Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
نظرت جورجيا يو إلى مضيفتها على الجهة الأخرى من المائدة بإعجاب حيي.
وتساءلت في نفسها: «ترى هل سآلف يوما ذلك الوجه على الطعام؟»
كانت في غاية التوتر؛ إذ أدركت أن حفلة العشاء الصغيرة كانت مناسبة رسمية تقدم فيها إلى الجميع. كانت هذه لحظتها الحاسمة، فرصتها لتقبض على مستقبل أعماها بريقه.
إنها الآن تكاد تشعر بأنفاسها متقطعة من تلاحق الأحداث، كما لو كانت أليس في بلاد العجائب، تدور في الهواء بلا توقف. من عشرة أيام فقط كانت قد غادرت إنجلترا، لأول مرة في حياتها. ومنذ هذه اللحظة، تتابعت الأحداث، وبسرعة شديدة.
فقد جاءت إلى بروكسل والتقت بالكونت.
وفي ليلتها الأولى كان الحدث الجلل. اختارت أن تبقى في فندق عتيق، يتردد عليه أولئك الذين يفضلون الأجواء التراثية على مزايا أنظمة السباكة الحديثة. كان الفندق قصرا فيما مضى لأسرة ثرية، وقد احتفظ بفخامته الأصلية من جدران المرمر المصفر والمرايا الضخمة ذات الإطارات المذهبة؛ خلفية لأثاث متين على طراز القرن التاسع عشر.
كان يقع في البلدة، وسط شبكة من الشوارع المظلمة الضيقة، فكان بإمكان جورجيا أن تتطلع من خلال الأبواب الدوارة في البهو، وتشاهد الناس وهم يمرون بالخارج. كانت الأمطار تتساقط في الخارج لكنها كانت خفيفة للغاية، لدرجة أن أحدا لم يشعر بها أو يراها إلا كشذرات في الظلام. كانت تتلألأ على موكب من المظلات، وعلى تمثال في نافورة قائمة في منتصف الطريق.
أما في الداخل فقد تألقت ثريا بمصابيحها الكهربائية، مع توافد الزوار بلا انقطاع، محدثين صخبا من الأصوات المتحدثة بلغة غير مألوفة. وبينما هي جالسة تراقب، أثارت جدة المكان لديها حماستها ولهفتها. لقد كانت تنظر إلى الخارج ست سنوات كاملة، مراقبة الشفق، لترى دائما المشهد نفسه: أرضا قاحلة رمادية خالية، مع خط أبيض بعيد من الزبد المتدفق، علامة على البحر.
فتحت علبة سجائرها، فكانت الإشارة ليقفز الكونت حرفيا إلى حياتها، مستبقا النادل بعود ثقاب.
ليسألها بعد هنيهة: «أيمكن أن يكون هذا صحيحا؟ أخبرني موظف الاستقبال أنك السيدة يو، الكاتبة الشهيرة صاحبة الروايات البوليسية العديدة؟»
وسريعا، سريعا … حين أقرت بهويتها، جرفها الكونت في تيار أنشطته المرحة. وفي صحبته المثيرة، رأت بروكسل دوامة مشوشة من المباني العتيقة والشوارع المعبدة بالحصى، والتماثيل، ولوحات طبيعة صامتة لجثث حيوانات، ومتاجر ملابس في ممرات مقنطرة مظلمة.
وقد برز من سيل الانطباعات التي كونتها بضعة انطباعات لا تمحى. البهاء العذب المحيط بالمنازل المطلية بالذهب في ميدان جراند بليس، حين رأتها في الحمرة الشاحبة لغروب الشمس. وبرجا سانت جودولا التوءمان وهما يسبحان في الضباب الفضي. وهول عظمة دار القضاء، فكأنه يتحدى زلزلة يوم الحساب. وتمثال سانت مايكل الشامخ إذ يلمع في شمس الصباح. والرعب الذي تثيره لوحة باسم «سن البراءة» في متحف ويرتز، لطفلين يحرقان أجنحة فراشة.
وسريعا، سريعا … هرع بها الكونت من مكان لمكان، بطاقة كالإعصار. وظل متقلبا من حال إلى حال، ورسميا في تعامله، وجريئا؛ يخاطر بالأعراف ويدوس التقاليد حتى اللحظة التي باح فيها رسميا برغبته في أن تلتقي بأسرته.
تسارع إيقاع الأحداث فصارت تدور لاهثة في دوامة بعد وصول أقاربه إلى الفندق. السيدة فاندربانت — عمة الكونت — كانت أرملة لأمريكي ثري ومرموق. وقد صاحبها عالم مبهر الطلعة، وهو البروفيسور مالفوي، وشاب يدعى «كلير»، كلاهما معارف من الفرع الأمريكي. وقد نزلوا في أغلى جناح جاءت منه الدعوة المصيرية.
