Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
ما بين شريط أفق الصباح الفضي ومياه البحر الخضراء المتلألئة، رسا المركب في ميناء هارويتش، وانطلق منه حشد من الناس كذباب كثيف، ولم يكن الرجل الذي يتعين علينا أن نتبعه واضحا وسط هؤلاء الناس على الإطلاق، ولا كان هو راغبا في أن يكون كذلك. لم يكن ثمة شيء ملحوظ بشأنه، عدا تباينا بسيطا بين الملابس المبهجة الخاصة بالعطلات التي كان يرتديها ووجهه المرتسمة عليه أمارات الجدية. اشتملت ملابسه على سترة خفيفة، رمادية فاتحة، وصدرية بيضاء، وقبعة فضية من القش يلفها شريط أزرق رمادي. وعلى النقيض كان وجهه النحيل داكنا، وانتهى بلحية سوداء قصيرة كثة بدت إسبانية تستدعي إلى الذهن الياقات الإليزابيثية. كان يدخن سيجارة بجدية متبطل لا شاغل له، ولم يكن في مظهره ما يدل على أن السترة الرمادية تخفي مسدسا محشوا بالرصاص، ولا أن الصدرية البيضاء تخفي بطاقة هوية شرطي، ولا أن تحت قبعة القش واحدا من أشد العقول في أوروبا قدرة على التفكير والتحليل؛ إذ كان هذا هو فالانتين، رئيس شرطة باريس وأشهر محقق في العالم؛ وكان قادما من بروكسل إلى لندن لينفذ أعظم عملية اعتقال في القرن.
كان فلامبو في إنجلترا، وكانت شرطة ثلاث دول قد اقتفت أثر هذا المجرم الكبير مؤخرا من مدينة جنت إلى بروكسل، ومن بروكسل إلى بلدة هوك أوف هولاند؛ وكان من المتوقع أنه سوف يستغل عدم معرفة الحاضرين في المؤتمر الأفخارستي، الذي كانت ستجري فعالياته في لندن، بعضهم ببعض والفوضى الحاصلة فيه. وكان من المحتمل أن يسافر في هيئة كاتب أو سكرتير قليل الشأن ذي صلة بالمؤتمر؛ ولكن، بالطبع، لم يكن في مقدور فالانتين التيقن من ذلك؛ فلم يكن يمكن لأحد أن يكون لديه شيء يقيني بشأن فلامبو.
كانت أعوام كثيرة قد مرت منذ أن توقف عملاق الجريمة هذا فجأة عن نشر الفوضى والاضطراب في العالم؛ وعندما توقف، حلت — كما قالوا بعد وفاة رولان، أحد قادة جيوش شارلمان — سكينة عظيمة على الأرض، ولكن في أفضل أيامه (أعني بالطبع أسوأها)، كان فلامبو شخصية مهيبة ومعروفا في العالم كله بقدر يضاهي القيصر نفسه؛ ففي صباح كل يوم تقريبا كانت الصحيفة اليومية تعلن إفلاته من العواقب المترتبة على جريمة مذهلة بارتكابه جريمة أخرى. كان جاسكونيا ذا قامة ضخمة وجرأة جسدية، ورويت عنه حكايات من أغرب ما يكون عن وقائع مارس فيها مزاحا رياضيا؛ كيف قلب قاضي التحقيق رأسا على عقب وأوقفه على رأسه، «ليصفي ذهنه»، وكيف جرى عبر شارع ريفولي وهو يحمل شرطيا تحت كل إبط من إبطيه. ويحق له أن يقال عنه إن قوته الجسمانية المدهشة كانت عادة ما توظف في مثل هذه الوقائع التي رغم كونها غير دموية فقد كانت مهينة؛ فقد كانت جرائمه الحقيقية هي في الأغلب جرائم سطو مبتكرة وواسعة الأثر، غير أن كل سرقة من سرقاته تكاد تكون بمنزلة خطيئة جديدة، ويمكن أن تشكل بذاتها قصة. كان هو من أدار شركة الألبان التيرولية الكبرى في لندن، بدون معامل ألبان، ولا أبقار، ولا عربات، ولا حليب، وإنما ببضعة آلاف من المشتركين؛ فقد كان يخدم هؤلاء المشتركين عن طريق إجراء بسيط يتمثل في نقل علب الحليب الصغيرة من أمام بيوت الناس إلى عملائه. وكان هو من دأب على تبادل رسائل غامضة وخاصة مع سيدة شابة، تم الاستيلاء على حقيبة رسائلها بكاملها، بحيلة مدهشة تمثلت في تصوير رسائله وتصغيرها تصغيرا متناهيا ثم وضعها على شرائح مجهر. ومع ذلك كانت البساطة الشديدة هي السمة التي اتسم بها كثير من حيله المبتكرة. فيقال إنه