Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كانت ساعة الظهيرة عندما بلغ فؤاد أطراف القرية، وكانت البركة الخضراء تلمع ساكنة تحت الشمس، يخفف من حرها نسيم خفيف يجعد سطح الماء، وكان سرب من الإوز يسبح متصايحا في أركانها، وعلى جانبها بعض أطفال عراة من أبناء القرية المجاورة يتمرغون في التراب حينا ويغطسون في الماء حينا آخر، ويملئون الفضاء ضحكا وضجيجا.
وكان على جانب آخر من البركة كلب ناعس يتكئ برأسه على يديه ممدودتين في استرخاء، والدجاج يتواثب حوله ينبش الطين باحثا عن الطعام، فيثير حوله سحابة رقيقة من غبار.
وكانت قرية النجيلة من وراء البركة عن يسار الطريق، تدرج صاعدة على نشز من الأرض، حتى يطل أعلاها على أسفلها، وما بين ذلك طرق ضيقة ملتوية تتعرج في تلافيف صاعدة من دار إلى دار، فكانت القرية تبدو من بعيد كأنها قلعة، وتلوح من قريب قطعا من بناء مكدس فوضى، وكان فيما يلي البركة عن اليمين فضاء فسيح يتخذ أهل القرية جانبا منه «جرنا» ويعقدون فيه أسمارهم ويحتفلون بأعراسهم ويتفسحون فيه في ليالي الصيف القمراء، وكان يحف بذلك الفضاء أجم من النخيل يلقي عليه في الصباح ظلا ويخلع على منظره رونقا، ولكنه كان في الليل يلوح للأعين رهيبا يتحامى أهل القرية السير فيه خوف أن تعترض سبيلهم «الأرواح»، وكان إلى جانب النخيل كوم أحمر «كفري» يمد ذراعا نحو فضاء «الجرن» ويترامى من ورائه صاعدا ويزيد عرضا كلما قرب من طرفه البعيد.
وكان الفلاحون يتخذون من تراب الكوم سمادا لأرضهم؛ ولهذا تركوه مهشما مضطرب السطح بين حفر غائرة وأضراس بارزة، وعلى وجهه حطام مختلف الألوان بين قطع حمراء وزرقاء من الآجر والفخار، وعظام من جماجم أو ضلوع.
وكانت دار الأفندي متنزهة عن القرية إلى اليمين، يهبط إليها الطريق من حافة البركة على مسيرة دقائق بين الحقول الخضراء، وهي بسيطة البناء يحيط بها سور من شجيرات ملتفة شائكة تحجب الأنظار عنها ولا تحجب منظر الحقول عمن في داخلها، وكان في ساحة الدار بستان يتخذه الأفندي حقلا يزرع فيه ما يحتاج إليه من خضر وبقول، وفيه ساقية تظللها شجرتان من الجميز، ومن حولها بعض كروم ونخلات وأشجار شتى مبعثرة في غير نظام.
كان الأفندي في شبابه موظفا، ثم غادر الوظيفة، وآثر أن يعتزل في الريف، فاشترى قطعة من أرض تجاور قرية النجيلة، وبنى بها تلك الدار ليقيم فيها مع زوجه، وليس لهما سوى ولد وحيد يخطو إلى حدود العشرين في كلية الحقوق، فإذا أتى الصيف انتظر الوالدان وحيدهما في لهفة ليملأ عليهما الحياة في معتزلهما البعيد.
وكان فؤاد ابن الأفندي يقيم بالقاهرة مدة العام مع بعض لداته من طلاب العلم في منزل مستأجر، حرص أبوه على ذلك على غير رغبة من أمه التي كانت تود لو أقام في بيت من بيوت أخواله، فقد كان حسني أفندي يرى رأيا لا يرضى أن ينزل عنه في تربية وحيده، ولم يحدث له يوما أن ندم على رأيه، إذ مضى فؤاد في دراسته موفقا، فكان في كل عام يراه إذا عاد إليه كأنه عود طيب ينمو يانعا مزهرا.
وأقبل فؤاد من القاهرة حتى بلغ القرية، وكان يركب بغلة أبيه تسير به فارهة مطمئنة الظهر وعليها سرج ملون من نسيج الأعراب، ومن ورائه ثلاثة من أهل العزبة يحملون حقائبه.
