Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
ليس من حقك ولا من حقي أن نحكم على مانفريد وأعماله. أقول «مانفريد»، مع أني كان من الممكن أيضا أن أقول «جونزاليس»، أو في هذا الصدد «بويكارت»؛ إذ إنهم مذنبون أو عظماء بالقدر نفسه على ضوء رؤيتك لأفعالهم. من شأن أكثرنا خروجا عن القانون أن يتردد في الدفاع عنهم، لكن لا يمكن لأعظمنا إنسانية أن يدينهم.
من وجهة نظرنا، نحن الذين نعيش في ظل القانون، ونمارس شئوننا بما يتوافق مع القوانين، ونلتزم بالمضي بلا نقاش يسارا أو يمينا حسبما توجهنا الشرطة — كانت وسائلهم مريعة، وبلا مبرر، ومثيرة للاشمئزاز.
لا يؤثر كثيرا على المسألة أننا ندعوهم مجرمين؛ إذ لا توجد كلمة أفضل من ذلك. فمن شأن ذلك أن يكون إجماع البشرية، لكني أظن — بل أعرف — أنهم لا يبالون بآراء الجنس البشري. أشك كثيرا في أنهم توقعوا من الأجيال القادمة أن تكرمهم.
كان الإجراء الذي اتخذوه تجاه وزير الحكومة هو القتل، ببساطة شديدة. ومع ذلك، على ضوء المشكلات الإنسانية الكبيرة المتعلقة بالأمر، من الذي سيصف هذا الإجراء بأنه شرير؟
بصراحة، ما أقوله عن الرجال الثلاثة الذين قتلوا السير فيليب رامون، والذين قتلوا بلا رحمة باسم العدالة، هو أنني متعاطف معهم. توجد جرائم بلا عقوبة كافية لها، وتوجد أفعال مجرمة لا تستطيع آلية القانون المكتوب أن تمحوها. وهنا يكمن مبرر «رجال العدالة الأربعة» أو «مجلس العدالة»؛ إذ صاروا يطلقون على أنفسهم حاليا مجلسا من أشخاص ذوي عقليات عظيمة، وبلا أحاسيس.
ولم يمض وقت طويل بعد وفاة السير فيليب، وبينما كانت أصداء ذلك العمل البطولي ما زالت تتردد في إنجلترا، حتى قاموا بإجراء أو مجموعة من الإجراءات التي لم تنل نوعا من القبول غير الرسمي من حكومة بريطانيا العظمى فحسب، وإنما من حكومات أوروبا، وتحققت رغبة فالموث. ففي هذه المرة شنوا حربا على مجرمي حرب كبار؛ استنفروا قوتهم، ودهاءهم، وعقولهم الرائعة في مواجهة أقوى منظمة سرية، في مواجهة خبراء قدامى في فنون الشر، وعقول تضاهيهم ذكاء.
كان يوما مشهودا من أيام منظمة المائة الحمر. كان المجلس الدولي العجيب مجتمعا في لندن، وكان أول مجلس كبير للأناركية (اللاسلطوية) المعترف بها. لم يكن اجتماعا في الخفاء لرجال متعجلين يتكلمون خلسة، وإنما كان اجتماعا علنيا وبلا خوف في وجود ثلاثة من رجال الشرطة معينين خصيصى لأداء مهمة خارج القاعة، وحاجب ليأخذ التذاكر عند البهو الخارجي، وكاتب اختزال لديه إلمام باللغتين الفرنسية واليديشية ليسجل ملاحظات بأبرز ما يقال.