أعاد ذات مرة طلاء كل أرقام البيوت في أحد الشوارع في جنح الليل لمجرد أن يحول وجهة أحد المارة صوب فخ منصوب له. ومن الأمور المؤكدة تماما أنه ابتكر صندوق بريد عموديا قابلا للنقل، وكان يضعه عند زوايا الضواحي الهادئة اعتمادا على احتمال أن يضع فيه الغرباء حوالات بريدية. وأخيرا، كان معروفا عنه كونه لاعب أكروبات مذهلا؛ فبالرغم من بنيته الضخمة، كان بمقدوره أن يقفز عاليا كالجراد ويتوارى في قمم الأشجار كالقرد؛ لذا، عندما شرع فالانتين العظيم في رحلة البحث عن فلامبو، كان على دراية تامة بأن مغامراته لن تنتهي حال عثوره عليه.
ولكن كيف كان سيتمكن من العثور عليه أصلا؟ كانت أفكار فالانتين العظيم لا تزال في طور الترتيب فيما يتعلق بهذا الشأن.
كان يوجد شيء واحد لم يكن فلامبو، بكل ما أوتي من مهارة في التنكر، يستطيع أن يخفيه، وهو طوله الفريد. لو كانت عين فالانتين الثاقبة قد لمحت بائعة تفاح طويلة، أو جنديا طويل القامة من رماة القنابل، أو حتى دوقة طويلة طولا مقبولا، لكان قد قبض عليهم على الفور، ولكن في القطار الذي كان يستقله كله لم يكن ثمة أحد يمكن أن يكون فلامبو متنكرا، مثلما لا يمكن لقطة أن تكون زرافة متنكرة، وكان بالفعل قد تأكد بنفسه من أنه ليس ضمن الناس الذين كانوا على ظهر المركب. وأما الناس الذين استقلوا القطار من هارويتش أو خلال الرحلة، فقد انحصروا يقينا في ستة أشخاص، كانوا عبارة عن موظف قصير في السكك الحديدية مسافر إلى نهاية الخط، وثلاثة مزارعين قصار القامة، ممن يبيعون منتجاتهم في السوق، وقد استقلوا القطار بعد محطتين، وأرملة كانت آتية من بلدة صغيرة في مقاطعة إسكس، وقس قصير القامة للغاية من قساوسة الروم الكاثوليك، كان قادما من قرية صغيرة بمقاطعة إسكس. وفيما يتعلق بالحالة الأخيرة، فقد فالانتين قدرته على السيطرة على نفسه وكاد يضحك؛ فقد كان القس الضئيل الجسد إلى حد كبير يمثل نموذجا لسذاجة أهل شرق إنجلترا؛ إذ كان له وجه مستدير ومتبلد كقطعة من فطير نورفولك، وعينان خاويتان من التعبير كخواء بحر الشمال، وكان معه العديد من الطرود الورقية البنية، والتي كان عاجزا عن تجميعها. كان المؤتمر الأفخارستي بلا شك قد أخرج العديد من تلك المخلوقات من ركودها المحلي، كفيفة وعاجزة، كحيوانات خلد خرجت من جحورها. كان فالانتين رجلا متشككا على النمط الفرنسي المتشدد، ولم يكن بوسعه أن يكن أي محبة للقساوسة، ولكن كان بمقدوره أن يشعر نحوهم بالشفقة، وهذا القس ربما كان ليثير مشاعر الشفقة لدى أي شخص؛ فقد كان يحمل مظلة ضخمة رثة، كانت تسقط منه باستمرار على الأرض، ولم يكن، على ما يبدو، يعرف أي من طرفي تذكرة عودته هو الطرف الصحيح، وكان يوضح لجميع ركاب عربة القطار، بسذاجة بلهاء، أن عليه أن يكون حريصا، لأنه يحمل معه شيئا مصنوعا من فضة خالصة «مطعما بأحجار كريمة زرقاء» في أحد الطرود الورقية البنية التي كانت بحوزته. وجد الفرنسي تسلية متواصلة في ذلك المزيج الطريف الذي اتسم به الرجل من سذاجة أهل إسكس وبساطة ورعة حتى وصل القس (بطريقة ما) إلى محطة توتنهام ومعه كل طروده، وعاد ليأخذ مظلته، وعندما فعل، كان من طيب نفس فالانتين أن حذره ألا يكون اعتناؤه بالشيء الفضي الذي كان بحوزته بأن يخبر الناس جميعا بشأنه. ولكن بغض النظر عمن كان فالانتين يخاطبه، فقد ظل متنبها بحثا عن شخص آخر؛ إذ كان يبحث باستمرار عن أي شخص، غنيا كان أو فقيرا، ذكرا كان أو أنثى، يصل طوله إلى ست أقدام؛ لأن فلامبو كان أطول من ذلك بأربع بوصات.
