Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان اليوم الذي وصل فيه السيد ريدر إلى مكتب النائب العام يوما مصيريا بالنسبة إلى السيد لامتون جرين، مدير أحد فروع بنك لندن سكوتيش آند ميدلاند.
يقع الفرع الذي يديره السيد جرين على ناصية شارع بيل المتفرع مع شارع فيرلينج في بلدة إيلينج. الفرع عبارة عن مبنى كبير — على خلاف الفروع في الضواحي — وخصصت المنشأة بالكامل للخدمات البنكية؛ لأن البنك يتعامل مع عدد هائل من عمليات الإيداع، ومن تلك العمليات كشف الرواتب لعدد ثلاثة آلاف موظف لدى شركة لونار تراكشن، وعمليات الإيداع من شركة أسوشييتد نوفالتيز التي تحقق مبيعات هائلة، وشركة لارافون؛ وهذه الشركات ليست سوى ثلاثة من عملاء بنك لندن سكوتيش آند ميدلاند.
تحضيرا لأيام صرف المرتبات الخاصة بتلك الشركات، يؤتى بمبالغ كبيرة في أيام الأربعاء بعد الظهيرة من المقر الرئيسي، وتودع تلك المبالغ في الغرفة المنيعة المصنوعة من الفولاذ والخرسانة، وتقع تلك الغرفة أسفل المكتب الخاص للسيد جرين، ولكن لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا عبر باب فولاذي في المكتب العام. بإمكان الواقف في الشارع أن يرى هذا الباب؛ وتسهيلا للمراقبة، وضع مصباح عاكس للضوء فوق الباب مباشرة، ومن ثم يلقي بإضاءة قوية على الباب. وللمزيد من إجراءات الأمان، عين حارس ليلي، وهو عسكري متقاعد اسمه آرثر مولينج.
تتم حراسة البنك بشكل صارم من قبل الشرطة؛ حيث يمر الشرطي المكلف بالحراسة على البنك كل أربعين دقيقة. ومن عادة الشرطي أن ينظر عبر النافذة ويتبادل الإشارات مع الحارس الليلي؛ إذ كانت التعليمات أن ينتظر حتى يظهر مولينج.
في ليلة السابع عشر من أكتوبر، وقف الشرطي بيرنت كعادته أمام فتحة المراقبة الواسعة ونظر إلى داخل البنك. وأول شيء لاحظه هو انطفاء المصباح فوق باب الغرفة المنيعة. لم ير الشرطي الحارس الليلي؛ ومن ثم بدأ الشك ينخر بداخله، ولم ينتظر حتى يظهر الرجل نفسه كما يفعل عادة، بل تجاوز النافذة ووصل إلى الباب وفزع لما وجده مواربا. دفع الباب وفتحه ودخل إلى البنك ونادى على مولينج باسمه.
تخللت الهواء رائحة خافتة حلوة لم يستطع تحديد مكان انبعاثها. كانت المكاتب العامة خالية، ولما دخل إلى غرفة المدير التي كان ثمة ضوء يشع منها، رأى شخصا ممددا على الأرض. كان الحارس الليلي. وجده مكبل اليدين ومشدود الوثاق من الركبتين والكاحلين بشريطين.
بات مصدر انبعاث الرائحة الغريبة والخافتة واضحا الآن. إنها تنبعث من علبة صفيح قديمة معلقة أعلى رأس الرجل الممدد على الأرض وممسوكة بسلك مثبت في إطار صورة، قعر العلبة مثقوب بحيث تتساقط قطرات من سائل متطاير على الفوطة القطنية التي تغطي وجه مولينج.
أصيب بيرنت بجروح في الحرب؛ ولذا تعرف على الفور على رائحة الكلوروفورم، ولما سحب الرجل الفاقد للوعي إلى المكتب الخارجي، نزع الفوطة من فوق وجهه ولم يتركه إلا للاتصال على قسم الشرطة، وحاول إفاقته ولكن دون جدوى.
وصلت تعزيزات الشرطة في غضون دقائق، وأتى معهم جراح القسم، ولحسن الحظ أنه كان في القسم حين ورود البلاغ. باءت كل محاولات إنقاذ حياة الرجل البائس بالفشل.
أصدر طبيب الشرطة قراره قائلا: «من المحتمل أنه فارق الحياة قبل العثور عليه. ولا نعرف سر تلك الخدوش في راحة يده اليمنى.»
فتح قبضة يده وأرى الحاضرين ستة خدوش صغيرة. كانت حديثة، حيث كان هناك بقعة دم في راحة يده.
أرسل بيرنت على الفور كي يوقظ السيد جرين مدير البنك، الذي كان يقطن في شارع فيرلينج على الناصية التي يقع فيها البنك؛ كان الشارع يضم فيلات شبه منفصلة عن بعضها وبطراز مألوف لدى سكان لندن كثيرا. وبينما كان الضابط يعبر الحديقة الأمامية الصغيرة متجها إلى الباب، رأى الأضواء من خلال النوافذ، وما كاد يطرق الباب حتى فتح وظهر السيد لامتون جرين أمامه مرتديا ملابسه كاملة؛ ولما رآه الضابط، فطن إلى حالة الارتباك الشديد التي سيطرت عليه. رأى الشرطي بيرنت حقيبة كبيرة ودثارا وشمسية على الكرسي في الصالة.
لما أخبر بيرنت المدير الضئيل بما اكتشفه، استمع إليه والدم هارب من عروقه.
