Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
في عصر أحد الأيام المشمسة، وعبر مهرجان استعراضي على شاطئ البحر، سار رجل يحمل اسما يبعث على الكآبة يدعى ماجلتون، وقد بدت عليه علامات تجهم وعبوس ملائمة لاسمه. كان وجهه متجهما من القلق حتى بدا كحدوة حصان، وكانت مجموعات وصفوف الفنانين الترفيهيين العديدة المنتشرة على طول الشاطئ بالأسفل ينظرون إليه عبثا طلبا لتصفيقه. كان المهرجون ينظرون إليه بوجوههم البيضاء الشاحبة كضوء القمر — وكأنها بطون أسماك بيضاء ميتة — من دون أن يتمكنوا من تحسين حالته المزاجية؛ وكذلك الزنوج، بوجوههم الرمادية اللون بفعل طلائها بنوع من سخام داكن، فشلوا كرفقائهم المهرجين في شغل خياله بأشياء أكثر بهجة. كان الرجل يشعر بالحزن والإحباط. كانت ملامحه الأخرى، إلى جانب جبينه الأصلع المتغضن، منكمشة وغائرة؛ وكان في هذه الملامح قدر من الرقة تسبب في إضفاء مزيد من التناقض على ذلك الشيء الغليظ الذي كان يزين وجهه؛ ذلك الشيء هو شاربه العسكري الرائع والمنتفش، والذي بدا بصورة مثيرة للريبة كأنه شارب مزيف. قد يكون ذلك الشارب مزيفا بالفعل؛ وحتى لو لم يكن مزيفا، فقد يكون، من ناحية أخرى، اضطراريا. فربما أطلق شاربه على عجالة، بمحض إرادته، وربما كان إلى حد كبير جزءا من وظيفته التي يعمل بها، وليس جزءا من شخصيته.
فالحقيقة هي أن السيد ماجلتون كان يعمل محققا خاصا على نطاق محدود، وقد ارتسمت سحائب الحزن على وجهه بفعل خطأ كبير وقع في حياته المهنية؛ وعلى كل حال كان شعوره يرتبط بشيء أكثر سوداوية من مجرد امتلاكه لاسم يبعث على الكآبة. ربما كان — لسبب مبهم — يشعر بالفخر تجاه اسمه؛ إذ إنه سليل عائلة فقيرة لكنها بروتستانتية انفصالية محترمة تدعي أن لها صلة بمؤسس طائفة الماجلتونيين؛ وربما هو الرجل الوحيد حتى الآن الذي واتته الشجاعة الكافية ليظهر بهذا الاسم في تاريخ البشرية.
كان السبب الأكثر مشروعية لشعوره بالانزعاج (كما أوضحه هو على الأقل) هو أنه شهد لتوه جريمة قتل دموية لمليونير شهير، وفشل في أن يحول دون وقوعها، على الرغم من أنه استعان به مقابل خمسة جنيهات أسبوعيا ليحول دون وقوع هذه الجريمة؛ ومن ثم يمكننا تفسير حقيقة أن حتى الغناء الخفيف لبعض الأغاني المبهجة على الشاطئ قد أخفق في أن يملأه ببهجة الحياة.