ثم فجأة، بشكل صادم، توقف كل شيء عن الحركة، ووجدت جورجيا نفسها جالسة في سكون إلى مائدة العشاء.
قدم العشاء في حجرة الجلوس الخاصة، التي كانت حجرة باردة بأرضية ممتدة من الخشب المطلي بالشمع. وقد علقت ستائر خفيفة بيضاء منشاة على النوافذ الطويلة الثلاث، التي ظهرت عبرها مساحات صغيرة من سماء الليل بزرقتها الفاتحة. وانعكس وهج ضوء الشموع الذهبي على مرآة كبيرة على طراز القرن التاسع عشر معلقة على الحائط.
استطاعت جورجيا أن ترى نفسها فيها، ضئيلة وجميلة جدا، برداء سهرة أسود عاري الظهر. لطالما بدت أصغر من سنها، لكنها الليلة، وعلى الرغم من جهودها لتبدو امرأة راقية محنكة، بدت غير ناضجة مقارنة بسجل مؤلفاتها.
حركت رأسها فاختفت صورتها من المرآة.
حدثت نفسها قائلة: «لقد صرت بداخلها. لقد ابتلعت تلك المرآة وجوها عديدة جدا، ومشاهد كثيرة جدا.»
يعود بغضها لرؤية نفسها في المرآة إلى طفولتها، حين اعتادت مربيتها أن تحملها وهي طفلة أمام مرآة كبيرة عتيقة الطراز. وذات ليلة حلمت أنها بدلا من أن ترى حجرتها المعتادة، رأت مكانا مظلما معبأ بالدخان، حيث كان يوجد أشخاص غريبون بوجوه يبدو عليها الفساد يحتسون الشراب ويلعبون الورق.
أبوها كان دائما ما يلجأ إلى التفسير بالعلاقة بين السبب والنتيجة، فأشار إلى أن ذلك الحلم كان النتيجة المنطقية للاطلاع على المجلد الممنوع لنقوش هوجارث.
ورغم أنها تقبلت العبرة في الأمر، فقد ظلت دائما معتقدة أن المرآة قد عرضت صفحة شريرة من الماضي.
أما الآن، فقد كانت في حالة في غاية الحساسية وهي مقدمة لارتفاع درجة الحرارة الذي تعانيه دائما، عقوبة لها على الشعور بالحماسة. وللتغلب على أثره، كانت قد تناولت جرعة من الشراب، مما جعلها في حالة ليست بالطبيعية تماما.
انتابتها حالة من الانفصال الوجيز كشخص متفرج، فراحت تجول بنظرها في الآخرين الجالسين حول المائدة. مضيفتها، السيدة فاندربانت، كانت عجوزا بوجه واضح القسمات متغطرس، ذي ملامح حادة، وفم رقيق الشفتين، يشي بالتعصب والتكبر. وعلى النقيض من شخصيتها الباردة، بدا الوجه الكبير المتورد الحليق للبروفيسور لطيفا، وكان صوته رخيما عذبا، وإن كان نادرا ما يتحدث. وكان شعره غزيرا بخصلات مجعدة بلون الثلج، ظللت عينيه السوداوين، اللتين لمعتا خلف نظارة ذات إطار ذهبي.
أما الشاب، كلير، فقد كان أصغر من أن تأبه له. فهي لم تنتبه إلا لأنه كان شابا حاد الوجه، يرتدي سترة مسائية. وكان يتحدث بلهجة أمريكية، وإن كانت يداه وقدماه الصغيرتان، بجانب شعره الناعم الأسود ذي اللمعة الزرقاء، توحي بشخص لاتيني.
وكان هناك ضيف آخر، وهو وكيل أعمالها الأدبية، هارفي تورش. وكان رجلا أنيس المعشر، لكنه تضاءل تماما مقارنة بالشخص الجالس بجواره. فقد طغت شخصية الكونت المتألقة على بقية الرفقة. كان وسيما وسامة غير معهودة، بعينين زرقاوين لامعتين وأسنان بيضاء ناصعة، حتى إنه كان كلما تحرك أو تحدث أحاط به وميض وألق دائمان.
عدلت جورجيا من جلستها حتى ترى انعكاسهم في المرآة، رفقة صغيرة لكنها نابضة بالحياة. كان أكثر ما انتبهت له هو صورة الكونت الوامضة في عتمة المرآة القديمة، مثل خطوط من طلاء مضيء تألقت في الظلام.
وهنا غشي بصرها وبدأ رأسها يدور.
وقالت في نفسها: «هذه اللحظة ستبقى حتما. فذات يوم — ربما بعد آلاف الأعوام من الآن — سينظر أحدهم في تلك المرآة، ويرانا جميعا جالسين حول المائدة، كما نحن الآن تماما … وعندئذ، سيكون قد حصل لنا كل ما هو مقدر أن يحصل. ولن يكون بيدنا ساعتها شيء لنعاون على حدوثه أو نمنعه.»