Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
بعد مضي نحو شهرين على الحوادث التي سبق ذكرها في رواية الغادة الإسبانية، كانت مركبة بوستة قد سافرت من أورليان في الساعة العاشرة من المساء تجري في أرض تورين، نحو الساعة الخامسة من الصباح على الطريق العمومية، المؤدية من تورين إلى مدينة صغيرة تدعى ج … توجد على نحو ثلاثة فراسخ منها أرض أورنجاري، التي ماتت فيها منذ ١٨ عاما المركيزة دي شمري أم المرحوم هكتور دي شمري، والآنسة أندري برينوت.
وكانت المركبة المذكورة تقل رجلين قد اشتهرا عند القراء، وهما الفيكونت فابيان دي أشمول والمركيز فردريك ألبر أنوري دي شمري؛ أي: بطلنا روكامبول.
وكان روكامبول يومئذ كالخيال الذي لا حراك له، أصفر اللون حائر البصر، تبدو على وجهه علائم القلق، وينبئ منظره أنه واقع في شرك حزن قاتل؛ لأن رفيقه كان ينظر إليه، فيراه غائصا في لجة عميقة من الأحزان، ينظر إلى جانبيه نظر رجل قد تملك الجزع نفسه، وضاقت عليه الدنيا برحبها.
قبض الفيكونت على يد المركيز قبضة إشفاق، وقال له: ألا تدري أيها الصديق أنك تخيفني؟
فتكلف روكامبول الابتسام، وأجاب: أنا أخيفك أيها الصديق؟!
– إن رؤيتك على هذه الحالة من القلق والغم منذ شهرين لم أعلم لها سرا.
– ليس في ذلك ما يخيف، ومعرفة هذا السر سهلة جدا.
– مهما تكن معرفة هذا السر سهلة، فإنني لم أدركها بعد.
– أما تعلم أنني أحب ابنة الدوق سالاندريرا؟
– وماذا يحزنك من ذلك، وأنت ستتزوج بها بعد ستة أسابيع؟
فهز روكامبول رأسه، وقال: إن نفسي حزينة ضعيفة الأمل، وكان صوته مختنقا حتى لم يكد فابيان يسمعه.
فقال الفيكونت: إني أشعر أنك ضعيف العواطف، وليس لك جلد وصبر على حلول المقادير.
– بربك لا تذكر لي هذا الكلام، فإنه يزيدني حزنا.
– كنت أظنك أيها الأخ العزيز أكثر صبرا، وأقوى جلدا على تقلبات الأيام وطوارق الحدثان، ولا سيما أن ما تستعظمه مما ألم بك ليس في الحقيقة شيئا عظيما، إن حظك السعيد الذي تطلبه إنما قد تأخر إلى ستة أسابيع، فستقترن بعدها بابنة الدوق سالاندريرا، وتكون أسعد حظا وأوفر سرورا، وإذا كانت المقادير السيئة قد قضت بموت أبيها في صباح اليوم، الذي كان تقرر فيه قرانكما، فكان من الضرورة تأخير هذا القران، فما ذلك من الأسباب التي توهن عزمك، وتضعف أملك لتهرع إلى هذا اليأس الذي أنت فيه، وبالله كيف لا يكون من الضرورة تأخير هذا القران، وقد التزمت هذه الغادة الإسبانية أن تبدل حلتها البيضاء بحلة سوداء حدادا على أبيها، وعلى خادمك البحري أيضا، الذي مات ضحية العاصفة القوية في نفس الليلة التي مات فيها صاحبنا الدوق سالاندريرا.
فتنهد روكامبول ولم ينبس بكلمة.
فعاد فابيان إلى كلامه، وقال: إن الغادة الإسبانية لم تكن تستطيع الاقتران بك في اليوم التالي لوفاة والدها، وكان من الضرورة أن يتأخر زمن الزواج طبقا للعادة المتبوعة عند الإسبانيين في الحداد، ولا شك أن هذه الغادة لا تزال تحبك كالمحبة السابقة، بل إن محبتها تزيد مع توالي الأيام، وهل مر عليك يوم واحد لم تحصل فيه على رسالة ودية منذ ضمها مع والدتها قصر سالاندريرا، حيث احتفل بجنازة الدوق؟
– كلا؛ فهي تراسلني كل يوم.
– ومع ذلك فأنت حزين قلق البال بدون انقطاع، تندفع مع تيار الهواجس الكاذبة، حتى كأنك في حلم عميق تصدق فيه كل ما يبدو لك ويمر ببالك، ولقد مضى بضعة أيام وأنا وأختك بلانش امرأتي في قلق وخوف من حالتك الحاضرة.
– إنني أقاسي في نفسي عذابا كعذاب الموت.
– أجننت أيها الصديق؟! أما ترى أن يوم سعدك سيحل في القريب؟
لفظ روكامبول هذه الجملة الوجيزة والاضطراب آخذ منه أشد مأخذ، ثم ما لبث أن تظاهر بالسكينة والدعة، ورفع رأسه وهو يتكلف الابتسام، وقال: كأنك أنت لا تكترث للهواجس، ولا تضطرب منها؟
– كلا، فلا تأثير لها علي.
– كأن في نفسك شيئا تريد قوله: وإلا ماذا تعني بهذا الكلام؟
– أريد أن أقول: إنني قد طالما علقت الآمال بالسعادة ونيل المنى، وما زال يبدو في خاطري أنني أنخدع ببارق الآمال، ولا أقصد غير السراب، وقد حلمت حلما راعني جدا، وما زلت موجسا خيفة من مغزاه، وقد كان في الليلة التالية لموت الدوق سالاندريرا، وذلك البحري التعيس ولتر بريت.
– هو أني بعد أن أغمضت عيناي حلمت أن رجلا يوقظني فاستيقظت في الحلم، وإذا برجل يلبس أثوابا بيضاء قد تقدم مني، وجلس عند موضع قدمي من السرير، فحدقت به فرأيته البحري ولتر بريت، ولكني رأيته على غير هيأته الماضية، فليس عليه شيء من علائم التوحش، وليس أعمى العينين كما كان، فمنظره جميل وعيناه صحيحتان زرقاويتان، وابتسامته ابتسام رجل عظيم، ثم إنه ما لبث أن نظر إلي قائلا: إنني انتقلت إلى الحياة الثانية، وما أتيت إليك إلا لأخبرك بالمستقبل … وأشار بيده إلى السماء من النافذة المفتوحة، وأراني بين الغيوم المتكاثفة نجمة زاهرة، فهذه النجمة كانت عندئذ سافرة زاهية، ثم لم يكن أكثر من لحظة عين، حتى رأيتها كأنها تضطرب، ثم سقطت في الفضاء واضمحلت ولم يبق لنورها أثر.