ولذلك، كان ثمة آخرون على الشاطئ ممن قد يبدون تعاطفا أكبر مع قصته الدموية ومع تقاليد الماجلتونيين. كانت المنتجعات الساحلية هي الملاعب المختارة، ليس فقط للمهرجين الذين يسترعون الانفعالات العاطفية، ولكن أيضا للواعظين الذين يبدو أنهم يتخصصون عادة في أسلوب من الوعظ يتميز بالكآبة والعدوانية. كان هناك عجوز مزعج صخاب، لم يستطع أن يتجاهله؛ إذ كانت صيحاته تخترق الآذان، فضلا عن صرخاته الناطقة بنبوءة دينية طغت على أصوات آلات البانجو والصنوج. كان المبشر عجوزا طويلا مهلهل الثياب ويرتدي شيئا كقميص صوفي لصياد، لكن له سالفتين طويلتين غير ملائمتين لم ير مثيل لهما منذ اختفاء التأنق في الثياب والمظهر الذي ساد في أواسط العصر الفيكتوري. وكما هي عادة جميع الدجالين على الشاطئ في عرض شيء ما أمامهم — كما لو كانوا يبيعونه — كان الرجل العجوز يعرض شبكة صياد متآكلة ويبسطها على الرمال على نحو جاذب كأنها سجادة ملكية، لكنه يلفها بين الحين والآخر حول رأسه بطريقة عنيفة وإيماءة استثنائية كأنه أحد المجالدين الرومان المتسلحين برمح وشبكة وعلى استعداد لوضع الناس على أسنان الرمح الثلاثي. وربما كان ليقدم على ذلك بالفعل لو أنه يمتلك واحدا. كانت كلماته تشير دوما نحو العقاب؛ إذ لم يسمع المنصتون إليه شيئا سوى تهديدات بعقوبات تنزل بالجسد أو الروح، وقد انتابته الحالة المزاجية نفسها للسيد ماجلتون لدرجة أنه كان قريب الشبه بجلاد مجنون يخاطب حشدا من القتلة. وقد أطلق عليه الصبية اسم بريمستون العجوز، لكنه كان يتصف بصفات أخرى غريبة الأطوار بجانب تلك الصفات اللاهوتية البحتة. كان من بين هذه السمات الغريبة التسلق لدخول شبكة العوارض الحديدية تحت الجسر وإلقاء شبكته في الماء، ليعلن للجميع أنه يكسب قوته بالصيد، رغم أن رؤية أحدهم له وهو يصطاد سمكة أمر مشكوك فيه. لكن السائحين الدنيويين كانوا في بعض الأحيان ينخلعون من مكانهم لدى سماعهم لصوت يهددهم بالعقاب كأنه آت من سحابة رعدية في السماء، إلا أن الصوت في الواقع كان يأتي من مربض ذلك العجوز المهووس تحت السطح الحديدي حيث كان يجلس وهو يشع غضبا، بينما تتدلى من جانبي رأسه تلك السوالف المدهشة كأنها أعشاب بحرية رمادية.
كان بإمكان المحقق، على الرغم من ذلك، أن يتحمل بريمستون العجوز أكثر بكثير من تحمله للقس الذي كان من المقرر أن يلتقيه. ولكي نفسر هذا اللقاء الثاني الأكثر أهمية، ينبغي أن نشير إلى أن ماجلتون كان قد أظهر أوراقه كلها على الطاولة بعد تجربته الفريدة في أمر مقتل المليونير؛ فقد أفضى بقصته إلى الشرطة والممثل المتاح الوحيد للسيد براهام بروس المليونير القتيل؛ أي سكرتيره الأنيق السيد أنطوني تايلور. كان مفتش الشرطة أكثر تعاطفا معه من السكرتير، لكن نتيجة تعاطفه هذا كانت بطبيعة الحال آخر شيء يمكن لماجلتون أن يربطه بنصيحة شرطية؛ فقد أثار المفتش، بعد قدر من التفكير والتدبر، دهشة السيد ماجلتون كثيرا حين نصحه بالتشاور مع شخص ماهر كان يعرف أنه يمكث في المدينة. وقد قرأ السيد ماجلتون تقارير وقصصا عن خبير علم الجرائم العظيم، الذي يجلس في مكتبته كأنه عنكبوت مثقف، فيغزل خيوطا نظرية من شبكة كبيرة بحجم العالم. وكان ماجلتون مستعدا للذهاب إلى القصر المنعزل حيث يرتدي ذلك الخبير رداء أرجواني اللون، والصعود إلى أعلى غرفة في القصر حيث يعيش الرجل على تعاطي الأفيون ودراسة علم الأكروستكس، أو الذهاب إلى معمله أو برجه المنعزل، لكن ما أصابه بالدهشة أنه قد اقتيد إلى حافة الشاطئ المزدحم بجوار الرصيف البحري، ليجد نفسه يلتقي قسا ضئيل الحجم قصيرا وبدينا، يرتدي قبعة عريضة وعلى وجهه ترتسم ابتسامة أكثر اتساعا، وكان في تلك اللحظة يتقافز على الرمال مع مجموعة من الأطفال المساكين، ويلوح في حماس بمجرفة خشبية صغيرة للغاية.
