Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
أقيم حفل راقص في منزل عائلة بينتلاند العريق؛ نظرا لأنه للمرة الأولى منذ ما يقرب من أربعين عاما تقدم شابة من العائلة إلى عالم مدينة بوسطن المحترم وإلى النخبة التي دعيت لحضور الحفل من مدينتي نيويورك وفيلادلفيا. ولهذا، زين المنزل العتيق بمصابيح وباقات من زهور أواخر فصل الربيع، وفي الردهة الفخمة البارزة المطلية باللون الأبيض، جلست فرقة زنجية، تخفيها الزهور على استحياء، لتعزف موسيقى صاخبة وماجنة.
كانت سيبيل بينتلاند في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت قد عادت مؤخرا من كليتها في باريس، التي كانت قد أرسلت إليها بالمخالفة لنصيحة أفراد أسرتها المحافظين، الذين تضم أوساط معارفهم، حسبما أشيع عنهم، أغلب أهل بوسطن. وكانت عمتها الكبرى، السيدة كساندرا سترازرس، وهي امرأة مهيبة، قد راجعت بنفسها قائمة الشبان المؤهلين — من أبناء العمومة والمعارف الذين يتمتعون بالوسامة ويمتلكون الثروة التي تليق بعائلة راسخة الثراء مثل آل بينتلاند. ومن أجل هذا الهدف أقيم الحفل الراقص ودعيت إليه البلدة بأكملها، من الشباب والشيوخ، النشطين والمقعدين، ممن بلغوا منتصف العمر وأرذله — لتحقيق هذا الهدف المنشود وتعزيز فكرة أن يثبتوا للعالم أن العائلة لم تفقد هيبتها بسبب افتقارها إلى الشباب بين صفوفها. وكان لهذه الهيبة فيما مضى انتشار في الأوساط الوطنية؛ إلا أنها كانت الآن قد تضاءلت حتى صار اسم بينتلاند مغمورا خارج منطقة نيو إنجلاند. بل ربما قيل إن القوم فروا من منطقة نيو إنجلاند وعائلة بينتلاند، تاركين إياها مهجورة وشبه منسية على جانب الطريق، الذي شهد تطورا جامحا شبه بربري بعيدا عن كل ما كانت تمثله عائلة بينتلاند والمنزل العريق.
وقد حرص جد سيبيل على وجود كميات وفيرة من الشامبانيا؛ وكانت توجد موائد عامرة بالسلطات والكركند البارد والساندويتشات والدجاج الساخن المقدم في أواني المآدب الحرارية. بدا الأمر وكأن عائلة ذات تاريخ طويل في الحرص والإقتار قد ضربت بكل مظاهر ضبط النفس عرض الحائط في لفتة شجاعة من إظهار الترف والبذخ.
ولكن بطريقة ما، بدا أن اللفتة فشلت في تحقيق الغرض منها. إذ بدت الموسيقى الزنجية جامحة وجريئة، لكنها اتسمت أيضا بالطيش مع منزل عتيق وعريق للغاية كهذا. واستهلك عدد قليل من الرجال وامرأة أو امرأتان، معروفون بولعهم بالشراب، كميات كبيرة جدا من الشامبانيا، ولكن لم يسفر ذلك إلا عن البلادة، وبالأحرى مزيج من البلادة وقنوط مميت نوعا ما. ولم يكن ثمة مجال للأثرياء والعظماء والرائعين والهمج في وجود السيد لونجفيلو اللطيف والسيدين الخالدين إيمرسون ولويل الذين كانوا قد جلسوا في غرف المنزل ذات مرة وتحدثوا عن الحياة. وفي إحدى الردهات، تحت مرأى صف من صور الأجداد الذين علت وجوههم نظرات التجهم والعبوس، بدا أن الموسيقى فقدت سمة الاسترسال؛ فهي لم تكن تنتمي إلى هذا العالم الأرستقراطي. وخارج محيط الحفل، عمت حالة من السكر بين الطلاب القادمين من كامبريدج؛ إلا أن البهجة غابت عن المشهد. سقطت الشامبانيا على الأرض المقفرة. وطغت حالة من الفتور على أجواء الحفل.