وصل فالانتين إلى شارع ليفربول، وهو على يقين مطلق من أنه لم يغفل عن المجرم حتى ذلك الحين. وبعد ذلك ذهب إلى المقر الرئيسي لسكوتلانديارد لإضفاء الشرعية على وضعه وليرتب للحصول على المساعدة إذا ما احتاج إليها، ثم أشعل سيجارة أخرى ومضى في نزهة طويلة في شوارع لندن. وبينما كان يسير في الشوارع والميادين خارج نطاق منطقة فيكتوريا، توقف فجأة عن السير وظل واقفا. كان المكان حوله عبارة عن ميدان هادئ هدوءا غريبا، وكان يعج بسكون وليد الصدفة، كما كان معهودا في لندن. بدت البيوت المرتفعة المنبسطة المحيطة موسرة وغير مأهولة في ذات الوقت، وبدا مربع الشجيرات في الوسط مهجورا مثل جزيرة مخضرة صغيرة في المحيط الهادي. وكان ارتفاع البنايات في أحد جوانب الميدان الأربعة أعلى بكثير من بقية الجوانب، مثل منبر، وخالفت واحدة من مصادفات لندن المحببة اصطفاف بنايات هذا الجانب؛ وأقصد بذلك مطعما بدا كما لو كان قد شرد عن منطقة سوهو. كان مقصدا ذا جاذبية غير معقولة، وبخارجه نبتات متقزمة في أصص وستائر طويلة ازدانت بخطوط طولية باللونين الأصفر الليموني والأبيض. كان المطعم مرتفعا كثيرا عن الشارع، وبطريقة المزج بين كل ما هو غير متناسق المعتادة في لندن، امتدت درجات سلم من الشارع حتى الباب الأمامي، مثلما قد يمتد سلم حريق إلى نافذة الدور الأول لبناية ما. وقف فالانتين ودخن سيجارة أمام الستائر ذات الخطوط الصفراء والبيضاء، وجال في ذهنه أنها طويلة.
أروع ما في المعجزات أنها تحدث. تتجمع بضع سحب معا في السماء لتصنع شكل عين بشرية محدقة، وتقف شجرة منتصبة في مشهد طبيعي لرحلة مشكوك في أمرها متخذة شكل علامة استفهام جملة وتفصيلا. لقد رأيت هذين الأمرين بنفسي في الأيام القليلة الماضية. نجد الأميرال نيلسون يموت في لحظة انتصاره، ورجلا يسمى ويليامز يقتل بطريق الخطأ رجلا اسمه ويليامسون (المعنى الحرفي للاسم هو ابن ويليام)، ويبدو الأمر وكأنه نوع من قتل الأبناء. الخلاصة هي أنه يوجد في الحياة قدر من المصادفة الساحرة الذي قد يغفله دوما الأشخاص الذين يضعون في الحسبان وقائع الأمور. وكما عبرت جيدا مفارقة بو، من الحكمة أن نأخذ في الحسبان الأمور غير المتوقعة.
