Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
إذا ما التقيت عضوا من أعضاء نادي النخبة هذا، المسمى «صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر»، وهو يدخل فندق فيرنون من أجل عشاء النادي السنوي، فسوف تلاحظ، وهو يخلع عنه معطفه، أن سترة المساء الخاصة به خضراء اللون وليست سوداء. ولو سألته (على فرض أن لديك الجرأة الفائقة على مخاطبة شخص كهذا) عن السبب، فالأرجح أنه سيجيبك قائلا إنه يفعل هذا ليتجنب أن يظنه الناس، بالخطأ، نادلا. عندئذ سوف تنسحب منكسرا. بيد أنك سوف تخلف وراءك لغزا لم يحل بعد وحكاية تستحق أن تروى.
لو كان قد قدر لك (من قبيل متابعة المنوال نفسه من التخمين البعيد الاحتمال) أن تلتقي بقس صغير الحجم، دءوب، رقيق الحاشية، يسمى الأب براون، وسألته عما يعتقد أنه أغرب ضربة حظ صادفته في حياته، فمن المرجح أنه سيجيبك بأن أفضل ضربة حظ حدثت له في العموم كانت في فندق فيرنون، حيث كان قد أحبط جريمة، وربما أنقذ شخصا من الموت، بمجرد سماعه بضع خطوات في أحد الممرات. لعله فخور بعض الشيء بتخمينه الجزافي والرائع، وربما قد يشير إليه، ولكن بما أنه من المستبعد تماما أن يكون من الممكن يوما ما أن ترتقي بما يكفي في المجتمع فتصادف صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر، أو أن ينحدر بك الحال لتخالط الحثالة والمجرمين فتصادف الأب براون، فإنني أعتقد أنك لن تستمع مطلقا إلى القصة إلا إذا سمعتها مني.
كان فندق فيرنون الذي كان صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر يقيمون فيه مآدب عشائهم السنوية؛ عبارة عن منشأة من تلك المنشآت التي لا يمكن أن يكون لها وجود إلا في مجتمع تحكمه أقلية كاد يخرج عن السيطرة فيما يتعلق بآداب السلوك الحميد. كان منتجا مقلوبا رأسا على عقب فيما يتعلق باستراتيجيته؛ إذ كان منشأة تجارية «حصرية». هذا يعني أنه لم يكن مكانا يتحصل على عوائده باجتذاب الناس، وإنما بإبعادهم. وفي ظل المجتمع الذي يحكمه الأثرياء، يصبح التجار من الدهاء بحيث يكونون أكثر تدقيقا من زبائنهم؛ فهم، بلا ريب، يضعون صعوبات حتى يبذل عملاؤهم الأثرياء الضجرون المال ويستخدموا علاقاتهم في سبيل التغلب عليها. لو أن ثمة فندقا أنيقا عصريا في لندن لا يسمح بدخوله للرجال ممن يقل طولهم عن ست أقدام، لشكل المجتمع بخنوع تجمعات للرجال من أصحاب القامات ذات الأقدام الست ليتناولوا الطعام فيه. ولو أن ثمة مطعما باهظ الثمن لا يفتح أبوابه، بمحض نزوة من مالكه، إلا بعد ظهر يوم الخميس، لكان سيصبح مزدحما بعد ظهيرة يوم الخميس. كان فندق فيرنون يقع، وكأن ذلك من قبيل المصادفة، عند ناصية أحد الميادين في حي بلجرافيا. كان فندقا صغيرا، وغير مريح للغاية. ولكن كان غياب عوامل الراحة فيه بمنزلة أسوار تحمي طبقة معينة. وكان أحد الأمور غير المريحة فيه، على وجه الخصوص، يعتبر ذا أهمية حيوية، وهو أن المكان لا يتسع إلا لأربعة وعشرين شخصا فقط يتناولون الطعام فيه في الوقت نفسه. كانت مائدة العشاء الكبيرة الوحيدة الموجودة هي مائدة الشرفة الشهيرة، التي وضعت في الهواء الطلق في مكان يشبه الشرفة يطل على واحدة من أروع الحدائق القديمة في لندن. وهكذا، ودونما تخطيط متعمد، لم يكن حتى ممكنا الانتفاع بالكراسي الأربعة والعشرين إلا في طقس دافئ؛ وهذا الوضع الذي جعل الانتفاع بالمكان أكثر صعوبة جعله مرغوبا أكثر. كان المالك الحالي للمكان يهوديا يدعى ليفر؛ وقد جنى ما يقارب مليون جنيه إسترليني من ورائه، بأن جعل دخوله أمرا صعبا. بالطبع مزج الرجل مع هذا القيد المفروض في نطاق منشأته تأنقا معتنى به أبلغ عناية فيما يتعلق بأداء المكان. كانت جودة الخمور والطهي تضاهي حقا مثيلتها في أي مكان في أوروبا، ويتطابق سلوك الخدم تماما مع المزاج المعروف للطبقة العليا الإنجليزية. كان المالك يعرف كل الندل الذين كانوا يعملون لديه كأصابع يده؛ إذ لم يكن عددهم يتجاوز خمسة عشر نادلا. لقد كان من الأيسر كثيرا أن تصبح عضوا بالبرلمان من أن تصبح نادلا في ذلك الفندق. كان كل نادل منهم مدربا على الصمت والسلاسة الفائقين، كما لو كان خادما لأحد الوجهاء. وبالفعل كان يوجد في العموم نادل واحد على الأقل لكل وجيه من الوجهاء الذين كانوا يتناولون طعامهم هناك.