وعلى الرغم من أن الحفل أقيم بالأساس من أجل تقديم سيبيل بينتلاند إلى سوق العرائس والزواج لهذا العالم الصغير، فإنه كان أيضا بمثابة مناسبة لتقديم تيريز كاليندار التي كانت قد أتت من أجل قضاء فصل الصيف في منزل «بروك كوتيدج» الريفي عبر المروج الصخرية على الضفة الأخرى من النهر المقابل لمنزل عائلة بينتلاند؛ وكمناسبة لإعادة تقديم والدتها، وهي شخصية أكثر نشاطا وإثارة للإعجاب. كانت بلدة دورهام والريف المحيط بها مكانا مألوفا بدرجة كافية لها، فقد ولدت هناك وأمضت طفولتها على مرأى من البرج الخاص بدار اجتماعات بلدة دورهام. والآن، بعد غياب دام عشرين عاما، كانت قد عادت إلى عالم اعتبره أهلها — أهل طفولتها — غريبا وغير أرستقراطي. كان عالمها مليئا بأشخاص غريبي الأطوار، عالم بعيد عن منزل عائلة بينتلاند العتيق والهادئ والمنازل الحجرية الرائعة البنية اللون بشارع كومنويلث أفينيو وشارع بيكون ستريت. قطعا كانت هذه السيدة، سابين كاليندار، هي التي سرقت أضواء الحفل الراقص كلها؛ فبجوارها، لم تبد أي شابة من الشابات، سواء ابنتها أو حتى سيبيل بينتلاند نفسها، محط اهتمام كبير. كانت سابين محط اهتمام الجميع؛ محط اهتمام معارفها من فترة طفولتها لأن الفضول كان يعتريهم لمعرفة سبب غيابها لمدة عشرين عاما، ومحط اهتمام الغرباء؛ لأنها كانت أكثر شخصية فاتنة وآسرة في الحفل الراقص.
لم يكن السبب أنها أحاطت نفسها بالشباب المعجبين المتحمسين للرقص معها. فهي، على أي حال، امرأة في السادسة والأربعين من عمرها، ولم تكن تطيق الصبيان المتسكعين الذين تقتصر أحاديثهم على تهريب الخمور والنوادي الجامعية. وكان هذا نجاحا من نوع خاص، انتصارا للامبالاة.
كان أشخاص مثل العمة كاسي سترازرس يتذكرونها بصفتها شابة خجولة صعبة المراس عادية الملامح، ذات قوام جيد وشعر أصهب كان يوصف قبل عشرين عاما مضت ﺑ «شعر سابين المسكينة الأصهب البغيض». ففي تلك الأيام الخوالي، كانت فتاة مراهقة تعاني الأمرين في الحفلات الراقصة وحفلات العشاء، فتاة تتجنب الحياة الاجتماعية بجميع أشكالها وتفضل العزلة. والآن، ها هي قد عادت إليهم امرأة هيفاء في السادسة والأربعين من عمرها، بالقوام الرائع نفسه، والأنف الطويل ذاته والعينين الخضراوين المتقاربتين أكثر من اللازم؛ ولكنها امرأة ذات مظهر أخاذ وسلوك واثق لدرجة مكنتها بطريقة ما أن تطغى بحضورها حتى على الشابات الأصغر سنا والأجمل وتبطل تقريبا سحر الشابات الغريرات المرتديات التل الزهري والأبيض. وهي تتهادى في مشيتها من غرفة إلى أخرى، تحيي من كانوا يعرفونها في صغرها، وتخاطب أحد المعارف هنا وهناك، ممن تعرفت إليهم خلال حياة الترحال الغريبة والمستقلة التي عاشتها منذ انفصالها عن زوجها، كان في مشيتها غطرسة تخيف الشباب وتثير في نفوس الأفراد الأكبر سنا من مجتمع بلدة دورهام (جميع أبناء العمومة والمعارف والأقارب الذين يتعذر تحديد صلاتهم) شعورا بالحنق العميق. كانت يوما ما واحدة منهم، أما الآن فبدت مستقلة تماما عنهم، خائنة ضربت بجميع قواعد الحياة عرض الحائط، القواعد التي غرستها فيها العمة كاسي وغيرها من العمات وأبناء العمومة في تلك الأيام التي كانت فيها فتاة خرقاء