجرفين من كبار الكهنة العجز الخزعبليين يبدو في حلته وكأنه سيد أهل الأرض، ولكن ماذا عنكم أنتم؟ كيف تبدون أنتم أيها السذج المساكين؟ إنني أقول لكم إن هذا هو السبب الذي جعلكم متأخرين وهمجيين ولا تستطيعون القراءة أو الكتابة و…»
في تلك اللحظة، خرج الكاهن الأعلى الخزعبلي على عجل وبصورة طائشة من باب مقر البعثة، ولا يبدو وكأنه سيد أهل الأرض، وإنما بدا ككومة من الملابس القديمة السوداء المزررة حول مئزر قصير من دون أكمام في هيئة رجل. ولم يكن يرتدي تاجه، هذا إذا اعتبرنا أنه كان يمتلك واحدا، وإنما كان يرتدي قبعة عريضة رثة لا تختلف كثيرا عن تلك التي يرتديها الهنود الإسبان، وكانت تميل نحو مؤخر رأسه وكأنه كان منزعجا من ارتدائها. كان الكاهن على وشك الحديث إلى السكان الأصليين الجامدين حين وقع بصره على الرجل الغريب، فقال بسرعة:
«أوه، أيمكنني مساعدتك؟ أتود الدخول؟»
دخل السيد بول سنيث، وكان دخوله هو بداية زيادة كبيرة في معلومات ذلك الصحفي حول الكثير من الأشياء. من المحتمل أن حسه الصحفي كان أقوى من تحيزاته، كما هو الحال بالفعل مع الصحفيين المهرة؛ وقد طرح العديد من الأسئلة الوجيهة، والتي فوجئ بإجاباتها واندهش منها. اكتشف أن باستطاعة الهنود القراءة والكتابة؛ وذلك لسبب بسيط وهو أن القس قد علمهم ذلك؛ ولكن معرفتهم بالقراءة والكتابة لم تكن تتخطى رغبتهم في التواصل المباشر فيما بينهم، وذلك كان عن تفضيل فطري. وعلم أن أولئك الغرباء الذين يجلسون متكدسين أمام الشرفة وكأن على رءوسهم الطير كانوا يعملون بكد في قطع الأراضي التي يمتلكونها؛ خاصة أولئك الذين كانت أصولهم الإسبانية تغلب أصولهم الهندية؛ ومما أثار دهشته أكثر معرفته بأنهم جميعا كان لديهم قطع من الأرض كانوا يمتلكونها بالفعل. عد هذا جزءا من تقليد ثابت كان يبدو طبيعيا بصورة ما لدى السكان الأصليين، ولكن القس لعب دورا في ذلك أيضا، وبفعله ذلك كان قد شارك ربما للمرة الأولى والأخيرة له في السياسة، وإن كان في السياسة الداخلية فقط.
اكتسحت تلك المنطقة مؤخرا إحدى موجات الراديكالية الإلحادية التي تكاد ترقى لأن تكون فوضوية، والتي كانت تظهر على نحو دوري في البلدان ذات الثقافة اللاتينية، وتبدأ عادة بمنظمة سرية وتنتهي عامة بحرب أهلية أو بشيء لا يختلف عن ذلك كثيرا. كان القائد المحلي للجماعة المتمردة يسمى ألفاريز، وهو مغامر غريب برتغالي الجنسية، ولكنه، كما قال أعداؤه، كان ذا أصول زنجية، وقد كان زعيم عدد من المحافل والمكاتب المسئولة عن تأجيج نيران تلك الأنشطة الراديكالية والتي كانت تخفي الإلحاد تحت عباءة صوفية. وكان قائد التوجه الأكثر تحفظا رجلا عاديا إلى حد كبير، وكان ثريا جدا ويدعى مندوزا، وكان يمتلك الكثير من المصانع ويحظى بقدر من الاحترام، ولكنه كان مثيرا للملل بعض الشيء. وكان الرأي السائد مفاده أن مسألة وجود القانون والنظام كانت ستضيع تماما لو لم يتبن أنصار هذا التوجه سياسة شعبية أكثر خاصة به، وذلك في شكل تخصيص قطع من الأراضي للفلاحين؛ وقد تشكلت تلك الحركة بصورة رئيسية من مركز التبشير الصغير الذي يترأسه الأب براون.