لم يكن نادي صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر ليرضى بتناول الطعام في أي مكان إلا في مكان هكذا؛ إذ كان أفراد النادي مصرين على الحفاظ على خصوصية مترفة؛ وكان مجرد التفكير في أن أي ناد آخر كان يتناول الطعام في المكان نفسه من شأنه أن يصيبهم باستياء شديد. وبمناسبة عشائهم السنوي، كان صيادو السمك معتادين على عرض كل كنوزهم، كما لو كانوا في منزل خاص، وخاصة المجموعة الشهيرة من السكاكين والشوكات المخصصة لتناول الأسماك التي كانت، إذا جاز القول، العلامة المميزة لهذا المجتمع الراقي؛ إذ كانت كل واحدة مصنوعة بإتقان من الفضة على هيئة سمكة، وكانت كل واحدة منها مزينة عند المقبض بلؤلؤة ضخمة. دائما ما كانت تلك المجموعة توضع من أجل طبق الأسماك، ودائما ما كان طبق الأسماك هو الأروع في تلك الوجبة الرائعة. حفل هذا المجتمع بعدد كبير من الاحتفالات والطقوس، ولكن لم يكن له تاريخ ولا هدف؛ وكان هذا هو منبع أرستقراطيته الشديدة. فلم يكن يتعين عليك أن تكون ذا شأن لتكون واحدا من صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر؛ ولو لم تكن بالفعل شخصا من نوع خاص، لما كنت حتى لتسمع بهم. كان قد مر على تأسيس النادي اثنا عشر عاما. وكان رئيسه هو السيد أودلي، وكان نائب الرئيس هو دوق تشيستر.
لو أنني نقلت على أي نحو جو هذا الفندق المريع، لربما شعر القارئ بتعجب طبيعي إزاء الكيفية التي نما بها إلى علمي أي شيء حوله، وقد ينصرف إلى التكهنات بشأن الكيفية التي آل بها أمر شخص عادي مثل صديقي الأب براون ليجد نفسه في ذلك المكان الذهبي. وفيما يتعلق بذلك الأمر، فإن قصتي بسيطة، أو بالأحرى شائعة. يوجد في العالم مشاغب وغوغائي قديم جدا يقتحم أرقى الخلوات، هو الموت، ليذكرنا بمعلومة مروعة مفادها أن كل البشر إخوة، وأينما ذهب هذا الذي يساوي بين الناس جميعا ممتطيا ظهر حصانه الشاحب، كان من عمل الأب براون أن يتبعه. كان أحد الندل، وهو رجل إيطالي، قد داهمته سكتة دماغية أصابته بالشلل وقضت عليه في عصر ذلك اليوم؛ وكان رب العمل اليهودي قد وافق على أن يرسلوا في طلب أقرب قس كاثوليكي، متعجبا قليلا من هذه الخرافات. لسنا نبالي بما اعترف به النادل للأب براون، لسبب وجيه للغاية وهو أن القس قد احتفظ باعتراف الرجل لنفسه؛ ولكن يبدو أن الأمر استدعى منه أن يكتب ملاحظة أو إفادة من أجل نقل رسالة ما أو تصحيح خطأ ما؛ لذلك، طلب الأب براون، بتجاسر وديع كان سيبدي مثيله في قصر باكنجهام، أن يوفروا له غرفة وأدوات كتابة. كان يتنازع داخل السيد ليفر أمران؛ لقد كان رجلا طيب القلب، وكان لديه أيضا تلك النسخة السيئة من الطيبة، المتمثلة في كراهية أي أمر صعب أو إظهار العواطف. وفي الوقت ذاته كان وجود شخص غريب غير مألوف في فندقه ذلك المساء يشبه ذرة تراب على شيء نظف للتو. لم يكن ثمة وجود قط لمنطقة بينية أو غرفة انتظار في فندق