عادية ذات شعر أصهب صارخ. كانت يوما ما تنتمي لهذا العالم الصغير الصارم، وها هي الآن قد عادت إليه — امرأة كان من المفترض أن تجر وراءها أذيال الخيبة ويتراجع مستواها الاجتماعي قليلا، إلا أنها لم تفعل هذا بطريقة أو أخرى، مما أثار غيظ الآخرين. فبدلا من ذلك، كانت «شخصية» يسعى وراءها الكثيرون في الحياة، تحيط بها هالة غامضة من الاعتزاز بالنفس كتلك التي تحيط بمثل هؤلاء الأشخاص — باختصار، امرأة قادرة على انتقاء أصدقائها من الأوساط المميزة بل حتى من أوساط المشاهير. أثارت الاهتمام بل والاستياء في النفوس، ليس فقط لأن هذا كان حقيقيا، وإنما لأن أشخاصا مثل العمة كاسي كانوا يعرفون أنه حقيقي. لقد أدارت ظهرها لهم جميعا ولم ينل منها القدر المشئوم؛ وإنما أحكمت قبضتها على حياتها وحققت فيها نجاحا مدهشا، بل وبراقا؛ وهو أمر لا يغتفر بسهولة.
وبينما كانت تتجول عبر الغرف الكبرى — في غاية الكمال والمثالية من قمة شعرها الأصهب، اللامع والمصفف على نحو رائع، وحتى أطراف حذائها الفضي — كان يحيط بها جو من الاعتداد بالنفس والثقة يتجليان في كمالها الذي وصل إلى حد الغطرسة. وكان يشع إشراق وجمال من فستانها الأخضر اللامع والسلسلة الألماس الرفيعة التي طغت على الأخريات جميعا، وهو ما جعل أغلب النساء بجانبها يبدون في مظهر رث ورديء. ولا شك أن حضورها أدى أيضا إلى تهدئة جو المرح. وكان المرء يعرف، من النظرة البادية في العينين الخضراوين المحتقرتين والابتسامة الصفراء الساخرة على الشفاه المطلية باللون الأحمر الصارخ، أنها كانت مدركة للتأثير الذي أحدثته وسعيدة بالانتصار الذي حققته. فأينما ذهبت، كان يرافقها دوما رجل كانت قد تخيرته كأنها تسدي إليه معروفا، تسبقها لمحة من الإثارة. كانت بالفعل بغيضة جدا …
ولو كانت لديها منافسة من بين الحضور الذين كانوا يملئون أرجاء المنزل العتيق، لكانت أوليفيا بينتلاند — والدة سيبيل — التي كانت تتجول في المكان، بمفردها أغلب الوقت، تعتني بضيوفها، وهي تعي تماما أن الحفل الراقص لم يكن على المستوى الذي كان ينبغي أن يكون عليه. لم يكن ثمة شيء صارخ أو لافت بخصوصها، لا شيء متلألئ بشدة كفستان سابين كاليندار الأخضر وماساتها وشعرها الأصهب اللامع؛ وإنما كانت امرأة ناعمة، ذات طابع رقيق ومتزن؛ غزا جمالها الغامض الآخرين على نحو أبطأ وبمكر أكبر. لن تلاحظها على الفور وسط جموع الضيوف؛ وإنما تدرك وجودها تدريجيا، كما لو كان لحضورها تأثير يجتاحك بغموض كعطر ينتشر في الأجواء. وفجأة تدرك وجودها بين الآخرين … بشعور من الإثارة الخافتة … بوجه أبيض شاحب، يحيط به شعر أسود ناعم مشدود للوراء فوق الحاجبين معقوص في عقدة صغيرة عند مؤخرة رأسها. وتلاحظ العينين الزرقاوين الصافيتين الصريحتين، اللتين تبدوان تحت بعض الأضواء أقرب إلى السواد، ولاحظ معظم الحاضرين أنها عندما تتحدث، يخرج صوتها خفيضا ودافئا، بطريقة شديدة الإغواء، صوت له مائة درجة لون. وكان لديها أيضا أسلوب في الضحك، عندما تذهلها سخافة شيء ما، أشبه بضحكة طفل. ويراها المرء على الفور سيدة مجتمع عظيمة. ومن المستحيل أن تصدق أنها شارفت على الأربعين من عمرها وأنها أم سيبيل وصبي في الخامسة عشرة من عمره.
