Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
عند منعطف درب في التلال، إذ تقف شجرتا حور كهرمين — بحيث جعلتا قرية بوترز بوند الصغيرة تبدو متقزمة، تلك القرية التي لا تضم إلا مجموعة من البيوت المكدسة بعضها بجوار بعض — مشى رجل ذات مرة مكتسيا بثياب ذات هيئة ولون لافتين للانتباه بشدة؛ إذ كان يرتدي معطفا أرجوانيا فاقعا، ويعتمر قبعة بيضاء مائلة على تجاعيد شعره السوداء العطرة، التي تنتهي بسالفتين مزدهرتين على غرار سالفتي اللورد بايرون.
لم يكن لغز ارتدائه ثيابا استثنائية لافتة من طراز العصور القديمة هكذا، وإن كان قد ارتداها بانطباع يوحي بأنها على أحدث طراز بل وسار بها مختالا، سوى واحد من الألغاز العديدة التي حلت في نهاية المطاف مع حل لغز وفاته. المهم هنا أنه حين تجاوز شجرتي الحور، بدا أنه اختفى كأنه تلاشى في الفجر الشاحب المتوسع، أو كأن رياح الصباح قد ذرته بعيدا.
لم ير مرة أخرى إلا بعد أسبوع، حين وجدت جثته على بعد ربع ميل منسحقة على الصخور الوعرة لحديقة متدرجة تؤدي إلى بيت ريفي مكئب منعزل يدعى «ذا جرانج». وقبيل اختفائه مباشرة، سمع مصادفة وهو يتشاجر على ما يبدو مع بعض المارة، لا سيما حين أهان قريتهم واصفا إياها بأنها «نجع تافه بائس» (مستخدما كلمة Hamlet، أو هاملت التي تعني بالعربية: قرية صغيرة)، واعتقد أنه أثار الحمية الوطنية المتعصبة لدى بعض سكان القرية، فراح ضحيتها في النهاية؛ فقد شهد الطبيب المحلي، على الأقل، بأن الجمجمة تعرضت لضربة ساحقة ربما أسفرت عن الوفاة، مع أن المرجح أنها ضربت بهراوة أو عصا غليظة ليس إلا. وهذا متماش تماما مع افتراض تعرضه لهجوم من قبل أشخاص ريفيين همجيين، ولكن لم يعثر أحد على أي أثر يقود إلى أي شخص ريفي محلي محدد، وانتهى التحقيق إلى تقييد الجريمة ضد مجهول.
بعد ذلك بعام أو اثنين، أعيد فتح القضية على نحو غريب؛ إذ قادت سلسلة من الأحداث شخصا يدعى الطبيب مالبورو — ويناديه أصدقاؤه المقربون ﺑ «مالبيري» (أي شجرة التوت) في إشارة مناسبة إلى طابع خصب ومثمر شبيه بالفواكه في هيئته الدائرية القاتمة ووجهه الأرجواني بعض الشيء — إلى السفر بالقطار إلى قرية بوترز بوند برفقة صديق كثيرا ما كان يستشيره بشأن مثل هذه المشكلات. وبالرغم من مظهر الطبيب الخارجي الذي يشبه زجاجة نبيذ برتغالي ويوحي بأنه أخرق بسبب بدانته، فقد كانت له عينان متبصرتان وكان في الحقيقة رجلا ذا حس سليم مدهش جدا، وقد رأى أنه أظهر حسه السليم هذا باستشارة قس ضئيل الحجم يدعى براون تعرف إليه في قضية تسمم منذ فترة طويلة. كان القس الضئيل يقعد قبالته في القطار بانطباع طفل سقيم يتلقن تعليمات طبيبه، فيما كان الطبيب يشرح له الأسباب الحقيقية وراء هذه الرحلة بإسهاب.
قال الطبيب: «لا أتفق مع الرجل ذي المعطف الأرجواني في أن قرية بوترز بوند مجرد نجع تافه بائس، لكنها قرية نائية ومنعزلة جدا بكل تأكيد، لدرجة أنها تبدو بعيدة تماما عن الحضارة، كأنها قادمة من قرن مضى؛ فالعوانس يغزلن الصوف كما يوصفن؛ سحقا، يكاد المرء يتخيل أنه يراهن الآن يغزلن الصوف. والسيدات لسن مجرد سيدات، بل سيدات راقيات نبيلات، وصيدلي القرية ليس صيدلانيا بل عطار، وتنطق مهنته نطقا عفا عليه الزمن. وأهالي القرية لا يعترفون بوجود طبيب عادي مثلي إلا لكي يساعد العطار، لكني أعد بالنسبة إليهم ابتداعا حديثا بعض الشيء؛ لأنني أبلغ من العمر سبعة وخمسين عاما فقط، وأعيش في المقاطعة منذ ثمانية وعشرين عاما فقط. في حين يبدو المحامي كأنه يعرف القرية منذ ثمانية وعشرين ألف عام. ويعيش فيها أيضا الأدميرال العجوز، الذي يشبه إحدى شخصيات روايات ديكنز تماما؛ إذ يمتلئ بيته بسيوف مقوسة وأخطبوطات وبه تلسكوب.»