فيرنون؛ فلم يكن ثمة أشخاص ينتظرون في البهو، ولا زبائن يدلفون داخلين مصادفة. كان يوجد خمسة عشر نادلا، واثنا عشر ضيفا. وكان وجود ضيف جديد في الفندق في تلك الليلة شيئا مباغتا كمن وجد له أخا جديدا يتناول الإفطار أو الشاي وسط عائلته. علاوة على ذلك، كان مظهر القس دون المستوى وملابسه ملطخة بالطين؛ وكان مجرد نظرة خاطفة له من بعيد يمكن أن تؤدي إلى اندلاع أزمة في النادي. أخيرا توصل السيد ليفر إلى خطة للتغطية على الفضيحة، ما دام ليس بوسعه أن يطمسها. عندما تدخل فندق فيرنون (ولن تفعل أبدا)، تعبر ممرا قصيرا مزينا ببضع صور قديمة ولكنها مهمة، وتصل إلى البهو الرئيسي والردهة التي تؤدي يمينا إلى ممرات تقود إلى الغرف العامة، ويسارا إلى ممر مشابه يؤدي إلى المطابخ والمكاتب. وإلى اليسار مباشرة يوجد ركن به مكتب زجاجي، ملاصق للبهو؛ كان بمثابة منزل داخل منزل، إن جاز التعبير، مثل مشرب الفندق القديم الذي ربما كان في السابق يشغل مكانه.
في هذا المكتب جلس ممثل المالك (لم يكن أي أحد يظهر بشخصه أبدا في هذا المكان ما دام بمقدوره ألا يفعل) وخلف المكتب مباشرة، في الطريق إلى مقر إقامة الخدم، كانت توجد غرفة معاطف السادة الوجهاء، التي كانت بمثابة آخر حد من حدود عالم السادة الوجهاء، ولكن بين المكتب وغرفة المعاطف كانت ثمة غرفة خاصة صغيرة ليس لها مخرج آخر، كان المالك يستخدمها بين الحين والآخر للأمور الحساسة والمهمة، مثل إقراض دوق ألف جنيه أو رفض إقراضه نصف شلن. كان من علامات التسامح الرائع الذي اتسم به السيد ليفر أنه سمح لقس بسيط بأن يدنس هذا المكان المقدس لنحو نصف ساعة، وهو يشخبط على ورقة. على الأرجح أن القصة التي كان الأب براون يكتبها كانت أفضل كثيرا من هذه القصة، إلا أن أحدا لن يعرف بها قط. يمكنني فقط القول إنها كانت مقاربة لها جدا في الطول، وأن الفقرتين أو ثلاث الفقرات الأخيرة منها كانت الأقل تشويقا وجاذبية.
في اللحظة التي بلغ فيها القس هذه الفقرات، كان قد بدأ يسمح بعض الشيء لأفكاره بأن تهيم ولحواسه الحيوانية، التي كانت حادة في الغالب، بأن تستيقظ. كان وقت الظلمة والعشاء يقترب؛ وكانت غرفته الصغيرة المنسية بدون إضاءة، وربما تكون تلك الكآبة المحتشدة قد شحذت حاسة السمع لديه، كما يحدث في بعض الأحيان. بينما كان الأب براون يكتب الجزء الأخير والأقل أهمية من وثيقته، وجد نفسه يكتب على إيقاع ضوضاء متكررة بالخارج، مثلما يفكر المرء على نغمة صوت قطار يسير على القضبان. عندما أدرك أبعاد هذا الشيء، عرف كنهه: لم يكن سوى وقع أقدام عادية تمر أمام الباب، الأمر الذي لم يكن مستبعدا في فندق. ومع ذلك، أخذ يحدق في السقف المظلم، وأنصت إلى الصوت. وبعد أن ظل يستمع وهو شارد الذهن لبضع ثوان، هب واقفا وأصغى باهتمام، ورأسه مائل جانبا قليلا، ثم جلس مجددا ووضع يديه على جبينه، ولم يكن عندئذ يستمع فقط، بل يستمع ويفكر أيضا.