حين انفصل القس خبير علم الجرائم — الذي اتضح أنه يحمل اسم براون — أخيرا عن الأطفال — رغم أنه لم ينفصل عن المجرفة التي في يده — بدا لماجلتون غير مقنع أكثر وأكثر؛ فقد أخذ القس يتجول بدون توقف بين العروض الجانبية السخيفة، ويتحدث في موضوعات عشوائية ويمارس الألعاب على الماكينات الآلية الموجودة في هذه الأماكن؛ فكان ينفق القرش تلو الآخر على ألعاب الجولف وكرة القدم والكريكيت الآلية التي تدار عن طريق دمى تعمل بمحركات زنبركية؛ وفي النهاية اكتفى بممارسة لعبة السباق المصغر، حيث تقفز دمية حديدية وتجري خلف دمية أخرى، لكنه كان يستمع بإنصات شديد إلى القصة التي رواها المحقق المهزوم على مسامعه. أما ما أثار أعصاب المحقق بحق، فهو قدرة القس على إخفاء ما تفعل يمينه بالقروش عن شماله.
قال ماجلتون في نبرة تنم عن نفاد صبره: «ألا يمكننا أن نذهب ونجلس في مكان ما. لدي خطاب ينبغي لك أن تراه، إذا أردت أن تعرف أي شيء عن هذه القضية.»
استدار الأب براون عن الدمى المتقافزة وأطلق تنهيدة، وذهب ليجلس مع رفيقه على مقعد حديدي مثبت على الشاطئ؛ حيث فتح رفيقه الخطاب وسلمه إياه في صمت.
وجد الأب براون الخطاب غريبا وغير مترابط. كان يعلم أن أصحاب الملايين لا يركزون دوما على الأخلاق وآداب السلوك، خصوصا حين يتعاملون مع التابعين لهم مثل المحققين، لكن كان يبدو أن ثمة شيئا في الخطاب يتخطى مجرد الأسلوب الفظ.
عزيزي ماجلتونلم أعتقد قط أنني سأحتاج في وقت ما إلى مساعدة من هذا النوع؛ لكنني جاد في المضي قدما في هذا الأمر. لقد زاد الأمر عن حد الاحتمال في غضون العامين السابقين. أعتقد أن كل ما أنت في حاجة إلى معرفته عن هذه القصة هو أنه يوجد وغد قذر هو أحد أقاربي، ويخجلني قول هذا. إنه يعمل مرابحا وأفاقا وطبيبا دجالا وممثلا وكل ما شابه ذلك، بل إنه تجرأ واستخدم اسم العائلة في تمثيله وادعى أن اسمه برتراند بروس. أعتقد أنه يعمل في وظيفة هنا في المسرح، أو أنه يبحث عن واحدة، لكن يمكنك أن تثق في كلامي حين أخبرك أن هذه الوظيفة ليست وظيفته الحقيقية. إن شغله الشاغل هو تعقبي والتخلص مني إلى الأبد إذا استطاع. إنها قصة قديمة وليس لأحد دخل بها؛ فقد كنا فيما مضى نتنافس ندين وكنا نتسابق لتحقيق طموحاتنا، وفيما يطلقون عليه الحب أيضا، ولكن أهو ذنبي أنه شخص بغيض وأنني ناجح فيما أقوم به؟ لكن ذلك الشيطان القذر يقسم إنه سيحقق النجاح في النهاية؛ وإنه سيطلق النار علي وسيهرب ﺑ… لا عليك. أعتقد أنه مجنون، لكنه في القريب العاجل سيحاول أن يصبح قاتلا أيضا. سأعطيك خمسة جنيهات في الأسبوع إذا قابلتني في البيت الخشبي عند نهاية الرصيف البحري بعد إقفال الرصيف الليلة، وإذا ما قبلت بوظيفتي. هذا هو المكان الآمن الوحيد الذي يمكننا أن نلتقي به، هذا إذا تبقى شيء آمن في هذه الأثناء.جاي براهام بروس
قال الأب براون بنبرة معتدلة: «اعذرني. إنه خطاب مكتوب على عجل نوعا ما.»
أومأ ماجلتون برأسه إيجابا؛ وبعد أن صمت برهة بدأ يروي قصته بكلمات لبقة بصورة غريبة تتناقض مع مظهره الأخرق. كان القس يعلم تماما هوايات الثقافة المستترة لدى الكثير من رجال الطبقة الدنيا والوسطى الكثيري الأخطاء، لكنه رغم ذلك اندهش من اختياره الممتاز للكلمات الدقيقة؛ إذ تحدث الرجل بلغة، كأنها لغة كتاب مقروء.