وبينما كان القس يتحدث إلى الصحفي، دخل عليهم مندوزا، القائد المحافظ. كان رجلا قويا داكن البشرة ذا رأس أصلع كالكمثرى، وجسد مدور كالكمثرى أيضا؛ وكان يدخن سيجارا له رائحة نفاذة بشدة، إلا أنه ألقى به بعيدا، ربما بصورة دراماتيكية بعض الشيء، وذلك حين مثل أمام القس، كما لو كان قد دخل الكنيسة؛ وانحنى انحناءة تكاد تكون غير محتملة من رجل في مثل سمنته. كان الرجل دوما بالغ الجدية في إشاراته الاجتماعية، خاصة تجاه الكيانات الدينية. كان واحدا من أولئك الأشخاص العاديين المحبين بشدة للكنيسة أكثر من القساوسة أنفسهم. وقد سبب هذا نوعا من الحرج للأب براون، خاصة حين كان يأتي على نفس التصرفات في الحياة الخاصة.
قال الأب براون وقد علت وجهه ابتسامة خافتة: «أعتقد أنني لا أشجع سلطة رجال الدين، ولكن لم يكن ليكون هناك نصف ما هو موجود منها إذا ما تركوا الأمور في أيدي رجال الدين.»
تساءل الصحفي في حيوية جديدة: «لماذا أشعر يا سيد مندوزا أننا تقابلنا من قبل؟ ألم تكن حاضرا في مؤتمر التجارة في المكسيك العام الماضي؟»
بدت على جفني السيد مندوزا الثقيلين علامات الإدراك، وابتسم بطريقته البطيئة وقال: «أتذكر ذلك.»
قال سنيث وقد بدا أنه مستمتع بحديثه: «لقد أبرمت صفقات كثيرة جدا هناك في غضون ساعة أو اثنتين. أعتقد أن الأمر شكل معك فارقا كبيرا أيضا.»
قال مندوزا في تواضع: «كنت محظوظا للغاية.»
صاح سنيث المتحمس: «أتعتقد ذلك؟! إن الحظ السعيد يرافق من يعرفون متى ينتهزون الفرص؛ وقد أحسنت أنت استغلال الفرص بكل تأكيد، ولكني أخشى أن أعطلك عن أعمالك.»
قال الآخر: «لا، على الإطلاق. أنا غالبا ما أحظى بشرف زيارة القس والحديث إليه لفترة قصيرة؛ مجرد حديث قصير.»
يبدو أن علاقة الود هذه بين الأب براون ورجل الأعمال الناجح، بل وحتى الشهير، قد أدت إلى استقرار حالة الوفاق بين القس والسيد سنيث العملي. وقد نفترض بأنه شعر بنوع من الاحترام الجديد يغلف مركز التبشير والبعثة نفسها، وكان على استعداد لأن يتغاضى عن التذكيرات العرضية لوجود الدين التي من الصعب تجنبها بسبب وجود الكنيسة الصغيرة ومكان معيشة الكاهن. وقد بدا متحمسا نوعا ما لبرنامج القس — على الأقل لجانبه العلماني والاجتماعي — وأعلن أنه شخصيا مستعد في أي لحظة لأن يكون بمنزلة وسيلة لإعلام العالم بأسره به. وفي هذه اللحظة، بدأ الأب براون يشعر بأن الصحفي سيسبب إزعاجا بتعاطفه أكثر من عداوته.