كان صوت وقع الأقدام بالخارج في أي وقت مماثلا لما قد يسمعه المرء في أي فندق؛ ولكن، في المجمل، كان ثمة أمر غريب جدا بشأنه. لم يكن ثمة وقع لأقدام أخرى سوى ذاك. فقد كان الفندق دارا يطبق عليها الصمت على الدوام؛ إذ كان الضيوف المعتادون القليلون قد مضوا من فورهم إلى غرفهم، وكان الندل المدربون تدريبا جيدا قد تلقوا أمرا بأن يتواروا عن الأنظار إلى حين طلبهم. كان بمقدور المرء أن يتصور أي مكان به من الأسباب الوجيهة ما يدعو إلى تمييز أي شيء غير عادي عدا ذلك المكان، لكن هذه الخطوات كانت بالغة الغرابة حتى إنه لم يكن بوسع المرء أن يقرر أن يدعوها عادية أو غير عادية. وأخذ الأب براون يحاكيها بأصابعه على حافة الطاولة، مثل رجل يحاول أن يتعلم عزف نغمة على بيانو.
في البداية، كانت ثمة خطوات صغيرة سريعة أخذت تتدافع تباعا لفترة طويلة، مثل الخطوات التي قد يؤديها رجل خفيف الوزن للفوز بسباق للمشي. وعند مرحلة ما توقفت وتحولت إلى خطوات بطيئة، ثابتة ومتأرجحة، ولم يكن عددها يصل إلى ربع عدد الخطوات السريعة السابقة، ولكنها تشغل نفس الفترة من الوقت. في اللحظة التي توقفت فيها الخطوات الثابتة البطيئة بدأت مجددا الهرولة أو تلاحق الأقدام الخفيفة المتعجلة، ثم من جديد يعود الصوت المكتوم للأقدام ذات الوقع الأثقل. كان بالتأكيد نفس الحذاء؛ وذلك أنه (كما ذكرنا في السابق) لم يكن ثمة أصوات لأحذية أخرى في الجوار، إلى جانب أن هذا الحذاء كان له صرير خافت ولكن لا يمكن للأذن أن تخطئه. كان رأس الأب براون من النوع الذي لا يمكنه التوقف عن طرح التساؤلات؛ وفيما يتعلق بهذا السؤال الذي يبدو تافها، كاد رأسه ينفلق من كثرة التفكير. كان قد رأى رجالا يجرون لكي يقفزوا، ورأى رجالا يجرون لكي ينزلقوا، ولكن بحق الرب ما الذي يدفع رجلا إلى الجري لكي يمشي؟ أو، مجددا، ما الذي يدفع رجلا إلى المشي لكي يجري؟ ومع ذلك لم يكن ثمة وصف آخر من شأنه أن يغطي هذا المسلك الغريب لهاتين الرجلين الخفيتين. كان الرجل إما يمشي بسرعة شديدة لنصف الرواق لكي يمشي ببطء شديد في النصف الآخر؛ وإما كان يمشي ببطء شديد من إحدى نهايتي الرواق لينخرط من فوره في المشي السريع حتى يصل إلى النهاية الأخرى. لم يكن أي من الاقتراحين يبدو مقنعا بالمرة. كان عقله يزداد قتامة أكثر فأكثر، مثل الغرفة التي كان فيها.