جعلتها الظروف وحكمتها الخاصة امرأة تبدو هادئة وخجولة وتتحاشى لفت الأنظار إليها. كانت تتمتع بأسلوب خاص لإنجاز المهام بدون جهد يذكر، وبهدوء هائل، ومع ذلك، يشعر المرء، بعد أن يعرفها، أنها تغفل عن قليل مما يحدث على مرأى أو مسمع منها؛ ليست فقط الأشياء الواضحة التي ربما كان سيلاحظها أي شخص غبي؛ وإنما أيضا التوجهات الخفية والمبهمة التي تنتقل من شخص إلى آخر. ويبدو أنها كانت تتمتع بموهبة مدهشة تتمثل في القدرة على تسوية المشكلات. كانت تكتنفها وتحيط بها حالة من الطمأنينة، تلك الطمأنينة التي عادة ما تميز أولئك الذين يعانون من درجة مفرطة من الوعي، مما جعلها تميل إلى تهدئة العالم المضطرب من حولها. ومع ذلك، كانت محيرة، أيضا، بطريقة غريبة وغامضة. كانت تحيط بها دوما عزلة وغموض، طبيعة أقرب إلى غرابة الأطوار. ولم يكن يتولد شعور باهت بعدم الارتياح لدى المرء — الذي يكتنفه هدوء حضورها اللطيف — إلا بعد أن يكون قد عرفها لفترة طويلة. وقد يخطر على بالك، بدهشة تقترب إلى حد الصدمة، أن المرأة التي تراها أمامك، تلك المرأة الرقيقة جدا والهادئة جدا، ليست أوليفيا بينتلاند مطلقا؛ وإنما دمية تخفي، وراء قناع الجاذبية، امرأة لا تعرفها مطلقا، امرأة منعزلة وحزينة وربما أيضا وحيدة. في نهاية المطاف، كانت تبعث في نفس الشخص الكيس الفطن كدرا أعمق بكثير مما كانت تبعثه سابين كاليندار المتألقة والبغيضة.
وسط ضجيج الحفل الراقص وصخبه، كانت قد أخذت تتجول هنا وهناك، وكانت الآن في هذه الغرفة الكبيرة، وفي تلك الغرفة، وقفت تتحدث بهدوء إلى ضيوفها، وتراقبهم، وتتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام؛ ومثل الآخرين جميعهم، كانت منبهرة بمشهد تمرد سابين وانتصارها، بل ربما أعجبها قليلا التحدي الصبياني لامرأة في السادسة والأربعين من عمرها، تتحلى بالذكاء والاستقلالية بل والتميز أيضا، وليست بحاجة إلى أن تتجشم عناء التباهي بنجاحها.
وهي تراقب سابين، التي كانت تعرفها معرفة وثيقة بالقدر الكافي، كانت قد خمنت أن أسفل تلك القشرة الخارجية، التي صممها بروعة مصفف الشعر ومصمم الأزياء والجواهري، تقبع فتاة خرقاء صهباء الشعر تثأر لنفسها الآن، متجاهلة تماما جميع الأحكام المسبقة والعادات والتقاليد التي يحرص عليها أشخاص مثل العمة كاسي وجون بينتلاند وابن العم سترازرس سمولوود، الحاصل على دكتوراه في اللاهوت، والذي تطلق عليه سابين دوما «حواري الطبقة الأرستقراطية». خطر لأوليفيا أن الأمر أشبه بأن سابين، حتى بعد فترة نفي دامت لمدة عشرين عاما، كانت لا تزال تخشاهم وتخشى تلك السلطة الفضولية الغاشمة التي يمثلونها.