سعى السيد بول سنيث بنشاط لإبراز نشاط الأب براون؛ فأرسل عبر أنحاء القارة لجريدته في الغرب الأوسط الأمريكي مقالات مدح طويلة وصاخبة، والتقط للقس السيئ الحظ صورا وهو يؤدي أعماله التقليدية، ونشرها في شكل صور كبيرة في صحف الأحد الكبرى في الولايات المتحدة. وقد جعل من أقواله شعارات، وكان دوما ما يقدم للعالم «رسالة» من السيد المحترم في أمريكا الجنوبية. إن أي شعب أقل قوة وتقبلا من الشعب الأمريكي كان سيشعر بملل شديد من الأب براون. وهكذا، استقبل الأب براون عروضا سخية ومتحمسة ليبدأ جولة من المحاضرات والعظات في الولايات المتحدة، وحين كان يرفض، كانوا يعدلون شروط الاتفاق مع عبارات تعجب وتمن تنم عن الاحترام. وتم تأليف سلسلة من القصص حوله، مثل قصص شيرلوك هولمز، عن طريق أفكار السيد سنيث، وقد قدمت هذه القصص للبطل من أجل الحصول على مساعدته وتشجيعه بشأنها. وحين وجد القس أن سلسلة القصص هذه قد بدأت بالفعل، لم يستطع أن يقدم أي اقتراح سوى أنها يجب أن تتوقف. وبدوره، أخذ السيد سنيث هذا الاقتراح وطرحه كموضوع للمناقشة، وقد دار حول ما إذا كان على الأب براون أن يختفي بصورة مؤقتة على جرف صخري، كما حدث مع البطل صديق الدكتور واطسون. وأمام كل هذه المطالب، لم يكن بوسع القس إلا أن يجيب كتابة، قائلا بأنه يوافق على مثل هذه الشروط من أجل التوقف المؤقت لسلسلة القصص ويتوسل بأن يسمحوا بأن تمر فترة كبيرة من الوقت قبل أن يستكملوا القصص مرة أخرى. وكانت الملاحظات التي يكتبها يقل طولها أكثر وأكثر، وبينما كان يكتب آخرها، تنفس الصعداء.
غني عن القول بأن تلك الفقاعة الغريبة التي برزت في الشمال كان لها أثرها في تلك البقعة الصغيرة في الجنوب التي كان الأب براون يتوقع أنه سيعيش فيها وحيدا وكأنها منفاه. وبدأت قطاعات السكان الإنجليزية والأمريكية الكبيرة التي كانت تعيش هناك في تلك المنطقة بالفعل؛ تشعر بالفخر لأن من بينهم شخصا يتمتع بمثل هذه الشهرة. والسياح الأمريكان الذين يطالبون بشدة بالذهاب إلى دير وستمنستر كانوا يصلون إلى ذلك الشاطئ البعيد ويطالبون بشدة برؤية الأب براون. وكانوا على وشك تسيير قطارات رحلات تحمل اسم الأب براون، وكذلك على وشك جلب الحشود لرؤيته كما لو كان أحد المعالم الأثرية. وكان الأب براون منزعجا بشدة من التجار وأصحاب المتاجر الجدد النشطين والطموحين في تلك المنطقة، الذين كانوا يزعجونه بصفة دائمة داعين إياه لتجربة سلعهم وبضائعهم وإعطائهم تزكيات بشأنها. وحتى حين كان لا يرد عليهم بتزكياته، كانوا يراسلونه بشأن جمع التوقيعات منه. وبما أنه كان شخصا لطيفا، كانوا يحصلون على الكثير مما يريدون منه؛ وذات مرة كتب على عجل بضع كلمات على بطاقة ردا منه على طلب محدد من تاجر نبيذ من فرانكفورت يدعى إيكستاين، وقد كان من شأنها أن تصبح نقطة تحول مهمة في حياته.
كان إيكستاين رجلا ضئيل الحجم صعب الإرضاء، له شعر مجعد ويرتدي نظارة أنفية، وكان حريصا للغاية على أن يجرب القس شيئا من نبيذه الطبي الشهير، وليس ذلك فقط، وإنما عليه أن يخبره أين ومتى سيتناول هذا النبيذ، حين يرسل له الأب براون بأنه تسلم ما أرسله. لم يكن القس متفاجئا بشدة من طلب ذلك الرجل؛ لأنه أصبح معتادا على عالم الإعلانات المجنون؛ لذا فقد دون شيئا ثم تحول إلى شيء آخر كان يبدو منطقيا أكثر بالنسبة إليه. ثم قاطعته مرة أخرى رسالة من عدوه السياسي ألفاريز، يطلب منه فيها أن يأتي إلى اجتماع يأمل من خلاله أن يتوصلوا إلى تسوية بشأن مسألة عالقة؛ واقترح عليه أن يكون الموعد في تلك الليلة نفسها في مقهى يقع خارج أسوار المدينة الصغيرة. أرسل الأب براون رسالة مع الموفد العسكري المنمق الذي كان بانتظار الرد يقول فيها بأنه قد وافق على الحضور في الموعد، وحيث إنه كان لا يزال أمامه ساعة أو اثنتان، جلس وحاول أن ينهي شيئا يسيرا من عمله الأصلي. وفي نهاية تلك الفترة، صب لنفسه كأسا من نبيذ السيد إيكستاين الاستثنائي، وحدق في الساعة بتعبيرات وجه هزلية، وشرب الكأس وخرج في جنح الليل.