غير أنه ما إن بدأ يفكر بهدوء واتساق، بدا أن قتامة زنزانته نفسها تجعل أفكاره أكثر وضوحا؛ فبدأ يرى، كما في رؤيا من نوع ما، الأقدام الغريبة تثب مارة في الرواق آتية بحركات غير طبيعية أو رمزية. أكانت رقصة دينية وثنية؟ أم نوعا جديدا تماما من التدريبات العلمية؟ بدأ الأب براون يسأل نفسه بمزيد من الدقة والتحديد عما توحي به الخطوات. فتناول الخطوة البطيئة أولا: من المؤكد أنها لم تكن خطوة مالك الفندق. فالرجال من هذا النوع يسيرون بمشية متهادية سريعة، أو يجلسون ساكنين بلا حراك. لم يكن من الممكن أن يكون أيا من الخدم أو مرسالا منتظرا للتعليمات. لم تبد الخطوات كشيء من هذا القبيل. أحيانا ما يترنح أفراد الفئات الأقل ثراء (في أقلية حاكمة) هنا وهناك عندما يكونون ثملين قليلا، ولكنهم عموما، وبخاصة في هذه المناسبات المهيبة، يقفون أو يجلسون في وضعيات مقيدة محدودة. لا؛ هذه الخطوة الثقيلة والمرنة في الوقت ذاته، التي يصاحبها نوع من المبالغة اللامبالية، التي لا تصنع صخبا دوما، ومع ذلك لا تهتم بالصخب الذي كانت تصنعه، كانت تخص نوعا واحدا فقط من البشر. كان سيدا وجيها من غرب أوروبا، وربما كان شخصا لم يعمل يوما لكسب قوته.
ما إن توصل إلى هذا اليقين الثابت، تغيرت الخطوة متحولة إلى الخطوة الأسرع، وجرت مارة بالباب بإيقاع محموم كإيقاع خطوات جرذ. لاحظ القس المنصت أن هذه الخطوة مع كونها أسرع كثيرا، فإنها كانت أقل ضوضاء بكثير، وكأن الرجل كان يسير على أطراف أصابعه تقريبا. ومع ذلك لم ترتبط في ذهنه بالسرية، وإنما بشيء آخر؛ شيء لم يستطع تذكره. كاد يجن جنونه جراء واحدة من تلك الذكريات المنقوصة التي تجعل الرجل يشعر بأنه أبله. لقد سمع قطعا هذا الخطو الغريب الرشيق في مكان ما. فجأة هب واقفا؛ إذ لمعت فكرة جديدة في رأسه، وسار نحو الباب. لم يكن لغرفته مخرج مباشر على الممر، وإنما كانت تؤدي من جانب إلى المكتب الزجاجي، وتؤدي من الجانب الآخر إلى غرفة المعاطف في الخلف. حاول فتح الباب المؤدي إلى المكتب، ووجده موصدا، ثم نظر إلى النافذة، التي كانت حينئذ عبارة عن لوح زجاجي مربع تملؤه سحابة أرجوانية يتخللها غروب شاحب، وللحظة اشتم رائحة الشر كما يشم الكلب رائحة الجرذان.
استعاد الجانب العقلاني منه (سواء أكان هو الجانب الأكثر حكمة أم لا) سيادته. وتذكر أن المالك كان قد أخبره أنه سوف يوصد الباب، وأنه سوف يعود لاحقا ليخرجه. قال لنفسه إن عشرين شيئا لم يكن قد فكر فيها قد تفسر الأصوات الغريبة بالخارج؛ وذكر نفسه بأنه كان يوجد بقية من ضوء تكفي بالكاد لينهي عمله الحقيقي. جلب ورقته إلى النافذة للحاق بآخر ضوء في الأمسية العاصفة، وانهمك بعزم مرة أخرى في الوثيقة التي كادت تكتمل. وظل يكتب لحوالي عشرين دقيقة، منحنيا أكثر فأكثر ليقترب من ورقته في الضوء الآخذ في الانحسار؛ ثم فجأة اعتدل في جلسته، إثر سماعه صوت الأقدام الغريبة ثانية.
هذه المرة أتت بأمر غريب ثالث. في السابق كان الرجل المجهول يمشي، برعونة حقا وبسرعة خاطفة، ولكنه كان يمشي. هذه المرة كان يجري. كان بالإمكان سماع صوت الخطوات السريعة، الخفيفة، الواثبة وهي آتية تعبر الرواق، مثل أقدام فهد يجري فرارا ووثبا. كان القادم رجلا نشيطا شديد القوة، في إثارة عنيفة ولكنها هادئة في الوقت ذاته. ومع ذلك، عندما اندفع الصوت مارا بالمكتب مثل زوبعة هامسة، تحول فجأة مجددا إلى وقع الأقدام الثابت البطيء المتبختر السابق.