كانت تعرف أن سابين كانت، مع ذلك، تراقب الحفل في الوقت نفسه. كانت قد شاهدتها طوال الأمسية في حالة من «الاستغراق» في تفاصيله؛ وأدركت أنه حين تأتي سابين في اليوم التالي قادمة من منزل «بروك كوتيدج»، ستكون على علم بكل ما حدث في الحفل الراقص، لأن لديها شغفا يدفعها إلى تقصي أمور الحياة من حولها. فخلف قناع اللامبالاة الجامد يتأجج اهتمام دائم وشغوف بتشابكات وتعقيدات العلاقات الإنسانية. وصفت سابين بنفسها الأمر ذات مرة بأنه «لعنة القدرة على التحليل التي تسلب المرء جميع لذات الحياة.»
كانت مولعة بسابين باعتبارها إنسانة فريدة وسط عالم تجاربها الشخصية، إنسانة مسلية تعشق الحقيقة والواقع. وتتمتع بالقدرة على توجيه عقلها (وهو عقل رائع حقا) نحو المواقف المتشابكة والميئوس منها فتحللها بطريقة أو أخرى إلى عناصرها المناسبة وتجعلها تبدو فجأة واضحة وبسيطة، وبغيضة في كثير من الأحيان؛ لأن الحقيقة ليست دوما شيئا لطيفا وممتعا.
لم يعان أحد من عودة سابين منتصرة أكثر من العمة كاسي الكئود. فبطريقة ما، كانت تنظر دوما إلى سابين، حتى خلال السنوات الطويلة لمنفاها الاختياري بعيدا عن مباهج بلدة دورهام، باعتبارها تقع ضمن ممتلكاتها الخاصة، على نحو يشبه كثيرا نظرتها إلى كلب، لو كان في مقدور السيدة العجوز أن تحتمل من الأساس صحبة كائن فوضوي مثل الكلب. ونظرا لأنها لم تنجب أولادا، كانت قد طبقت جميع نظرياتها عن التربية على ابنة شقيق زوجها اليتيمة المسكينة.
في تلك اللحظة، جلست السيدة العجوز في منتصف درج السلم الأبيض، تتفحص بعينيها السوداوين الثاقبتين الحفل الراقص بنظرة يشوبها استنكار مستتر. جعلتها الموسيقى الصاخبة تشعر بالتوتر والضيق، وبدت لها الطريقة التي كانت الشابات تضع بها مساحيق التجميل والبودرة رخيصة ومبتذلة. قالت في نفسها مستنكرة: «ربما تقدم إحداهن أيضا على غسل أسنانها هنا على مائدة العشاء.» ظلت تقارن، في سريرتها، كل شيء في هذا الحفل بالحفل الراقص الذي أقيم لها قبل أربعين عاما، وهي مناسبة كانت قد أسفرت في النهاية عن الإيقاع بالسيد سترازرس في حبائلها. بثياب سوداء متواضعة (إذ كانت ترى أن العيش على عائد دخلها الخاص هي مسألة شرف) حدادا على زوجها المتوفى قبل ثماني سنوات، كانت أشبه بأنثى غراب وقورة، ولكن متذمرة قليلا، تقف على سياج.
لاحظت سابين أن العمة كاسي و«رفيقتها»، الآنسة بيفي، في جلوسهما معا على درج السلم، تبدوان وكأنهما أنثى غراب وحمامة نفاخة. لم تكن الآنسة بيفي بدينة وحسب، وإنما في الحقيقة كانت أيضا منتفخة؛ كانت من أولئك السيدات اللاتي يملن بطبيعتهن إلى «السمنة»، اللاتي من شأنهن أن يتصفن بالبدانة ولو اتبعن نظاما غذائيا شحيحا قائما على نشارة الخشب والماء المقطر فحسب؛ وكانت قد ظهرت في حياة الأسرة قبل ثلاثين عاما بوصفها رفيقة، أو بالأحرى أمة، مهمتها تسلية العمة كاسي أثناء فترة اعتلالها الطويلة. وظلت في مكانتها هذه منذ ذلك الحين، لتحل محل زوج غيبه الموت وأطفال لم يولدوا.