كان أريستيد فالانتين فرنسيا إلى أقصى درجة؛ والذكاء الفرنسي هو ذكاء ذو طابع خاص ومتفرد. إنه لم يكن «آلة مفكرة»؛ فتلك عبارة بلهاء تتبع مفهومي الجبرية والمادية المعاصرين؛ فالآلة ليست سوى آلة لأنه لا يمكنها التفكير، لكنه كان رجلا مفكرا، ورجلا بسيطا في الوقت نفسه. إن كل نجاحاته الرائعة، التي بدت وكأنها من أعمال السحر، قد تحققت عن طريق الاجتهاد في التفكير المنطقي، والتأمل الفرنسي الواضح والمألوف. إن الفرنسيين لا يبهرون العالم بأي تناقض وهمي، وإنما يبهرونه بالبديهيات؛ إنهم يبلغون أقصى حد في إنجاز الأمور البديهية، كما في حالة الثورة الفرنسية، غير أن السبب تحديدا وراء فهم فالانتين لحدود المنطق، هو أنه فهم المنطق. فمن لا يعرف شيئا عن المحركات هو فقط من يتحدث عن عمل المحركات بدون وقود؛ ومن لا يعرف شيئا عن المنطق هو فقط من يتحدث عن الاستدلال بدون أسس أولية قوية لا جدال فيها. في حالتنا هذه لم يكن لديه أسس أولية قوية؛ إذ كان أثر فلامبو قد فقد في هارويتش، ولو كان في لندن بأي حال، فقد يكون متنكرا في أي هيئة كانت، من متشرد طويل القامة في ساحة ويمبلدون كومون إلى رئيس مأدبة طويل القامة يقترح نخبا في فندق متروبول. وفي ظل هذه الحالة المجردة من الافتقار إلى المعرفة، كان لدى فالانتين رؤيته وطريقته الخاصة.
في مثل هذه الحالات، كان يضع في الحسبان ما هو غير متوقع. في مثل هذه الحالات، عندما لا يكون بإمكانه اللحاق بركب المعقول، كان ببرود أعصاب وعناية يلحق بركب اللامعقول؛ فبدلا من الذهاب إلى الأماكن الصحيحة؛ كالبنوك، ومراكز الشرطة، وأماكن اللقاء، كان بطريقة ممنهجة يذهب إلى الأماكن الخطأ؛ فكان يطرق باب كل منزل خال، ويأبى التوقف عند كل طريق مسدود، ويسلك كل حارة مسدودة بالقمامة، ويتجنب كل طريق ملتو يحيد به عن السبيل بلا جدوى. وقد دافع عن هذا المسار المجنون بطريقة منطقية تماما؛ قال إنه لو كان لدى المرء أي دليل، لكان هذا هو أسوأ طريق؛ ولكن إذا لم يكن لديه أي دليل على الإطلاق، فعندئذ يكون أفضل طريق؛ لأنه عندئذ لا يوجد سوى احتمال أنه من الممكن لأي شيء غريب استرعى انتباه المطارد أن يكون قد استرعى قبله انتباه المطارد. لا بد للرجل أن يبدأ من موضع ما، ومن الأفضل أن يكون في الموضع الذي يحتمل أن يكون الرجل الآخر قد توقف عنده. شيء ما في درجات السلم المؤدية إلى المتجر، شيء ما في هدوء المطعم وغرابته، استحث كل ما لدى المحقق من قليل من خيال رومانسي وجعله عاقد العزم على التعامل مع الأمر بعشوائية. صعد درجات السلم، وبعدما جلس إلى طاولة بجوار النافذة، طلب فنجانا من القهوة السوداء.
كان الصباح قد انتصف، ولم يكن قد تناول طعام الإفطار؛ إذ ذكره بجوعه الفتات القليل المتناثر على طاولته من وجبات إفطار أخرى، وبعد أن أضاف بيضة مسلوقة إلى طلبه، واصل بتأمل تقليب بعض السكر الأبيض في قهوته، آخذا في التفكير طوال الوقت بشأن فلامبو. استحضر كيف كان فلامبو يهرب، مرة بالاستعانة بأحد مقصات الأظافر، وأخرى باستغلال حريق في منزل، ومرة بالاضطرار إلى دفع ثمن خطاب غير مختوم، ومرة بجعل الناس ينظرون من خلال تلسكوب إلى مذنب قد يدمر العالم. اعتقد المحقق أن عقله يكافئ في براعته عقل المجرم، وهو ما كان صحيحا. لكنه أدرك تماما العلة؛ قال لنفسه بابتسامة مريرة: «المجرم هو بمثابة الفنان المبدع؛ أما المحقق فليس سوى الناقد.» ورفع فنجان قهوته إلى شفتيه ببطء، ووضعه بسرعة كبيرة؛ إذ كان قد وضع فيه ملحا.