ألقى الأب براون ورقته أرضا، وإذ كان يعلم أن باب المكتب موصد، مضى من فوره نحو غرفة المعاطف في الجهة الأخرى. كان الخادم القائم على هذا المكان غائبا مؤقتا؛ ربما لأن الضيوف كانوا يتناولون العشاء ولم يكن ثمة عمل يؤديه. وبعد أن تلمس طريقه وعبر غابة رمادية من المعاطف، إذ به يجد أن غرفة المعاطف المعتمة تنفتح على الرواق المضاء عبر ما يشبه نضدا أو بابا نصفيا هولنديا، مثل أغلب الأنضاد التي اعتدنا جميعا أن نسلم عبرها المظلات والتذاكر. كان يوجد مصباح مباشرة فوق القوس نصف الدائري لهذه الفتحة. ألقى المصباح بقليل من الإضاءة على الأب براون نفسه، الذي بدا مجرد هيئة قاتمة قبالة النافذة التي يغشاها الغروب من خلفه. ولكن المصباح ألقى بضوء شبه مسرحي على الرجل الذي كان يقف خارج غرفة المعاطف في الرواق.
كان رجلا أنيقا يرتدي لباس مساء بسيط جدا؛ وكان طويلا، ولكن على نحو لا يشغل حيزا كبيرا؛ حتى إن المرء ليشعر أنه كان يمكن أن ينزلق سابحا في الهواء كطيف في حين أن الكثير من الرجال الأصغر حجما كانوا سيبدون ظاهرين ولا يمكن للعين أن تتجاوزهم. كان وجهه، الذي ارتمى الآن إلى الوراء في ضوء المصباح، داكن البشرة ومفعما بالحيوية، ما يوحي بأنه وجه لرجل أجنبي. كانت بنيته جيدة، وكان أسلوبه حسنا وخفيف الظل وواثقا؛ كان الشيء الوحيد الذي كان يمكن انتقاده فيه هو أن هندام سترته السوداء كان أدنى قليلا من بنيته وسلوكه، بل إنها كانت منبعجة ومنتفخة على نحو غريب. وما إن وقعت عيناه على هيئة براون التي كانت تبدو كصورة ظلية قبالة الغروب، حتى ألقى بقصاصة من الورق مكتوب عليها رقم وهتف بصوت فيه أمارات نفوذ لطيف: «من فضلك، أريد قبعتي ومعطفي؛ ثمة أمر يستدعي أن أغادر على الفور.»
أخذ الأب براون الورقة من دون أن يتفوه بكلمة، وذهب بإذعان ليبحث عن المعطف؛ فلم يكن أول عمل مهين قام به في حياته. جلب المعطف ووضعه على النضد؛ وفي أثناء ذلك، قال السيد الغريب الذي كان آخذا في تحسس داخل جيب صدريته، ضاحكا: «ليس معي أي عملات فضية؛ يمكنك الاحتفاظ بهذه.» وألقى نصف جنيه ذهبيا، والتقط معطفه.
ظلت هيئة الأب براون مظلمة تماما وساكنة؛ ولكن في تلك اللحظة كان قد فقد عقلانيته. دائما ما كانت عقلانيته قيمة إلى أبعد حد عندما كان يفقدها. ففي مثل هذه اللحظات كان يجمع اثنين واثنين على أنهما أربعة ملايين. عادة لم تكن الكنيسة الكاثوليكية (المتمسكة بالمنطق السليم) تقبل بهذا. وعادة لم يكن هو نفسه يقبل بهذا، ولكنه كان مصدر إلهام حقيقي — وأمر مهم في أزمات نادرة — أن يكون من يفقد عقلانيته هو نفسه من يحفظها.
قال بتهذيب: «أعتقد، يا سيدي، أن لديك بعض العملات الفضية في جيبك.»
نظر إليه السيد الطويل محدقا. وصاح قائلا: «تبا! إذا ما أعطيتك مختارا ذهبا، فلماذا تشتكي؟»
قال القس بلطف: «لأن الفضة في بعض الأحيان تكون أكثر قيمة من الذهب؛ أي، عندما تكون بكميات كبيرة.»
تطلع الغريب إليه بفضول، ثم تطلع بمزيد من الفضول عبر الممر نحو المدخل الرئيسي، ثم عاد يتطلع مجددا إلى براون، ثم نظر باهتمام شديد إلى النافذة خلف رأس براون، وكانت النافذة لا تزال تصطبغ بألوان شفق العاصفة. ثم بدا عليه أنه يقرر شيئا. وضع إحدى يديه على النضد، ووثب عابرا النضد بسهولة وكأنه لاعب أكروبات وجثم على القس، واضعا يدا ضخمة على ياقته.