كان القمر يلقي بأشعة نوره القوي على تلك المدينة الإسبانية الصغيرة؛ لذا حين خرج الأب بروان إلى بوابة المدينة الرائعة، التي تحمل قوسا مزخرفا على طراز الروكوكو وتقع بعدها مجموعة خلابة من أشجار النخيل، بدا المشهد أمامه وكأنه أحد مشاهد الأوبرا الإسبانية. كان أحد عروق النخل الطويلة ذات الحواف المسننة — والتي كانت ذات لون أسود بفعل وقوعها أمام القمر — يتدلى على الجانب الآخر من القوس، فرآه الأب براون من ممر البوابة، وبدا له وكأنه يشبه فك تمساح أسود. لم يكن ذلك المشهد الخيالي ليتشبث بمخيلته لولا وجود شيء آخر جذب انتباهه اليقظ أصلا، وهو أن الهواء كان ساكنا للغاية؛ فلم يكن هناك ولو حتى حركة واحدة للريح؛ إلا أنه رأى بكل وضوح أن عرق النخل المتدلي يتحرك.
نظر حوله وأدرك أنه كان بمفرده. كان قد ابتعد عن آخر المنازل التي كانت كلها مقفلة تقريبا، وكان يسير بين جدارين طويلين بنيا من أحجار كبيرة مستوية لا شكل لها، تتخللها أحيانا الأعشاب الغريبة الشائكة التي تنمو عادة في تلك المنطقة — كان الجداران كل منهما في محاذاة الآخر طوال الطريق وصولا إلى البوابة. ولم يتمكن الأب براون من رؤية أنوار المقهى الذي يقع خارج البوابة؛ فربما كان المقهى يقع على بعد كبير منها. ولم يكن هناك شيء يستطيع الأب براون رؤيته تحت القوس سوى رقعة أكبر من الرصيف المفروش بالأحجار الكبيرة الذي بدا شاحبا تحت نور القمر، مع وجود أعداد من نبات التين الشوكي الشاردة هنا وهناك. كان يراوده شعور قوي بأن شيئا سيئا سيحدث، كما راوده شعور غريب بأنه مرهق جسديا؛ إلا أنه لم يفكر في أن يتوقف. ربما كانت شجاعته، التي كانت كبيرة، أقل قوة من فضوله؛ فقد كان مدفوعا طوال حياته باشتهاء فكري لمعرفة الحقيقة، حتى في توافه الأمور. كان غالبا ما يتحكم في ذلك بغاية إحداث التوازن؛ إلا أن اشتهاءه لمعرفة الحقيقة كان دائم الوجود. سار الأب براون عبر البوابة، فاندفع نحوه رجل من الناحية الأخرى كان قد سقط عن قمة شجرة وكأنه أحد القرود، ووجه نحوه سكينا. وفي اللحظة نفسها، تسلل نحوه رجل آخر كان يسير بسرعة بطول الجدار ملوحا بهراوة فوق رأسه، ثم هوى بها. انحنى الأب براون وترنح ثم سقط على الأرض مغشيا عليه، وبينما كان يغشى عليه، ارتسمت على وجهه المستدير ملامح دهشة هادئة وعميقة.