نظر إلى الوعاء الذي جاء منه المسحوق الفضي؛ كانت بالتأكيد سكرية، مخصصة بلا شك للسكر مثلما أن زجاجة الشمبانيا مخصصة للشمبانيا، وتساءل لماذا يضعون فيه الملح؟ ونظر إلى الطاولة ليرى إن كان عليها المزيد من الأوعية التقليدية؛ نعم، كان توجد مملحتان مملوءتان تماما. لعله كان يوجد بهار من نوع خاص في المملحتين. تذوق ما فيهما، وكان سكرا، ثم جال بناظريه في المطعم باهتمام متجدد، ليرى إن كان يوجد أي آثار أخرى لذلك الذوق الفني غير المعتاد الذي يضع السكر في المملحتين والملح في السكرية. وباستثناء بقعة غريبة من رذاذ سائل ما داكن على أحد الجدران المغطاة بورق حائط أبيض، بدا المكان بكامله أنيقا ومبهجا وعاديا. دق الجرس مستدعيا النادل.
وعندما جاء النادل مسرعا، بشعر مجعد وعينين يعلوهما بعض الغشاوة في تلك الساعة المبكرة، طلب منه المحقق (الذي لم يكن يخلو من تقدير لأبسط صور المزاح) أن يتذوق السكر ليرى إن كان يرتقي إلى السمعة المرموقة للفندق. كانت النتيجة أن تثاءب النادل فجأة واستفاق.
تساءل فالانتين: «هل تقومون بهذه الدعابة اللطيفة مع زبائنكم كل صباح؟ ألم تشعروا أبدا بأن تبديل الملح والسكر قد صار دعابة مملة؟»
وعندما ازداد هذا التهكم وضوحا، أكد له النادل متلعثما أن المنشأة لم يكن لديها هذه النية على الإطلاق؛ ولا بد أن الأمر هو خطأ بالغ الغرابة. التقط السكرية ونظر إليها؛ والتقط المملحة ونظر إليها، وأخذت الحيرة التي كانت تعلو قسمات وجهه في الازدياد. وأخيرا استأذنه في المغادرة، ومضى بخطوات سريعة مبتعدا، وعاد بعد بضع ثوان ومعه مالك المكان. تفحص المالك هو الآخر السكرية وبعدها المملحة، وعلت الحيرة قسمات المالك أيضا.
وفجأة بدا أن النادل يلثغ بوابل من الكلمات.
تأتأ باندفاع قائلا: «أزن (أظن) … أزن أن رجلي الدين هما من فعلا ذلك.»
قال النادل: «رجلا الدين اللذان ألقيا حساء على الحائط.»
كرر فالانتين قوله: «ألقيا حساء على الحائط؟» واثقا من أن هذا القول لا بد أن يكون نوعا من الكناية الإيطالية الغريبة.
قال النادل بحماس، وهو يشير إلى بقعة الرذاذ الداكن على ورق الحائط الأبيض: «نعم، نعم. ألقيا به هناك على الحائط.»
نظر فالانتين متسائلا نحو المالك، الذي سارع وأسعفه بإفادات أوفى.
قال: «نعم، يا سيدي. هذا صحيح تماما، مع أني لا أظن أن له أي علاقة بالسكر والملح؛ لقد دخل رجلا دين إلى المطعم وشربا حساء هنا في وقت مبكر جدا، ما إن فتحنا أبوابنا. كانا شخصين هادئين، ومحترمين جدا؛ دفع أحدهما الفاتورة وخرج، أما الآخر، الذي بدا واعظا فأبطأ إلى أقصى حد، فاستغرق بضع دقائق أكثر في جمع أغراضه، ولكنه خرج أخيرا، عدا أنه في اللحظة التي سبقت خروجه إلى الشارع عمد إلى التقاط إنائه، الذي كان قد فرغ من نصفه فقط، وألقى بالحساء ضاربا به الحائط. كنت حينئذ في الغرفة الخلفية، وكذلك كان النادل؛ لذا ما كان بوسعي سوى أن اندفعت خارجا لأجد الحائط ملطخا والمكان خاليا. لم يتسبب ذلك في أي تلفيات، إلا أنه كان تصرفا شائنا يبعث على الحيرة، وحاولت اللحاق بالرجلين في الشارع، غير أنهما كانا قد صارا بعيدين جدا؛ ولم ألحظ سوى أنهما انعطفا عند الزاوية التالية وسلكا شارع كارستيرز.»