كان ثمة شيء طفولي بشأن الآنسة بيفي — يقول البعض إنها ليست ذكية جدا — لكنها كانت تناسب العمة كاسي تماما؛ إذ كانت منقادة كالأطفال ومعتمدة عليها اعتمادا كليا من الناحية المالية. وكانت العمة كاسي تمنحها ما يكفي من المال لتعويض الخسائر التي تكبدتها بسبب الاحتفاظ بمتجر صغير في بوسطن مخصص لبيع الفخاريات «الفنية». كانت الآنسة بيفي سيدة راقية، ورغم كونها معدمة، فقد كانت ذات «علاقات وطيدة» في بوسطن. وفي الستين من عمرها، كانت قد صارت ثقيلة جدا على نحو لا يتناسب مع قدميها الصغيرتين الشبيهتين بسيقان الطيور، ولذا كانت قليلة الحركة جدا. في هذه الليلة كانت ترتدي فستانا أنيقا جدا مغطى بالدانتيلا والترتر والشرائط المزركشة، كان بالأحرى على موضة أيام صباها الخوالي، كما قال لها أحدهم. كان شعرها مشوبا بخصلات رمادية ومقصوصا قصة قصيرة شعثاء غير متساوية؛ ولكن ليس لأن الشعر القصير أنيق؛ وإنما لأنها قصته قبل أن يسمع أحد عن موضة الشعر القصير بعشر سنوات، في بادرة مفاجئة وغير مجدية للتحرر في اللحظة المروعة التي قامت فيها بمحاولتها الوحيدة المتكاسلة للهروب من العمة كاسي وعيش حياتها الخاصة. وعادت في النهاية، بعد أن نفدت مدخراتها الهزيلة وتعرضت للإفلاس، لتستقبلها العمة كاسي بتنهدات وقور وارتجاف وكأنها ابنة ضالة تائبة عائدة إلى أحضانها. وفي غمار هذا الدور، عاشت منذ ذلك الحين في حالة من الخضوع التام. كانت الآن صنيعة العمة كاسي؛ تذهب حيثما تأمرها العمة كاسي، وتفعل ما تؤمر، وتكون أذنا صاغية لها حين لا يوجد أحد أجدر بالتحدث معه.
عندما رأت سابين، بفستانها الأخضر وشعرها الأصهب، تتحرك عبر الردهة الكبيرة أسفلهما، قالت العمة كاسي، وفي عينيها ومضة: «تبدو سابين قلقة على ابنتها. لا يبدو أن المسكينة تحقق نجاحا، ولكن أظن أنه لا عجب في ذلك. فالمسكينة عادية جدا. أظن أنها أخذت البشرة الشاحبة من أبيها. كان نصف يوناني ونصف فرنسي … لم تكن سابين محبوبة مطلقا في صباها.»
وللمرة المائة، انهمكت في تكهنات مبنية على معرفتها الضئيلة للظروف المحيطة بزواج سابين التعيس وطلاقها، مستجمعة فتات المعلومات من هنا وهناك لتضيف إليها مجموعة متنوعة من التكهنات الأخرى والكثير من عبارات التقوى والورع؛ إذ بدا في معرض حديث العمة كاسي أن الرب ضالع في كل شيء. فللرب طريقة في توزيع المحن والمنح عشوائيا؛ ومن ثم يصير في النهاية مسئولا عن كل شيء.
قطعا، صارت تحقد قليلا على سابين؛ إذ ظلت عالقة في ذهنها ذكرى لقاء بينهما، جرى قبل يوم أو يومين، عندما اضطرت إلى الانسحاب تماما. فنادرا ما كانت العمة كاسي تلتقي بأي شخص يضاهيها، وعندما حدث هذا اللقاء، اعتملت ذكراه في قلبها حتى وجدت وسيلة لكبح المعتدي. مع الآنسة بيفي، كانت صريحة تماما، فعلى مدار خدمتها الطويلة، تحولت هذه العذراء المسنة السمينة إلى ما يشبه كاهن اعتراف، في حضرته تخلع العمة كاسي جميع الأقنعة. كانت تقول دوما: «لا تعبأ بالآنسة بيفي. فهي ليست ذات أهمية.»