في ذلك الوقت، كان يعيش في المدينة الصغيرة نفسها شاب أمريكي آخر، يختلف اختلافا كبيرا عن السيد بول سنيث. كان اسمه جون آدامز ريس، وكان يعمل مهندس كهرباء، كان مندوزا قد عينه ليجهز المدينة القديمة بكل وسائل الراحة الجديدة. كان بعيدا كل البعد عن الأخبار الساخرة وأخبار القيل والقال الدولية على عكس ما كان عليه الصحفي الأمريكي. إلا أن أمريكا في واقع الأمر تحتوي على مليون ممن هم على شاكلة ريس مقابل واحد ممن هم على شاكلة سنيث. كان ريس استثنائيا في براعته في أداء وظيفته، إلا أنه كان يتسم بالبساطة الشديدة في أي جانب آخر من جوانب حياته. لقد بدأ حياته كمساعد صيدلي في إحدى القرى الغربية، وترقى بسبب عمله وجدارته، ولكنه كان لا يزال ينظر إلى المكان الذي نشأ فيه على أنه المحور الطبيعي للعالم المسكون. كان قد تربى على يد والدته على مسيحية من النوع المتزمت، أو الإنجيلي البحت، من الكتاب المقدس العائلي؛ وعلى الرغم من أنه كان أمامه الكثير من الوقت لكي يختار الطائفة التي يريدها، كان لا يزال يتبع الطائفة التي تربى عليها. ووسط الأضواء الباهرة لأحدث الاكتشافات وأكثرها جموحا، وحين كان يذهب إلى ما هو بعيد في التجارب حيث يصنع المعجزات بالضوء والصوت وكأنه إله يخلق نجوما وأنظمة شمسية جديدة، فإنه لم يشك ولو للحظة قط أن الأشياء «في موطنه» كانت هي الأفضل في العالم؛ حيث أمه والكتاب المقدس العائلي وهدوء قريته وأخلاقياتها الفضلى. كان يشعر تجاه أمه بنوع من القدسية الجدية والنبيلة كما لو كان رجلا فرنسيا عابثا. كان متأكدا تماما من أن عقيدة الكتاب المقدس هي العقيدة الصحيحة حقا؛ ونادرا ما كان يرى غير ذلك حين كان يخرج إلى العالم الحديث. كان من غير المتوقع بالنسبة إليه أن ينسجم مع المظاهر الخارجية للدين في البلدان الكاثوليكية؛ وقد اتفق مع السيد سنيث في كره تيجان الأساقفة وعصيهم التي يمسكون بها، رغم اختلافهما في درجة الثقة التي يتحلى كل منهما بها تجاه ذلك. لم يكن يحب انحناء مندوزا لرجال الدين على الملأ ولم يحب كذلك احتكاكه بهم، وبالطبع لم يشعر بالانجذاب نحو التصوف الماسوني الذي يتبعه الملحد ألفاريز. ربما كانت كل تلك الحياة شبه الاستوائية ملونة أكثر من اللازم في عينيه ومطعمة باللون الأحمر للهنود والأصفر للإسبان. وعلى أي حال، هو لم يكن يتفاخر حين قال بأن لا شيء يمكن أن يضاهي مكان نشأته؛ فقد كان يعني تماما أن هناك في ذلك المكان شيئا بسيطا ومتواضعا ومؤثرا، وهو ما كان يحترمه حقا أكثر من أي شيء آخر في العالم. كان هذا هو التوجه العقلي لجون آدامز ريس في أحد الأماكن في قارة أمريكا الجنوبية، وقد كان يتنامى بداخله ولبعض الوقت إحساس غريب يتناقض مع كل آرائه وأحكامه المسبقة، ولم يتمكن من تعليله. إن حقيقة الأمر كانت كالآتي: وجه الأب براون المستدير ومظلته السوداء الرثة (ولسبب غامض) كانا هما الشيء الوحيد الذي لقيه في أسفاره والذي كان يذكره على الأقل بكومة الخشب القديمة التي تمثل المكان الذي أتى منه وأخلاقيات ذلك المكان، وبالكتاب المقدس الذي كانت والدته تعلمه منه.
وجد ريس نفسه وعلى غير وعي منه يراقب ذلك الرجل الأسود العادي الهزلي هذا بينما كان يسير بنشاط؛ كان يشاهده وكأنه مفتون به مرضيا، كما لو كان لغزا أو شيئا متناقضا متحركا. كان ريس قد وجد شيئا لم يستطع منع نفسه من أن يحبه وسط كل تلك الأشياء التي كان يكرهها؛ كان الأمر وكأنه يعذب بشكل مروع على يد شياطين صغار ثم وجد أن «إبليس» نفسه كان رجلا عاديا للغاية.
