Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
قال صديقي فوكستون مواصلا الحديث في موضوع مألوف يبدو أنه لا ينضب أبدا: «حسنا، كنت أحبذ أن أحظى بوظيفتك بدلا من وظيفتي.»
فأجبته بلا تعاطف: «لا أشك في أنك كنت تحبذ ذلك. فأنا لم أقابل في حياتي رجلا لا يحبذ ذلك. فجميعنا يميل إلى النظر إلى وظائف الآخرين من منظور مزاياها، والنظر إلى وظائفنا من منظور مساوئها: تلك هي الطبيعة البشرية.»
رد فوكستون قائلا: «آه، من السهل عليك أن تكون فيلسوفا شديد الفظاظة، لكنك ما كنت لتكون كذلك لو كنت مكاني. فهنا، في مارجيت، لا نرى سوى الحصبة والجدري والحمى القرمزية طوال الصيف، والتهاب الشعب الهوائية ونزلات البرد والروماتيزم طوال الشتاء. هذه رتابة مهلكة. أما أنت وثورندايك فتجلسان هناك في مكتبيكما، بينما يشبعكما زبائنكما رومانسية خالصة. عجبا! إن حياتكما أشبه بدراما أبدية كالتي تعرض على مسرح أديلفي.»
قلت له: «إنك تبالغ يا فوكستون؛ فنحن أيضا نواجه بعض الرتابة في عملنا مثلك تماما، لكنها لا تظهر أبدا خارج قاعات المحاكم، ولا بد أنك، كأي طبيب آخر، تعايش بعض الغموض والرومانسية في عملك من حين إلى آخر.»
هز فوكستون رأسه بينما يقدم إلي الفنجان بيده، وقال: «كلا، أنا لا أحصد من مهنتي سوى رتابة مملة لا تنتهي.»
فور أن انتهى من قوله هذا، دخلت الخادمة إلى الغرفة مندفعة باهتياج عجزت عن إخفائه، وكأنما جاء دخولها بهذه الطريقة تعقيبا على جملته الأخيرة، وصاحت قائلة:
«إذا سمحت يا سيدي، خادم نزل السيدة بيدينجفيلد يقول إنهم وجدوا سيدة ميتة في فراشها، ويطلب منك الذهاب إلى هناك فورا.»
فقال فوكستون: «حسنا يا جين.» وبينما خرجت الخادمة، غرف لنفسه بيضة مقلية أخرى وراح يتناولها بتمهل، وصاح محدقا إلي عبر الطاولة: «أليس هذا ما يحدث دائما؟ تعال فورا — الآن — حالا، مع أن المريض ربما يظل يفكر طوال يوم أو يومين فيما إذا كان سيرسل في طلبك أم لا، لكنه يقرر فورا أنك يجب أن تثب من الفراش، أو تهب تاركا فطورك، وتركض إليه.»
وافقته الرأي قائلا: «هذا صحيح جدا، لكن هذه تبدو حالة عاجلة حقا.»
فسأل فوكستون: «وما وجه العجلة؟ لقد ماتت المرأة بالفعل. قد يظن من يسمع ذلك أنها مهددة بخطر وشيك سيعيدها إلى الحياة مجددا، وأن وصولي الفوري هو الشيء الوحيد الذي سيمنع هذه الكارثة.»
فقلت له: «ليس لديك سوى معلومة من طرف ثالث بأنها ماتت. من الممكن ببساطة ألا تكون قد ماتت، وحتى إذا ماتت حقا فسوف تضطر إلى الإدلاء بأقوالك في التحقيق، ولا أظن أنك تريد أن تصل الشرطة إلى هناك أولا وتقلب الغرفة رأسا على عقب قبل أن تفحص الجثة بنفسك.»
فصاح فوكستون: «سحقا! لم أفكر في ذلك. نعم. أنت محق. سأهب إلى هناك حالا.»
ابتلع ما تبقى من البيضة بلعة واحدة وهو ينهض من أمام المائدة، ثم توقف وراح ينظر إلي بتردد لبضع ثوان.
تحدث بعد ذلك قائلا: «أتساءل يا جرفيس عما إذا كان بوسعك القدوم معي؛ فأنت أدرى مني بشعاب الطب الشرعي. ما رأيك؟»
وافقت فورا؛ إذ إنني كنت سأقترح ذلك بنفسي في واقع الأمر، وما منعني سوى التأدب. أحضرت من غرفتي كاميرا الجيب والحامل الثلاثي القوائم، وانطلقنا معا دون مزيد من التأخير.
لم يكن نزل السيدة بيدينجفيلد يبعد عن مسكن فوكستون سوى بضع دقائق سيرا على الأقدام؛ إذ كان يقع بالقرب من منتصف شارع «إثيلريد رود» الهادئ الشبيه بالضواحي، والذي يقع في منطقة كليفتونفيل، ويكتظ بمبان سكنية مشابهة لاحظت أن العديد منها يخضع لحملات تنظيف وتجديد استعدادا لفصل الربيع المقبل قريبا.
قال فوكستون: «ها هو النزل، حيث تقف هذه المرأة عند الباب الأمامي. انظر إلى النزلاء مجتمعين عند نافذة غرفة الطعام. أؤكد أن ثمة فوضى نادرة المثال تعم في هذا النزل.»
حينئذ صعد العتبات الخارجية راكضا بعدما وصل إلى النزل، وخاطب المرأة المسنة التي كانت تقف عند الباب الأمامي المفتوح بنبرة متعاطفة.