«وصلت إلى البيت المستدير الصغير في نهاية الرصيف قبل ظهور أي علامة تدل على وصول عميلي المميز. ففتحت الباب ودخلت، وأنا أعرف أنه كان سيرغب في أن أكون أنا — وكذلك هو — غير لافتين للأنظار قدر الإمكان. ولم يكن ذلك بالأمر المهم؛ إذ كان الرصيف طويلا للغاية بحيث لا يمكن لأحد ممن هم على الشاطئ أو في المهرجان أن يرانا، وحين رمقت الساعة بعيني، رأيت أن مدخل الرصيف في ذلك الوقت كان قد أغلق بالفعل. كان في حرص الرجل على أن نصبح وحدنا في ذلك اللقاء هكذا إرضاء لغروري إلى حد ما؛ إذ إنه بذلك يظهر أنه يعتمد على مساعدتي أو حمايتي له. على كل حال، كانت فكرته هي أن نلتقي على الرصيف البحري بعد وقت إغلاقه؛ لذا لبيت له طلبه قدر استطاعتي. كان هناك كرسيان داخل ذلك الكوخ المستدير الصغير، أو أيا كان ما تطلقون عليه؛ فجلست على أحدهما ببساطة وانتظرت. ولم يكن علي الانتظار طويلا؛ فقد كان الرجل مشهورا بدقة مواعيده، وكما هو متوقع، وبينما رفعت نظري إلى تلك النافذة الصغيرة الوحيدة المواجهة لي رأيته وهو يمر ببطء، كما لو كان يقوم بجولة تمهيدية حول المكان.
كنت قد رأيت بعض الصور لوجهه فقط، وهذا منذ زمن بعيد؛ ومن الطبيعي أن يبدو أكبر سنا مما كان عليه في الصور، لكن لم يكن ثمة خطأ في الشبه. كان المظهر الجانبي للشخص الذي مر أمام النافذة شبيها بالنسر، كأن له منقار نسر، لكنه يوحي بنسر وقور عجوز؛ نسر في حالة سكينة، نسر طوى جناحيه منذ زمن طويل، لكن لم يكن هناك خلط أو خطأ في مظهره السلطوي، أو كبريائه الصامتة أثناء إعطائه الأوامر، وهي أشياء تصاحب دوما الرجال مثاله الذين يديرون أنظمة كبيرة ويتمتعون بطاعة من حولهم. ومما أمكنني رؤيته، كان الرجل يرتدي ملابس هادئة ليس بها أي بهرجة، خصوصا مقارنة مع حشود السياح على الشاطئ، وقد رأيت منهم الكثير في ذلك اليوم، لكنني رأيت أن معطفه كان راقيا بصورة زائدة إذ كان مصمما ليتبع خطوط جسمه، وبه شريط من فرو الحملان الصغيرة يظهر على طية صدر السترة. رأيت كل هذا بالطبع في نظرة واحدة، وبعدها نهضت على قدمي وتوجهت نحو الباب. ثم مددت يدي وتلقيت المفاجأة الأولى لي في ذلك المساء المريع؛ إذ كان الباب موصدا بعد أن حبسني أحدهم في الداخل.
وقفت مذهولا للحظة، وكنت ما زلت أحدق في النافذة المستديرة، التي مر المظهر الجانبي للرجل من أمامها؛ ثم رأيت تفسير ما حدث فجأة؛ فقد رأيت المظهر الجانبي لرجل آخر يشبه كلاب الصيد، وقد ظهر في مجال الرؤية كما لو كان صورة في مرآة مستديرة. فعرفت من هو هذا الشخص في اللحظة التي رأيته فيها. كان هو المنتقم؛ القاتل، أو القاتل المنتظر، الذي تتبع المليونير العجوز لوقت طويل في البر والبحر، كما تبعه الآن إلى هذا الطريق المسدود عند الرصيف الحديدي الذي يربط بين البحر والبر. وعرفت بالطبع أن القاتل هو من أوصد الباب.