وكانت تقول: «أرى سابين مثابرة ومحنكة للغاية. لم أعد أبدا أراها نفس الشابة المتواضعة التي تركتني قبل سنوات.» ثم تنهدت تنهيدة عميقة وأردفت قائلة: «ومع ذلك، يجب ألا نطلق الأحكام جزافا. أظن أن المسكينة قد عانت معاناة شديدة. إنني أشفق عليها من أعماق قلبي!»
وفي أحاديث العمة كاسي، بل وفي كل عبارة منها، كانت تظهر دوما نبرة متكلفة طفيفة كما لو أنها تسعى باستمرار إلى إضفاء طابع ميلودرامي على كل ما تقوله. فلا شيء تقوله ببساطة أبدا. وكل شيء يؤثر فيها تأثيرا مفرطا، يبلغ أعماق روحها، بداية من رؤية طنجرة القشدة الحامضة وحتى وفاة زوجها.
إلا أن هذا لم يستجلب أي استجابة من جانب الآنسة بيفي، التي بدت مستغرقة بحماس في مراقبة الشباب، وعيناها المستديرتان الصافيتان تلمعان عبر نظارتها الأنفية بلهفة من قضت حياتها بأكملها بصفتها «سيدة مرافقة». وفي لحظات كهذه، كانت العمة كاسي تشعر بأن الآنسة بيفي متواضعة الذكاء، وأحيانا كانت تصرح بذلك.
واستطردت تقول بثقة: «تبدو أوليفيا، الليلة، في حالة سيئة أيضا … مرهقة ومتعبة جدا. لا تعجبني تلك الهالات أسفل عينيها … لطالما راودتني فكرة أنها حزينة بخصوص أمر ما.»
غير أن الطبيعة المتقلبة للآنسة بيفي ظلت متوارية تماما أمام مشهد الشابات اللاتي اختلفن كثيرا عن الفتيات في أيام شبابها؛ وأمام المشهد الرائع للسيد هوسكينز، الجار الكهل البدين الرقيق الذي وقف ممسكا بكأس ممتلئة عن آخرها بالشامبانيا يتحدث بمكر إلى أوليفيا الصبورة. شرد ذهن الآنسة بيفي نفسها تماما في غمرة هذه الأجواء المرحة جدا. فلم تلاحظ النظرات التي تسددها العمة كاسي تجاهها — نظرات تقول بصراحة: «انتظري حتى أنفرد بك!»
لفترة طويلة ظلت العمة كاسي تفكر فيما أطلقت عليه «سلوك أوليفيا الغريب». وهو أمر كانت قد لاحظته العمة كاسي لأول مرة من شهر أو شهرين، حين شرعت أوليفيا، أثناء إحدى زيارات العمة الصباحية، في البكاء فجأة وبهدوء، ثم غادرت الغرفة بدون أدنى تفسير من جانبها. وكان الأمر قد تدهور مؤخرا من سيئ إلى أسوأ؛ إذ شعرت بأن أوليفيا كانت تتملص من جميع الضوابط في تحد مباشر لنصائحها الخيرة. ثم جاءت مسألة هذا الحفل بعينه. إذ كانت أوليفيا قد تجاهلت نصائحها بالاقتصاد والادخار، والآن كانت العمة كاسي تعاني، كما لو أن الشامبانيا التي تنساب من حولها بكل أريحية هي قطرات دماء تسيل من عروقها. لم تنفق مبالغ طائلة من أموال عائلة بينتلاند دفعة واحدة على متعة خالصة هكذا منذ اشترت سافينا بينتلاند عقدا من اللؤلؤ والزمرد قبل سنوات طويلة.