قال الأب براون: «أظن أن الأمواج دائما ما تجرف بعض الأدميرالات إلى السواحل، لكني لم أفهم قط لماذا ينجرفون إلى الداخل هكذا بعيدا عن الساحل.»
قال الطبيب: «بالتأكيد لا مكان عديم الروح في عقر البلاد سيكون مكتملا بدون أحد هذه المخلوقات الصغيرة. وتضم القرية بالطبع قسا مناسبا لها؛ إذ يتبنى أيديولوجية محافظة ويعتنق معتقدات الكنيسة العليا وفق نهج عتيق جدا يعود تاريخه إلى حقبة القس ويليام لود كبير أساقفة كانتبري، وهو أشبه بامرأة عجوز من أي امرأة عجوز. هذا فضلا عن أنه قارئ دءوب أبيض الشعر، وأسهل تعرضا للانشداه من العوانس. وفي الواقع، فالنساء الراقيات، وإن كن يعتنقن مبادئ بيوريتانية متشددة، فأحيانا ما يكن صريحات جدا في كلامهن، كما كان البيوريتانيون الحقيقيون. وذات مرة أو مرتين، رأيت الآنسة العجوز كارستيرز-كارو تستخدم تعبيرات مفعمة بالروح كأي كلمات واردة في الإنجيل. صحيح أن القس المسن دءوب في قراءة الكتاب المقدس، لكني أكاد أتصور أنه يتعمد تجاهل هذه النوعية من الكلمات حين يراها. حسنا، تعرف أنني لست عصريا للدرجة. فلا أستمتع بموسيقى الجاز وقيادة السيارات المسروقة بجنون، وما إلى ذلك من ممارسات «الشبان المشرقين».»
قال الأب براون: ««الشبان المشرقون» أنفسهم لا يستمتعون بها. هذه هي المأساة الحقيقية.»
أضاف الطبيب: «لكني بالطبع أكثر اتصالا بالعالم الخارجي من أهالي هذه القرية العالقة في عصر ما قبل التاريخ. وقد وصلت إلى مرحلة كدت فيها أن أحتفي بالفضيحة الكبرى التي شهدتها القرية.»
قال القس مبتسما: «لا تقل إن الشبان المشرقين قد وجدوا قرية بوترز بوند في النهاية.»
قال الطبيب: «آه، حتى فضيحة قريتنا قائمة على أسس ميلودرامية قديمة. هل علي القول إن ابن القس هو أساس مشكلتنا على الأرجح؟ سيكون الأمر غير مألوف لو أن ابن القس ملتزم تماما بالآداب العامة. وعلى حد علمي، فعدم التزامه محدود للغاية، وبدرجة تكاد تكون طفيفة؛ فقد شوهد لأول مرة يتجرع الجعة خارج حانة بلو ليون. يبدو أن ما يعيبه فقط هو أنه شاعر، والشعراء في مثل هذه المناطق أقرب إلى الصيادين غير الشرعيين.»
قال الأب براون: «بالتأكيد لا يمكن أن تكون هذه هي الفضيحة الكبرى، حتى ولو في بوترز بوند.»
أجاب الطبيب بجدية: «كلا. لقد بدأت الفضيحة الكبرى هكذا. في البيت المدعو ذا جرانج، الواقع في أقصى أطراف الغابة الصغيرة، حيث تعيش سيدة؛ سيدة وحيدة، وتطلق على نفسها السيدة مالترافيرس (هكذا ننطقها)، وقد وفدت إلى القرية منذ عام أو اثنين فقط، ولا أحد يعرف عنها شيئا. وقد قالت عنها الآنسة كارستيرز-كارو: «لا أفهم لماذا ترغب في العيش هنا ونحن لا نزورها».»
قال الأب براون: «ربما لذلك تريد العيش هناك.»
واصل الطبيب كلامه قائلا: «حسنا، يرى الأهالي عزلتها مريبة، وينزعجون من مظهرها الجميل، بل ومن سلوكها الذي يوصف بأنه لطيف. وكل الشبان يحذرون من أنها امرأة لعوب تغوي الرجال.»