في لحظات كان المحقق قد هب واقفا، مرتديا قبعته وممسكا بعصاه في يده. كان بالفعل قد قرر أن في ظل حالة الانعدام التام للأفكار في ذهنه، فليس بوسعه إلا أن يتبع أول أمارة غريبة تبدت له؛ وتلك كانت أمارة غريبة بما يكفي. وبعد أن دفع فاتورته وأغلق الباب الزجاجي خلفه، ما لبث أن انعطف وسلك ذلك الشارع.
من حسن الطالع أنه حتى في تلك اللحظات المفعمة بالإثارة كانت عينه هادئة ولماحة؛ إذ مر شيء ما في واجهة أحد المحلات أمام عينه كلمحة خاطفة؛ ومع ذلك عاد لينظر إليه. كان المحل متجرا شهيرا لبيع الخضر والفاكهة، وكانت مجموعة من السلع معروضة في الهواء الطلق وموضوعا عليها بطاقات واضحة تحمل أسماء تلك السلع وأسعارها. في أبرز قسمين كان يوجد كومتان للبرتقال وللمكسرات على الترتيب؛ على كومة المكسرات قصاصة ورق مقوى، مكتوب عليها بطبشور أزرق بخط سميك، «أفضل برتقال يوسفي، الاثنتان ببنس.» وعلى البرتقال كتب وصف مماثل في الوضوح والدقة، «أجود مكسرات برازيلية، ٤ بنسات للرطل».
نظر السيد فالانتين إلى هاتين اللافتتين، وخيل إليه أنه قد صادف هذا الشكل الشديد البراعة من المزاح قبل ذلك، وأن ذلك كان منذ وقت قريب إلى حد ما. لفت انتباه الفاكهاني ذي الوجه المشرب بحمرة، الذي كان ينظر بتجهم إلى حد ما عبر الشارع ويجول فيه بعينيه جيئة وذهابا، إلى عدم دقة هذه الإعلانات. لم ينبس الفاكهاني ببنت شفة، ولكنه هم بحدة بوضع كل بطاقة في مكانها الصحيح. استمر المحقق، مستندا على عصا المشي خاصته، في تفحص المتجر. وأخيرا قال: «أرجو أن تعذرني، يا سيدي الفاضل، إن بدا ما سأقوله غير ذي صلة، ولكني أريد أن أوجه لك سؤالا في علم النفس التجريبي وتداعي الأفكار.»
رمقه صاحب المتجر ذو الوجه المشرب بحمرة بنظرة توعد؛ ولكنه استمر يهز عصاه بمرح، وتابع قائلا: «لماذا … لماذا توضع بطاقتان بطريقة خاطئة في متجر للخضر مثل قبعة رجل دين جاءت إلى لندن في إجازة؟ أو في حال إذا لم يكن كلامي واضحا، ما الصلة الغامضة التي تربط بين فكرة المكسرات التي وضع عليها علامة بوصفها برتقال وفكرة رجلي دين، أحدهما طويل والآخر قصير؟»
خرجت عينا التاجر من محجريهما كعيني حلزون؛ وبدا عليه حقا لهنيهة أن ثمة احتمالا أن يلقي بنفسه على الغريب. وأخيرا قال متلعثما بغضب: «لا أعرف ما علاقتك بالأمر، ولكن إن كنت واحدا من أصدقائهما، يمكنك أن تخبرهما نيابة عني أنني سأوسع هذين السخيفين ضربا، سواء أكانا قسين أم لا، إن بعثرا تفاحاتي ثانية.»
تساءل المحقق، بتعاطف كبير: «حقا؟ هل بعثرا تفاحاتك؟»
قال البائع المنفعل: «أحدهما فعل. دفعها فتدحرجت في كل مكان في الشارع. كنت سأمسك بهذا الأحمق لولا أنه كان علي أن أجمعها.»
سأله فالانتين: «أي طريق سلك هذان القسان؟»