كما أنها كانت تستنكر نضارة وشباب أوليفيا وسابين. فامرأتان في عمرهما لا ينبغي أن تبدو عليهما النضارة والشباب هكذا. كان ثمة شيء مبتذل، بل وغير لائق بعض الشيء، في امرأة مثل سابين في السادسة والأربعين وتبدو في الخامسة والثلاثين من عمرها. ففي سن الثلاثين، كانت العمة كاسي نفسها قد استقرت في حال امرأة في منتصف العمر، ومنذ ذلك الحين لم تتغير كثيرا. فها هي في الخامسة والستين من العمر، «بلا ولد ووحيدة في هذه الدنيا» (إلا من الآنسة بيفي بالطبع)، كانت بقدر كبير نفس المرأة الثلاثينية التي لعبت دور زوجة «السيد سترازرس المتعب». كان التغيير الوحيد الذي طرأ عليها هو شفاؤها من حالة عجز جزئية، وهي معجزة تزامن وقت حدوثها مع وفاة السيد سترازرس.
لم تغفر أبدا لأوليفيا كونها دخيلة أتت من مدينة شيكاغو (من بين كل المدن) إلى شبكة الحياة المعقدة في منزل عائلة بينتلاند. ومنذ ذلك الحين تشابكت حولها خيوط من الغموض والتصق بها شعور واهن بالغربة. بالطبع، لم يكن متوقعا من أوليفيا أن تتمكن من أن تستوعب استيعابا كاملا ما يعنيه الزواج من عائلة ذات تاريخ متغلغل بعمق في تاريخ مستعمرة خليج ماساتشوستس والحياة في مدينة بوسطن. ماذا يعني لأوليفيا أن السيد لونجفيلو والسيد لويل والدكتور هولمز كثيرا ما كانوا فيما مضى يقضون أسابيع في منزل عائلة بينتلاند؟ وأن السيد إيمرسون نفسه كان فيما مضى يأتي إلى هنا لقضاء عطلات نهاية الأسبوع؟ ومع ذلك (كما اعترفت العمة كاسي لنفسها)، كانت أوليفيا قد أبلت على نحو ملحوظ بلاء حسنا. كانت من الحكمة بما يكفي لأن تراقب وتنتظر ولا تمضي في نثر الحماقات في طريقها.
وفي وسط هذه الأفكار، ظهرت أوليفيا بنفسها في المشهد، متجهة نحو السلم، تسير بجوار سابين. كانتا تضحكان على شيء ما، سابين بطريقتها الماكرة والساخرة، وأوليفيا بضحكتها الخبيثة، وبلمعة مريبة في عينيها. غمر العمة كاسي شعور بغيض بأنهما كانتا تتشاركان بعض النكات بخصوص الحاضرين للحفل؛ بل وربما بخصوصها هي نفسها والآنسة بيفي. شعرت بأن أوليفيا ازدادت غرابة وتمردا منذ عودة سابين؛ ومع ذلك، اعترفت لنفسها بأن ثمة فارقا بين الاثنتين. كانت تفضل طابع الهدوء الذي يميز أوليفيا على الانطباع العنيف الذي تتركه سابين المتألقة. استشعرت السيدة المسنة الاختلاف، ولكن نظرا لانتمائها إلى جيل عاش على العواطف لا على التحليلات، لم تتوصل إلى كنه هذا الاختلاف. فلم تكن ترى أن المرء ينتابه عند رؤية أوليفيا شعور يجعله يقول في نفسه: «ها هي سيدة راقية!» — ربما كانت، بالمعنى الحقيقي للكلمة، السيدة الراقية الوحيدة بالغرفة. كان ثمة جانب من اللطف والرقة فيها وقدر من الاتزان الذي يدعو إلى الفخر — وجميعها سمات مستحبة من جانب العمة كاسي؛ أما ما كان يضايق السيدة المسنة فهو جو الغموض الذي كان يحيط بها. فلم يكن يمكن للمرء أن يعرف يقينا ما الذي تفكر فيه أوليفيا. كانت رقيقة للغاية وتنطق بحلو الكلام. وأحيانا في الآونة الأخيرة، كانت العمة كاسي تتراجع في جزع عندما تبالغ في الضغط على أوليفيا انطلاقا من إدراكها بأن ثمة شيء خطير يتعذر تحديده في طبيعة السيدة الأصغر سنا.