كان المجلس العجيب حقيقة واقعة. عندما طرح أمره في السابق ضحك أناس من الفكرة؛ وكان منهم نيلوف من فيتبسك؛ لأنه لم يظن أن تلك العلنية كانت ممكنة. لكن بيتر الصغير (كان له اسم سخيف هو كونوبلانيكوفا، وكان مراسلا في الشئون المتعلقة بما يسمى «روسكوي زنامزا») — بيتر الصغير هذا، الذي كان قد فكر في الأمر برمته، وكان صاحب فكرة حشد مؤتمر لمنظمة المائة الحمر في لندن، واستأجر القاعة وأصدر الفواتير (التي كانت تحمل في الزاوية اليسرى العليا مثلث منظمة «المائة» المقلوب) طالبا من أولئك الروس في لندن المهتمين ببناء مقر البحارة الروس أن يتقدموا للحصول على التذاكر، وهو أيضا من وفر قاعة كان التشويش فيها مستحيلا — كان سعيدا؛ أجل، أيها الإخوة الصغار، كان يوما عظيما لبيتر.
قال بيتر الصغير بحماس: «يمكنك دوما أن تخدع الشرطة. ادع إلى اجتماع بهدف خيري وهكذا يتحقق الأمر!»
كتب المفتش فالموث إلى مساعد مفوض الشرطة:وصلتني رسالة سيادتكم. الاجتماع الذي سيعقد الليلة في قاعة فينكس، بشارع ميدلسكس، إي، بهدف جمع تمويلات لمقر البحارة الروس، هو، بالطبع، أول مجلس دولي لمنظمة المائة الحمر. لن أتمكن من إدخال رجل إلى الداخل، ولكن لا أظن ذلك مهما للغاية؛ لأن الاجتماع سينشغل بإلقاء المجتمعين الزهور أحدهم على الآخر ولن يبدأ العمل الجدي حتى اجتماع اللجنة الداخلية. مرفق طيه قائمة بالرجال الذين وصلوا بالفعل إلى لندن، وأتشرف بأن أطلب أن ترسل لي صورا للرجال المذكورين أدناه.
كان يوجد ثلاثة مبعوثين من بادن، السيد شميدت من فرايبورج، والسيد بلومو من كارلسروه، والسيد فون دونوب من منهايم. لم يكونوا شخصيات ذات حيثية، حتى في أعين عالم الأناركية؛ لم يكن بهم ما يلفت الانتباه على نحو خاص؛ لذا بات الأمر الغريب الذي حدث لهم ليلة انعقاد المجلس جديرا تماما بالملاحظة.
كان السيد شميدت قد غادر النزل الذي كان مقيما فيه في بلومزبري، وكان يمضي مسرعا جهة الشرق. كانت أمسية في أواخر الخريف وكان مطر بارد يتساقط، وكان السيد شميدت يناقش في عقله ما إذا كان ينبغي أن يتجه مباشرة إلى مكان اللقاء حيث كان قد وعد بلقاء مواطنيه، أو ينبغي أن يطلب سيارة أجرة ويتجه مباشرة بالسيارة إلى القاعة، عندما أمسكت يد بذراعه.
استدار بسرعة ووضع يده في جيبه. وقف رجلان خلفه ولكن الميدان الذي يعبره بدا لهما خاليا.
قبل أن يتمكن من الإمساك بمسدسه من نوع براونينج، قبض أحدهم على ذراعه الأخرى وتكلم أطول الرجلين.
سأله: «أنت أوجستس شميدت؟»
«هل أنت الآن في طريقك إلى اجتماع لمنظمة المائة الحمر؟»
اتسعت عينا السيد شميدت في ذهول حقيقي.
جاءته الإجابة سريعا: «أنا المفتش سيمبسون من سكوتلاند يارد، وسألقي القبض عليك.»
سأله الألماني: «بأي تهمة؟»
هز الرجل القادم من بادن كتفيه.
«لم أكن أعرف أن اعتناق الآراء جريمة في إنجلترا.»
دخلت سيارة مغلقة الميدان، وصفر أقصر الرجلين فاقترب السائق من المجموعة.
استدار الأناركي إلى الرجل الذي قبض عليه.
قال بغضب شديد: «أحذرك من أنك ستخضع للمساءلة من أجل هذا. لدي ارتباط مهم جعلتني أفوته بسبب حماقتك و…» قاطعه الرجل الطويل باقتضاب قائلا: «ادخل!»
دخل شميدت السيارة وأغلق الباب بقوة من خلفه.