كان الرجل الذي رأيته أولا طويلا، لكن الرجل الثاني الذي يطارده كان أطول منه؛ وهو شيء لم تخف حدته إلا بأن الرجل الثاني يملك كتفين مرتفعتين للغاية ومحدبتين، وكان عنقه ورأسه مدفوعين للأمام فبدا شبيها بكلب الصيد والمطاردة. وقد منحه أثر تلك التركيبة مظهرا بدا فيه كأنه عملاق أحدب الظهر، لكن كان ثمة شيء من صلة دم بين ذلك المتوحش وقريبه المشهور؛ إذ بدا ذلك على مظهريهما الجانبيين بينما كانا يمران أمام زجاج النافذة المستدير. فكان المطارد يمتلك أيضا أنفا يشبه منقار طائر؛ رغم أن مظهره العام من الانحطاط والتردي كان يشير إلى أنه أقرب الشبه إلى العقاب الأجلح منه إلى النسر. لم يكن الرجل حليق الذقن لدرجة الالتحاء، وازداد التحدب في كتفيه بفعل لفائف من وشاح مصنوع من الصوف الخشن. كل هذه مجرد أشياء تافهة، ولا يمكن أن تقدم أي انطباع عن الطاقة الكريهة لهذا الرجل، أو عن الإحساس بالانتقام المشئوم في ذلك الرجل الأحدب الذي يجول في المكان. أرأيت من قبل تصميم ويليام بليك، الذي يطلق عليه باستخفاف في بعض الأحيان «شبح برغوث»، أو الذي يطلق عليه أيضا بوضوح أكبر في التعبير «رؤيا إثم الدم» أو شيئا من هذا القبيل؟ هذا النوع من الكوابيس الذي يعبر عن ذلك العملاق الخفي، بكتفيه المرتفعتين بينما يحمل سكينا وإناء. لم يكن هذا الرجل يحمل أيا منهما، إلا أنني رأيته يخرج مسدسا من لفائف وشاحه في المرة الثانية التي مر فيها من أمام النافذة وكان يمسكه بإحكام واتزان. كانت عيناه تتحركان وتلمعان تحت ضوء القمر بطريقة مخيفة للغاية؛ إذ تنظران للأمام والخلف كأنهما ضربات من البرق؛ فكان يبدو كأن بإمكانه أن يطلقهما من محجريهما كأنهما قرون مضيئة، تماما كما تفعل بعض الزواحف.
مر المطارد والطريدة ثلاث مرات تباعا خارج النافذة، وهما يدوران في دائرتهما الصغيرة، وذلك قبل أن أعي تمام الوعي الحاجة إلى القيام بشيء ما حيال ما يحدث، مهما كان جدواه. حاولت أن أفتح الباب بعنف؛ وحين رأيت بعد ذلك وجه الضحية غير الواعي رحت أضرب النافذة بغضب، ثم حاولت أن أكسرها، لكنها مصنوعة من زجاج مزدوج وعلى درجة عالية من الكثافة، كما كانت الفرجة بين الزجاجين عميقة للغاية فشككت في قدرتي على الوصول إلى النافذة الخارجية أصلا. على كل حال، لم يلحظ عميلي المبجل الضوضاء التي أحدثتها في الداخل ولم يلحظ إشاراتي، وراح الظلان الصامتان لقناعي الموت هذين يدوران حولي باستمرار، حتى شعرت بالدوار تقريبا كما شعرت بالغثيان. ثم توقفا عن الظهور فجأة. فانتظرت؛ وعلمت أنهما لن يظهرا مرة أخرى. علمت أن الكارثة قد وقعت.
لست في حاجة إلى أن أخبرك بالمزيد، يمكنك أن تتخيل تقريبا بقية ما حدث، حتى وأنا جالس هناك عاجزا، أحاول أن أتخيل ما حدث، أو ألا أتخيله. يكفي القول إنه خلال ذلك الصمت المريع حين اختفت وتلاشت جميع أصوات وقع الأقدام، لم يكن هناك سوى صوتين آخرين غير صوت تلاطم ماء البحر مع الصخور؛ كان الصوت الأول هو صوت طلقة مدوية؛ والثاني هو صوت ارتطام جسم بالماء، وكان الأخير أوهن من الأول.
قتل عميلي على بعد بضع خطوات مني، ولم أستطع أن أحرك ساكنا. لن أزعجك بما انتابني من مشاعر حيال ذلك، لكن حتى لو استطعت أن أتخطى جريمة القتل، فما زلت أواجه غموض اللغز.»