قال، في همس أجش: «لا تتحرك. لا أريد أن أهددك، ولكن …»
قال الأب براون، بصوت مثل قرع الطبول: «أنا أريد أن أهددك. أريد أن أهددك بالدودة التي لا تموت، والنار التي لا تنطفئ.»
قال الرجل الآخر: «إنك عامل غرفة معاطف من نوع غريب.»
قال براون: «أنا قس، يا سيد فلامبو، وأنا مستعد لسماع اعترافك.»
وقف الآخر يلهث للحظات قليلة، ثم ترنح إلى الوراء جالسا على مقعد.
كان أول طبقين من عشاء صيادي السمك الحقيقيين الاثني عشر قد قدما بنجاح وعلى نحو هادئ. ليس بحوزتي نسخة من قائمة الطعام؛ ولو كانت بحوزتي ما كانت ستفيد في أي شيء لأي أحد. فقد كانت مكتوبة بلغة فرنسية فائقة يفهمها الطهاة، ولكنها مبهمة تماما للفرنسيين. كان يوجد تقليد في النادي بأن المقبلات ينبغي أن تكون متنوعة ومتعددة بلا حد. وكان القائمون على الأمر يأخذونها على محمل الجد؛ لأنها كانت بصراحة إضافات عديمة الجدوى، مثل العشاء كله والنادي بكامله. كان يوجد أيضا تقليد يقضي بأن طبق الحساء ينبغي أن يكون خفيفا ومتواضعا؛ ليكون بمثابة نوع من الترقب البسيط والمتقشف لوليمة السمك القادمة في الطريق. كان الحديث الدائر عبارة عن ذلك الحديث الغريب التافه الذي يسود الإمبراطورية البريطانية، يسودها سرا، والذي مع ذلك لم يكن سيضيف لمواطن إنجليزي عادي أي شيء حتى لو استطاع أن يسترق السمع إليه. كان يشار إلى الوزراء من كلا الحزبين بأسمائهم المسيحية بنوع من اللطف السئم. كان وزير الخزانة الراديكالي، الذي من المفترض أن حزب المحافظين بأكمله يصب عليه اللعنات على عمليات الابتزاز التي كان يقوم بها، يمتدح على شعره التافه، أو على السرج الذي يضعه على حصانه في ساحة الصيد. أما زعيم حزب المحافظين، الذي من المفترض أن كل الليبراليين كانوا يكرهونه باعتباره طاغية، فكانوا يتحاورون بشأنه وكان، في المجمل، يمتدح؛ باعتباره ليبراليا. بدا بطريقة أو بأخرى أن للسياسيين أهمية كبيرة، ومع ذلك، بدا أن أي شيء له علاقة بهم كان مهما فيما عدا سياساتهم. كان السيد أودلي، رئيس النادي، رجلا مسنا لطيفا وكان لا يزال يرتدي ياقات جلادستون؛ كان نوعا ما يمثل رمزا لكل ذلك المجتمع البعيد عن الواقع والذي يتصف مع ذلك بأنه مجتمع ثابت. لم يفعل الرجل أي شيء؛ ولو كان شيئا خاطئا. لم يكن صارما؛ ولم يكن حتى ثريا ثراء مميزا. كان ببساطة منخرطا في الأمر؛ وكان وراء ذلك غاية. لم يكن بمقدور أي حزب أن يتجاهله، ولو كان قد رغب في أن يكون عضوا في مجلس الوزراء، لضموه إليه. أما دوق تشيستر، نائب الرئيس، فكان سياسيا شابا نجمه في صعود. بعبارة أخرى، كان شابا لطيفا، ذا شعر أشقر أملس ووجه يغطيه النمش، وكان يملك ذكاء متوسطا وضيعات ضخمة. في المناسبات العامة كان ظهوره ناجحا دائما وكان مبدؤه بسيطا بما يكفي. عندما كان تخطر له دعابة كان يطلقها، وكان الناس يدعونه بارعا. وعندما لا يكون في مقدوره التفكير في دعابة ما، كان يقول إنه لا وقت للعبث، وكان الناس يدعونه كفئا. وفي المناسبات الخاصة، في ناد لأعضاء طبقته، كان ببساطة شخصا صريحا وساذجا بطريقة لطيفة ومرحة للغاية، مثل تلميذ في مدرسة. كان السيد أودلي، الذي لم يكن منخرطا في الحياة السياسية أبدا، يعاملهم بشيء من الجدية، حتى إنه أحيانا كان يحرج الجمع بعبارات توحي بأن ثمة بعض الاختلاف بين الليبرالي والمحافظ. كان هو نفسه محافظا، حتى في حياته الخاصة. وكان يكسو ياقته من الخلف شعر رمادي ملتف، مثل بعض رجال الدولة التقليديين، وكان يبدو للناظر له من الخلف بالهيئة التي تريد الإمبراطورية أن يكون عليها رجالها، وللناظر من الأمام كان يبدو مثل أعزب وديع منغمس في الملذات، يمتلك شقة في مجمع ألباني السكني؛ وهكذا كان حاله.