تحدث إليها قائلا: «يا له من خطب فظيع يا سيدة بيدينجفيلد! أمر مروع! ما أشد وقعه إيلاما على نفسك!»
ردت قائلة: «آه، أنت محق يا دكتور فوكستون. إنه خطب شنيع وفظيع، ثم إن تأثيره سيئ للغاية في هذا المشروع التجاري. آمل وأتمنى ألا تحدث أي فضيحة.»
قال فوكستون: «وأنا أيضا أتمنى ذلك بكل تأكيد. لن تحدث أي فضيحة ما دمت قادرا على تجنب ذلك. ولأن صديقي الدكتور جرفيس، الذي يمكث معي بضعة أيام، محام وطبيب، فسنحظى بأفضل مشورة. متى اكتشفت الواقعة؟»
«قبيل أن أستدعيك مباشرة يا دكتور فوكستون. لقد لاحظت الخادمة أن السيدة توسان — وهذا اسم المسكينة — لم تأخذ ماءها الساخن المتروك عند باب الغرفة؛ فقرعت الباب. وحين لم تتلق أي رد، جربت فتح الباب بنفسها، لكنها وجدته موصدا من الداخل؛ فجاءت وأخبرتني بذلك. صعدت إلى الأعلى وقرعت الباب قرعا صاخبا. وبعدها، حين لم أتلق أي رد، طلبت من صبينا جيمس، أن يفتح الباب عنوة بفتاحة صناديق، ففعل ذلك بسهولة كبيرة لأن المزلاج كان صغيرا. دخلت الغرفة منتفضة من شدة القلق؛ إذ كان يراودني هاجس بوجود خطب ما، ووجدتها جثة هامدة مستلقية بجحوظ مرعب في عينيها، وقنينة فارغة في يدها.»
«نعم. لقد انتحرت، شيء مثير للشفقة، وكل ذلك بسبب علاقة غرامية سخيفة، بل إنها لم ترق حتى إلى هذه الدرجة.»
قال فوكستون: «آه، ذلك هو المعتاد. يجب أن تحدثينا عن ذلك لاحقا. أما الآن، فمن الأفضل أن نصعد ونرى المريضة، أو بالأحرى اﻟ… حسنا، فلترينا الغرفة يا سيدة بيدينجفيلد.»
استدارت صاحبة النزل وسبقتنا على الدرج إلى الجزء الخلفي من الطابق الأول حيث توقفت، وفتحت باب إحدى الغرف بهدوء، وحدقت إلى داخلها بتوتر شديد. وحين تخطيناها ودخلنا، بدت كأنها تهم بالدخول وراءنا، لكن بعد نظرة ذات مغزى مني، أقنعها فوكستون بالرحيل وأغلق الباب. وقفنا بعد ذلك صامتين لبرهة ورحنا ننظر فيما حولنا.
كان مظهر الغرفة يتسم بتنافر غريب مع المأساة التي وقعت داخل جدرانها، وكأنما هو مزيج بين الابتذال والفظاعة أدى إلى إحباط النهاية. فمن خلال النافذة المفتوحة على مصراعيها، كانت أشعة الشمس الربيعية الساطعة تتدفق إلى داخل الغرفة لتنساب على ورق الحائط المبهرج والأثاث الرخيص، وفي الشارع بالأسفل انطلقت الصيحات المتكررة التي يصيح بها رجل يبيع «سمك موسى وماكريل!» لتتداخل مع نغمات متقطعة رشيقة قد صدرت من أرغن يدوي. امتزج كلا الصوتين بصوت صاخب قريب كان صاحبه يشدو مبتهجا بأغنية شعبية، وقد عرفنا مصدر هذا الصوت حين رأينا مرفقا مكتسيا بكم كتاني كان يتحرك إلى أعلى وإلى أسفل أمام النافذة من الخارج، ومن الواضح أنه كان مرفق دهان يقف على سلم متنقل مجاور.
كان كل شيء عاديا ومألوفا ومتنافرا للغاية مع هيئة الجثة المتصلبة التي استلقت على الفراش كتمثال شمعي يرمز للمأساة، دون أن يرى عليه أي من ملامح النعاس الكريم الذي غالبا ما يوحي بأن الموت راحة أبدية. لقد كانت هذه المرأة ميتة، وبدت ميتتها شنعاء عدوانية. كان وجهها النحيل الشاحب جامدا كالحجر، وعيناها الداكنتان تحدقان إلى الفراغ اللامتناهي بنظرة جامدة مروعة كان النظر إليها مزعجا للغاية. ومع ذلك، لم تكن وضعية الجثة توحي بالاضطراب، بل الحق أنها كانت متناظرة تناظرا غريبا بعض الشيء؛ إذ كانت كلتا الذراعين ممددتين خارج أغطية الفراش، وكلتا اليدين مقفلتين، بينما أمسكت اليد اليمنى بقنينة فارغة، مثلما قالت السيدة بيدينجفيلد.
قال فوكستون وهو يقف ناظرا إلى جثة المرأة: «حسنا، تبدو قضية شديدة الوضوح؛ إذ يبدو أنها أزهقت روحها وظلت ممسكة بالقنينة كي لا يخطئ أحد في استنتاج ما حدث. متى ماتت هذه السيدة حسب تقديرك يا جرفيس؟»
تحسست أطرافها المتيبسة وقست درجة حرارة سطح جسدها.