Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
في ليلة من ليالي شهر ديسمبر عام ١٦٥٧، رست عربة خالية من الزخرف الذي امتازت به عربات الأشراف في ذلك العصر أمام منزل من منازل شارع هوتفوي بباريس، وكان أمام ذلك الباب عربتان أخريان راسيتين، فترجل — حال وصول العربة القادمة — خادمها، واقترب من باب العربة ليفتحه لراكبيها، ولكن أوقفه رخيم صادر من داخل العربة يقول: انتظر لأرى هل هذا هو البيت المقصود!
ثم أطلت من نافذة العربة سيدة مقنعة ومرتدية برداء من القطيفة السوداء قد سترها حتى رأسها، فرفعت عينيها تنظر إلى المنزل الذي وقفت أمامه العربة كأنها تبحث عن علامة عليه، ثم ما لبث أن التفتت لرفيقتها التي كانت معها في العربة، وقالت لها: قد وجدنا ما ننشده، فهذا هو المنزل، وتلك هي اللوحة.
وعلى ذلك أمرت ففتح باب العربة، وترجلت السيدتان، فسارتا قليلا ثم رفعتا عينيهما إلى حائط المنزل، فرأتا اللوحة المنشودة وهي معلقة على ارتفاع ست أو ثماني أقدام من الطريق تحت نوافذ الطبقة الثانية من المنزل، ومكتوب عليها الكلمات الآتية: مدام فوازين قابلة.
وولجت السيدتان باب المنزل؛ إذ وجدتاه مفتوحا نصف فتحة، فإذا هما في دهليز طويل يكاد يكون مظلما لولا ضوء قنديل ينير لسالكه السبيل، فسارتا في الدهليز حتى بلغتا درج المنزل فرقيتاه، وكانت إحداهما تتقدم الأخرى. ولم تقصد الزائرتان الطبقة الثانية التي علقت على نوافذها اللوحة، بل صعدتا إلى الطبقة التي فوقها.
ولما بلغتاها استوقفهما رجل من الأقزام أحدب غريب الزي قد كسي كسوة السخريين من أهل البندقية في القرن السادس عشر. وسألهما الأحدب عما تريدان، فقالت إحداهما، وهي ذات الصوت الرخيم: نريد أن نستشير الروح.
وكان في صوت المتكلمة بعض الاضطراب، فقال لها الحارس ولصاحبتها: ادخلا وانتظرا.
ثم رفع بيده ستارا، وأدخل السيدتين في غرفة انتظار.
ولبثت السيدتان تنتظران، ومضت عليهما نصف ساعة لم تنظرا أو تسمعا فيها شيئا، وبينما هما على تلك الحال إذ أزيح ستار وفتح باب خفي، وسمعتا صوتا يقول: ادخلا.
فانتقلت السيدتان إلى غرفة كسيت جدرانها بالسواد، يضيئها مصباح ذو ثلاث فتائل، قد علق في وسط السقف.
وقفل الباب وراءهما ونظرا، فإذا هما في حضرة الساحرة.
وكانت الساحرة فتاة بين الخامسة والسادسة والعشرين، تميل بحركاتها وكلماتها إلى أن تظهر في سن أكبر من سنها الحقيقي — بعكس سائر بنات حوا — فكانت مرتدية لباسا أسود، مسترسلة الشعور ضفائر حول رأسها وعارية الجيد والأطراف، وكانت ممنطقة بمنطقة من الجلد ذات قفل محلى بحجر من العقيق.
وكانت الساحرة قائمة على منبر تنبعث منه روائح عطرية شديدة.
ولم تكن الساحرة بارعة في الجمال، بل كان جمالها عاديا، إنما كانت عيناها تظهران للناظرين أنهما واسعتان اتساعا غير عادي؛ لكحل كانت تكتحل به فتنبعث منهما بروق خلابة للأبصار، فكأنهما حجران من عقيق كالحجر الذي في منطقتها.