كما أشير من قبل، كان يوجد أربعة وعشرون كرسيا حول مائدة الشرفة، وكان النادي يضم اثني عشر عضوا فقط. وهكذا كان في مقدورهم أن يشغلوا الشرفة بأكثر نمط مترف على الإطلاق، بحيث ينتظمون جلوسا على امتداد الجانب الداخلي من المائدة، مع عدم جلوس أحد في الناحية المقابلة، فيحظون بإطلالة لا يعوقها شيء على الحديقة، التي كانت لا تزال ألوانها نابضة بالحياة، رغم أن المساء كان يحل على نحو مجفل بعض الشيء مقارنة بهذا الوقت من العام. جلس الرئيس في وسط الصف، وجلس نائب الرئيس في نهايته من الناحية اليمنى. وعندما جلس كل الضيوف الاثنا عشر على مقاعدهم، وقف الندل الخمسة عشر كلهم، كما هي عادتهم (لسبب غير مفهوم) مصطفين وظهورهم للحائط مثل قوات تقدم تحية السلاح للملك، بينما وقف المالك البدين وأخذ ينحني لأعضاء النادي وعلامات الاستغراب بادية على وجهه، كما لو كان لم يسمع بهم من قبل. غير أنه قبل رنين أول سكين وشوكة، كان هذا الجيش من الخدم قد اختفى، ولم يكن يبقى إلا الخادم أو الخادمان اللازمان لجمع وتوزيع الأطباق واللذان كانا ينطلقان هنا وهناك في صمت مميت. كان السيد ليفر، المالك، بالطبع قد اختفى، وهو يأتي بحركات مجاملة متشنجة، قبل ذلك بوقت طويل. سيكون من المبالغة، بل من قبيل عدم الاحترام، القول إنه كان يظهر مجددا. بيد أنه عندما كان يجلب الطبق المهم، وهو طبق السمك، كان يوجد — كيف أعبر عن هذا؟ — كان يوجد طيف واضح، أو انعكاس لشخصيته، يدل على أنه كان يحوم في الجوار. كان طبق السمك المهيب يتمثل (حسبما يتراءى لأعين السوقة) فيما يشبه قطعة بودنج هائلة ضخمة، تضاهي تقريبا حجم وشكل كعكة زفاف، بداخلها كان عدد كبير من السمكات المدهشة قد فقد أخيرا الشكل الذي خلقه الرب عليه. أمسك صيادو السمك الحقيقيون الاثنا عشر بسكاكين وشوكات السمك الشهيرة، وأقبلوا على قطعة البودنج بجدية كما لو كانت تكلفة كل بوصة منها تعادل تكلفة الشوكة الفضية التي كانت تؤكل بها. وقد كان هذا صحيحا، على قدر علمي. وقد تعاملوا مع هذا الطبق في صمت متسم بلهفة ونهم؛ وعندما صار طبق الدوق الشاب شبه خاو، عندئذ فقط أدلى بالملاحظة المعتادة: «لا يمكنهم صنعه في أي مكان آخر إلا هنا.»
قال السيد أودلي، بصوت خفيض عميق: «لا يمكنهم إنجازه في أي مكان.» ملتفتا إلى المتحدث وأومأ برأسه الوقور عددا من المرات. وأضاف: «لا يمكنهم إنجازه في أي مكان، بالتأكيد، إلا هنا. قيل لي إن مطعم كافيه أنجليه …»
عندئذ قاطعه بل وأغضبه للحظة إبعاد طبقه من أمامه، ولكنه استعاد خيط أفكاره الثمين، وقال وهو يهز رأسه بقوة، مثل قاض يصدر حكما صارما: «قيل لي إنه يمكن إنجاز نفس الطبق في مطعم كافيه أنجليه. ولكن لا يقارن به على الإطلاق، يا سيدي. لا يقارن به على الإطلاق.»