تصادف أنه حين كان ينظر من شباكه في تلك الليلة المقمرة رأى «إبليس» يمر أمامه، ذلك الشيطان صاحب البراءة غير القابلة للتفسير، وهو يرتدي قبعته العريضة السوداء ومعطفه الأسود الطويل، ويسير في الشارع تجاه البوابة، وقد شاهده باهتمام لم يكن هو نفسه يمكنه فهمه. كان يتساءل في نفسه أين يتجه القس وما الذي يوشك أن يفعله؛ وظل يحدق في الشارع الذي غمره ضوء القمر حتى بعد أن اختفى صاحب القوام الضئيل الأسود. ثم رأى شيئا آخر أثار فضوله كثيرا؛ رأى رجلين كان يعرفهما وقد مرا أمام نافذته وكأنهما يسيران على مسرح مضاء. وقد مر شعاع ضوء قمر أزرق يشبه أضواء المسرح فصنع هالة طيفية حول كتلة الشعر المنتصبة الكبيرة على رأس إيكستاين القصير، بائع النبيذ، وقد أظهر ذلك الشعاع أيضا جسدا أطول وداكنا أكثر من الأول، فظهر على شكل نسر يرتدي قبعة سوداء غريبة وطويلة وقديمة الطراز، ولكن الشكل العام لجسد ذلك الشخص كان لا يزال يبدو غريبا، وكأنه أحد الأشكال التي يراها المرء حين يشاهد مسرحية إيمائية صامتة تستخدم فيها الظلال. لام ريس نفسه لأنه سمح لضوء القمر بأن يتلاعب بمخيلته بتلك الطريقة؛ لأنه وبالنظر مرة أخرى تعرف تلك السوالف الإسبانية السوداء التي تميز وجه الدكتور كالديرون، وهو طبيب بارز في المدينة كان قد رآه ذات مرة وهو يعالج مندوزا. ورغم ذلك، كان لا يزال هناك شيء غريب بشأن الطريقة التي كان يتهامس بها الرجلان وينظران بها إلى الشارع. قفز ريس باندفاع مفاجئ من فوق العتبة المنخفضة للنافذة، وخرج عاري الرأس إلى الطريق، يتقفى أثرهما. رآهما يختفيان تحت جنح ظلام الممر، وبعد ذلك بلحظة جاءت صرخة مرعبة من الخلف، كانت الصرخة حادة ومدوية، وقد شعر ريس حينها بأن دمه قد تجمد؛ لأنه سمع شيئا بوضوح شديد يقال بلغة لم يكن يعرفها.
وفي اللحظة التالية لذلك، كان هناك أصوات أقدام تهرع وصرخات أكثر ثم جاءت صيحة مضطربة تنم عن غضب أو حزن كادت أن تهتز لها الأبراج وأشجار النخيل الطويلة الموجودة في المكان، كان الحشد الذي اجتمع يتحرك كما لو كانوا يتقهقرون للخلف عبر البوابة. ثم دوى صوت آخر في الممر المظلم، كان الصوت مفهوما له هذه المرة ويشير إلى موت أحدهم، حيث كان يصيح في الممر قائلا:
لم يعلم أبدا ما الشيء الذي توقف عن العمل في عقله، أو لماذا خذله فجأة شيء كان يعتمد عليه؛ ولكنه هرع نحو البوابة ووصل إليها في الوقت المناسب ليقابل الصحفي سنيث وهو يخرج من المدخل المظلم شاحبا كجثة هامدة ويطقطق أصابعه بعصبية.
قال سنيث بنبرة فيها شيء من المهابة والتبجيل: «الأمر حقيقي، لقد مات. كان الدكتور يتفقده وليس هناك أمل. لقد ضربه بعض هؤلاء اللاتينيين الملاعين بهراوة بينما كان يمر عبر البوابة — والرب وحده يعلم السبب. سيكون موته خسارة كبيرة لهذا المكان.»