ولما دخلت الزائرتان وجدتا الساحرة ملقية برأسها على يدها وكأنها غارقة في لجة من الأفكار، فخشيتا أن تخرجاها مما هي فيه، فانتظرتا أن يروق لها أن تخاطبهما. ومضت عشر دقائق، ثم رفعت الساحرة رأسها ونظرت إلى القادمتين كأنها لم تتنبه لوجودهما إلا تلك اللحظة، وقالت تسألهما: ماذا تريدان مني؟ أفما قدر لي أن أستريح إلا في اللحد؟!
فقالت ذات الصوت الرخيم: عفوا يا مولاتي! إنما أريد أن أعلم …
فقاطعتها الساحرة بصوت حافل قائلة: صه! لا أريد أن أعلم ما تريدين، فخاطبي الروح؛ فإن الروح غيورة حريصة على الأسرار، تحظر على كل حي أن يشاركها في معرفتها، أما أنا فليس لي إلا أن أدعوها وأطيعها فيما تأمر.
ثم نزلت الساحرة عن منبرها، ودخلت غرفة أخرى، وما لبثت أن عادت منها باهتة شاحبة اللون، وبيمناها موقد مشتعل، وبالأخرى ورقة حمراء. وفي تلك اللحظة تضاءل الضوء المنبعث من فتائل المصباح حتى كاد ينطفئ المصباح، ولم يبق في الغرفة إلا ضوء الموقد المنبعث من لهيب النار، فتغيرت ألوان الأشياء، واكتسبت صبغة تؤثر على الأنظار فتجعلها كأنها تنظر إلى خيالات لا حقائق، فاضطربت الزائرتان وودتا لو لم تأتيا هذا المكان.
ووضعت الساحرة الموقد وسط الغرفة، وقدمت الورقة للسيدة التي كانت تخاطبها وقالت لها: اكتبي ما تريدين أن تعلميه.
فتناولت السيدة الورقة بيد ثابتة — على خلاف ما كانت تنتظر منها الساحرة — وكتبت عليها الأسئلة الآتية: هل أنا فتاة؟ وهل أنا جميلة؟ أعذراء أنا أم ذات زوج أم أرملة؟ تلك أسئلتي عن ماضي.هل قدر لي أن أتزوج؟ أم أترمل ثم أتزوج؟ وهل حياتي طويلة أم قدر لي أن أموت في سن الشباب؟ تلك أسئلتي عن مستقبلي.
ثم قالت السيدة للساحرة: ماذا علي أن أصنع الآن؟
قالت لها: اطوي الورقة حول هذه الكرة.
وقدمت لها كرة من الشمع واستمرت قائلة: ستلتهم النار الكتاب والكرة بحضرتك، وقد علمت الروح أسرار سريرتك، وسيصلك الجواب قبل انقضاء ثلاثة أيام.
فقذفت الطالبة بالكرة والكتاب في موقد النار، فقالت الساحرة: تم المراد.
فدخل الأحدب فقالت له: رافق هذه السيدة حتى عربتها.
فخرجت الزائرة تتبع الأحدب بعد أن تركت على مائدة الساحرة كيسا مملوءا بالدراهم.
وسار الأحدب بالسيدة ورفيقتها، وما كانت رفيقتها إلا وصيفتها وأمينتها، فنزل بهما من درج غير الذي كانتا رقيتاه معد لخروج الطالبين وموصل للمنزل من طريق غير الذي أتيتا منه. وكان سائق العربة قد نبه إلى انتظارهما عند هذا الباب، فوجدتاه في الانتظار.
وصعدت السيدتان إلى العربة، وسارت بهما نحو شارع دوفين.
وفي اليوم الثالث من زيارة السيدة ذات الصوت الرخيم للساحرة، استيقظت السيدة فوجدت على المائدة التي في غرفتها خطابا بخط مجهول، ومعنونا بتلك الكلمات: إلى البروفنسية الحسناء.