قال الأب براون بنبرة لطيفة للغاية: «أجل، أي لغز؟»
أجابه الآخر: «لغز هروب الرجل الآخر. ففي اللحظة التي دخل فيها الناس إلى الرصيف في الصباح التالي، كنت أنا قد تحررت من سجني وأسرعت نحو بوابات الدخول، لأسأل عن الذين غادروا الرصيف منذ فتحت البوابات. وبدون أن أزعجك بالتفاصيل، أقول لك إن الأبواب كانت أبوابا حديدية كبيرة للغاية على نسق غير عادي، ويمكن لها أن تمنع أي شخص من الخروج (أو الدخول) إلا حين تفتح. لم ير المسئولون هناك أحدا يشبه ولو من بعيد ذلك القاتل وهو يعود أدراجه في هذا الاتجاه. كان القاتل رجلا بارز الهيئة والملامح. وحتى إذا كان قد تنكر بطريقة ما، فلا يمكن له أن يخفي طوله الفارع أو أن يتخلص من ذلك الأنف البارز المتوارث في عائلته. ومن غير المرجح إلى أبعد حد أنه قد حاول السباحة إلى الشاطئ؛ لأن البحر كان هائجا للغاية، وبالتأكيد لا يوجد أي أثر لهبوطه على اليابسة. كما أنه — بطريقة ما — بعد رؤية وجه هذا الشيطان ولو مرة واحدة — فضلا عن ست مرات — أجد شيئا يمنحني قناعة تامة بأنه لم يغرق نفسه في لحظة انتصاره.»
أجابه الأب براون: «أفهم تماما ما تعنيه بكلامك هذا. أضف إلى ذلك أن هذا سيكون غير متسق مع نبرته في خطاب تهديده الأصلي، الذي وعد فيه نفسه بالاستفادة من كل شيء بعد ارتكابه الجريمة … قد تكون هناك نقطة أخرى من الأفضل أن نتأكد من صحتها. ماذا عن بنية الرصيف من أسفله؟ عادة ما تبنى الأرصفة بشبكة كبيرة من الدعامات الحديدية، يمكن لرجل أن يتسلق متنقلا بها كما يتنقل القرد بين أشجار الغابة.»
أجابه المحقق الخاص الآخر: «أجل، لقد فكرت في ذلك، لكن لسوء الحظ هذا الرصيف مشيد بنمط غريب من نواح عدة. إنه طويل بصورة غير معهودة، وتوجد أعمدة حديدية متشابكة مع عوارض حديدية أخرى، لكن هذه الأعمدة والعوارض بعيدة للغاية عن بعضها، ولا أرى أي طريقة يمكن بها لرجل أن يتنقل من واحدة إلى الأخرى.»
قال الأب براون وهو غارق في التفكير: «لقد ذكرت ذلك لأن هذا الرجل الغريب ذا السوالف الطويلة، هذا العجوز الذي يعظ الناس على الشاطئ، عادة ما يتسلق هذه الأعمدة إلى أقرب عارضة. وأظن أنه يجلس هناك ليصطاد حين يكون المد مرتفعا، ويا له من رجل غريب لكي يجلس ويصطاد.»
قال الأب براون بنبرة بطيئة، بينما عبث بزر في ملابسه وهو يحدق في الفراغ باتجاه المياه الخضراء الشاسعة اللامعة تحت آخر ضوء من أضواء المساء بعد المغيب: «في الواقع … لقد حاولت أن أتحدث إليه بطريقة ودودة؛ طريقة ودودة وليست مرحة كثيرا — إذا كنت تفهم قصدي — عن جمعه بين حرفتي الصيد والوعظ القديمتين، وأعتقد أنني أوضحت له المرجع الذي أتحدث عنه؛ ذلك النص الذي يشير إلى صيد الأرواح الحية. وما كان منه إلا أن قال بنبرة غريبة وحادة للغاية وهو يقفز عائدا إلى موضعه على العمود الحديدي: «حسنا، على الأقل أصطاد جثث الموتى».»
صاح المحقق وهو يحدق إليه: «يا إلهي!»
قال القس: «أجل، بدت لي ملاحظة غريبة ليبديها الرجل أثناء حديثه إلى غريب يلعب مع الأطفال على الرمال.»
بعد أن سادت لحظة صمت أخرى حدق خلالها المحقق في الأب براون، صاح الأول قائلا: «أنت لا تقصد أنك تعتقد أنه ليس له علاقة بجريمة القتل.»
أجابه الأب براون: «أعتقد أنه قد يسلط بعض الضوء عليها.»