قال بصوت مرتجف: «أتقول سرق البنك؟ مستحيل! يا إلهي! هذا فظيع!»
كاد أن يخر منهارا لولا أن بيرنت سنده حتى نزل إلى الشارع.
ولما كان يسير في الطريق المظلم باتجاه البنك، تلفظ بعبارات غير متسقة قائلا: «نويت … نويت الذهاب في عطلة. الحقيقة هي … كنت أنوي ترك العمل في البنك. وتركت مذكرة تشرح الأسباب لمجلس الإدارة.»
دخل المدير إلى دائرة الأشخاص المشتبه بهم. فتح درج مكتبه ونظر فيه، ثم خر على الأرض.
قال وهو لا يكاد يتمالك نفسه: «إنها ليست هنا! تركتها هنا … مفاتيحي … مع المذكرة!»
أغمي عليه في ذلك الوقت. ولما أفاق الرجل، وجد نفسه في زنزانة بقسم الشرطة، وفي وقت لاحق من اليوم نفسه مثل أمام القاضي يسنده اثنان من رجال الشرطة، واستمع كأنه في حلم إلى تهمة التسبب في قتل آرثر مولينج بالإضافة إلى تحويل مائة ألف جنيه إسترليني إلى حسابه الخاص.
في صباح اليوم الأول من الحبس الاحتياطي، انتقل السيد جون جي ريدر — ممتعضا بعض الشيء لأنه يتشكك في جميع الإدارات الحكومية — من مكتبه الخاص في شارع لوار ريجانت إلى مكتب معتم بعض الشيء في الطابق العلوي من المبنى الذي يوجد به مكتب النائب العام. وكي يتم هذا التغيير، لم يشترط إلا شرطا واحدا وهو أن يتصل المكتب بخط هاتف خاص مع مكتبه القديم.
إنه لم يأمر بذلك، بل لم يأمر بشيء مطلقا. ولكنه طلب هذا بارتباك واعتذار. كان ثمة نوع من قلة الحيلة المؤسفة تسيطر على جون جي ريدر جعلت الناس يشعرون بالأسف نحوه، مما جعل النائب العام حتى تنتابه لحظات شك غير مريحة بشأن ما إذا كان قراره حكيما بما يكفي عندما استبدل هذا الرجل البادي الضعف الذي كان في منتصف العمر بالمفتش هولفورد الذي كان يتسم بالمراوغة والكفاءة والغموض الشديد.
كان السيد ريدر يتجاوز الخمسين بقليل، وكان رجلا مستطيل الوجه له شعر رمادي مائل إلى الأصفر، وبعض الشعر في جانبي وجهه مما يصرف الانتباه عن أذنيه الكبيرتين للغاية. يضع على منتصف أنفه نظارة أنفية ذات إطار فولاذي، ولم يره أحد ينظر من خلال هذه النظارة مطلقا، ودائما ما كان يزيلها حين يقرأ. يرتدي قبعة مستديرة ذات حائط طويل وتاج مسطح تتفق مع المعطف الطويل المحكم الأزرار عبر صدره القليل الشعر في بعض الأحيان ولا تتطابق معه في أحيان أخرى. حذاؤه مربع من عند الأصابع وربطة عنقه — ذات النمط العريض الواقي للصدر — جاهزة ومثبتة في مكانها خلف ياقة بطراز جلاديستون. أفضل شيء لدى السيد ريدر هو مظلته الملفوفة بإحكام بالغ، لدرجة أن من يراها يظن أنها عصا مشي رفيعة. وسواء في الجو المطير أو المشمس، يعلق مظلته في ذراعه ولا يفردها مطلقا حسبما يعيش في الذاكرة الحية.
التقى به المفتش هولفورد (الذي رقي الآن وتولى مسئوليات الحكمدار) في المكتب كي يسلمه واجباته ومجموعة من المتعلقات والأثاث القديم.
«سعدت بلقائك يا سيد ريدر. لم أسعد بهذا اللقاء من قبل، ولكني سمعت الكثير عنك. كنت تعمل لدى بنك إنجلترا، أليس كذلك؟»
همس السيد ريدر بأنه حظي بهذا الشرف، وتنهد وكأنه آسف على القدر الذي أبعده دون اكتراث عن الألغاز التي كانت تعج بها أعماله. كان تفكير السيد هولفورد المتأمل يعج بالهواجس والتخوفات.
قال بحرج: «هذه الوظيفة مختلفة، على الرغم من أنني أخبرت بأنك أحد أفضل المستنيرين في لندن، وفي هذه الحالة فسيكون العمل سهلا. ومع ذلك، لم يكن لدينا مطلقا محقق من خارج الإدارة … أعني محققا خاصا — إذا جاز التعبير — في المكتب من قبل، ومن الطبيعي أن تكون شرطة سكوتلاند يارد …»
علق السيد ريدر مظلته الأنيقة، وهمهم قائلا: «أفهم الأمر تماما. هذا طبيعي للغاية. توقع السيد بولوند التعيين. وغضبت زوجته … غضبا شديدا. ولكن ليس لديها سبب لذلك. إنها امرأة طموحة. لديها نصيب ثالث في نادي رقص في منطقة ويست إند، وربما يتعرض للمداهمة هذه الأيام.»
فوجئ هولفورد. فهذه الأخبار أكثر من مجرد شائعة يتهامس بها في شرطة سكوتلاند يارد.
قال مندفعا: «كيف تعرف هذه الأخبار يا رجل؟»