قال الأب براون: «من يفقدون كل إحسانهم عادة ما يفقدون كل حسهم المنطقي. من السخف أن يتذمروا من انزوائها على نفسها، ثم يتهموها بإغواء كل الذكور.»
قال الطبيب: «هذا صحيح. ومع ذلك، فهي شخصية محيرة حقا بعض الشيء. لقد رأيتها، ووجدتها مثيرة للاهتمام؛ فهي إحدى تلك النساء السمراوات، طويلة وأنيقة وقبيحة قبحا جميلا، أظنك تفهم قصدي. إنها خفيفة الظل نوعا ما، ومع أنها شابة يافعة، وصلني انطباع أكيد بأن لديها ما يسمونه … حسنا، ما يسمونه الخبرة. وما تسميه السيدات العجائز ماضيا مشينا.»
قال الأب براون: «وكأن السيدات العجائز كلهن قد ولدن في التو. أظن أن بوسعي تصور أن الأهالي يعتقدون أنها أغوت ابن القس.»
قال الطبيب: «نعم، ويبدو أن هذه مشكلة فظيعة جدا للقس العجوز المسكين. فمن المفترض أنها أرملة.»
هنا اكتسى وجه الأب براون بلمعان خاطف وتشنج ناجمين عن انفعال نادرا ما يعتريه. وقال: «من المفترض أنها أرملة، كما أن ابن القس من المفترض أن يكون ابن القس، كما أنه من المفترض أن المحامي محام ومن المفترض أنك طبيب. لماذا لا يصدقون أنها أرملة حقا بحق السماء؟ هل لديهم أي دليل ظاهر يدفعهم إلى الشك فيما تقوله عن نفسها؟»
أعاد الطبيب مالبورو كتفيه العريضتين إلى الوراء فجأة، وجلس منتصبا. وقال: «إنك محق مرة أخرى بالطبع، لكننا لم نصل إلى الفضيحة بعد. حسنا، الفضيحة أنها أرملة.»
قال الأب براون: «آه.» وتغيرت قسمات وجهه وقال كلمة خافتة خفيضة، ربما كانت «يا ربي!»
قال الطبيب: «بادئ ذي بدء، لقد اكتشفوا شيئا عن السيدة مالترافيرس. إنها ممثلة.»
قال الأب براون: «لقد تصورت ذلك. والسبب غير مهم أبدا. ولدي تصور آخر عنها سيبدو أبعد صلة بالموضوع.»
قال الطبيب: «حسنا، كان اكتشاف أنها ممثلة يشكل فضيحة كافية آنذاك؛ فالقس المسن العزيز مفطور القلب بالطبع حين يفكر أنه سيموت بحسرته قبل الأوان بأيدي ممثلة لعوب مستهترة. وصرخت العوانس صرخة جماعية في وقت واحد. لقد اعترف الأدميرال بأنه أحيانا ما يذهب إلى مسرح في البلدة، لكنه يعترض على وجود مثل هذه الأمور «وسطنا»، على حد قوله. حسنا، أما أنا، فالطبع ليس لدي أي اعتراضات خاصة من هذا النوع. فهذه الممثلة امرأة بكل تأكيد، حتى وإن كانت «امرأة داكنة»، على غرار تلك التي وصفت في السونيتات، والشاب مغرم بها للغاية، وأنا بلا شك مغفل عجوز مرهف الحس ليخالجني تعاطف تسلل خفية إلى طيات نفسي مع الشاب المضلل الذي يتسلل خفية حول المنزل الريفي المحاط بخندق مائي، وكنت مستغرقا في حالة مزاجية رومانسية تماما تجاه هذه القصة الريفية الشاعرية حين وقعت الصاعقة فجأة. وقد أرسلت، أنا الشخص الوحيد الذي حمل تعاطفا تجاه هذين الاثنين، لأكون رسول الموت.»
قال الأب براون: «حسنا، ولماذا أرسلت؟»
أجاب الطبيب بنوع من التأوه:
«السيدة مالترافيرس ليست مجرد أرملة، بل أرملة السيد مالترافيرس.»
أقر القس قائلا بنبرة جادة: «تبدو معلومة صادمة، بناء على الطريقة التي تقولها بها.»
واصل صديقه الطبيب قائلا: «والسيد مالترافيرس هو الرجل الذي قتل حسبما يبدو في هذه القرية نفسها قبل عام أو اثنين؛ إذ يعتقد أن أحد أهالي القرية البسطاء ضربه على رأسه ضربة قاتلة.»