فلما بلغ الدار نزل عن البغلة وأسرع داخلا يثب في خطواته حتى قفز سلالم المدخل وأخذ بيد أبيه يقبلها، وكان الوالد جالسا في صدر البهو، فلما لمح ولده قام إليه يستقبله، وقبله بين عينيه قائلا: أحمد الله على سلامتك.
وخرجت الأم فاتحة ذراعيها فضمت ولدها دامعة العين وهي ضاحكة، وقالت له وهي تربت: لقد نحفت يا فؤاد.
ثم دخلوا إلى الدار يستمتعون بالشمل المجتمع بعد فراق عام طويل، ودار فؤاد حول أركان الدار كأنه يستعيد عهدها، وقضى مع والديه ساعة يقص عليهما أنباءه ويستمع في شوق إلى أحاديثهما حتى أعدت مائدة الغداء، وكانت الأم قد حشدت لها كل ما عرفته شهيا عند وحيدها.
ولما هدأ فؤاد بعد العصر، خرج إلى المنظرة يريد أن يرى من هناك، فكل من في العزبة أصدقاء قدماء رأوه صغيرا، ثم فتى يافعا، ثم رأوه بعد ذلك شابا، وهو إذا حل بها كأنه عاد إلى كل بيت من بيوتها، وكان يعرف أنهم سيأتون إليه واحدا بعد واحد إذا فرغوا من عمل النهار، وكان به حنين إلى أن يراهم جميعا.
وأول من لقيه من أهل العزبة رحومة البدوي المرح الكسول.
كان رحومة أو «عبد الرحيم» شيخا في السبعين، ولكنه أعجوبة في الشيوخ، كان يسير عاري الصدر حتى في أشد الأيام بردا، ولا يلبس إلا ثوبا من القطن الخفيف الأزرق يشتريه في كل عيد فلا يخلعه إلا في العيد الذي يليه، فإذا اشتد البرد في ليالي الشتاء التحف بحريم من الصوف يتخذه في الليل غطاء ثم ينحيه عنه إذا حميت شمس النهار، فهو يجعله زينته إذا استقبل زائرا وبساطه إذا أكرم ضيفا، ومظلته إذا آذاه حر الشمس، وكان يسير مستقيم الظهر ويحب أن يجرش الفول بأسنانه البيضاء، فإذا رأى زكيبة منه أسرع إليها ليصيب منها قبضة يجرشها فولة بعد أخرى، وقد تزوج من نساء عدة من فقيرات الأعراب، ولكنه لم يعقب منهن ذرية سوى تعويضة، وكانت فتاة في السابعة عشرة إذ ذاك.
ولكنه كان كسولا، فأحب شيء عنده أن يستلقي في ظل النخيل ظهرا أو يعرج على حلقة من الناس يشارك في حديثها، وكان مرحا ظريف المجلس فما يكاد يمر بجمع حتى يدعوه ليستمعوا إلى آخر أخباره، وكان يترك حقله لامرأته وابنته؛ ولهذا كان لا يكاد يجد الكفاف من العيش، فإذا تذمرت امرأته فقذفته بما شاءت من قول ضحك ساخرا وانصرف عنها بكلمة لاذعة، ولكن ابنته كانت تحبه، فإذا سمعت أمها تعنفه وقفت لها تدافع عنه في حماسة وترد عليها تعنيفها.
وكان رحومة مع فقره متكبرا يكاد يكون غطرسا في بعض الأحيان، كان لا ينسى أنه حر بدوي من أحرار بدو لا ينبغي لهم إلا أن يكونوا حيث خلقهم الله، وكان يرى المال عرضا لا قيمة له في قيم الرجال، فقد يكون غني اليوم فقيرا في الغد، وقد يكون الفقير من بعد غنيا، ولكن المرء نفسه يبقى كما خلقه الله.
والناس عنده صنفان: فمنهم البدوي ومنهم غير البدوي، وما كان ينسى أن يشكر الله إذ خلقه بدويا.
ولما رآه فؤاد داخلا ناداه من أقصى (المنظرة): أين أنت يا رحومة؟
وأسرع في مشيته ليلقاه مادا يده مصافحا، وكانت تحية حارة من مصافحة مكررة على طريقة الأعراب: إيش حالك؟ إيش لونك؟ وسأله فؤاد عن أخباره فجعل يقص عليه من الأنباء ما ادخره في عامه، وقص عليه نبأ سجن «سلومة».
كان فؤاد يعرف عبد السلام أو «سلومة» كما يسميه أهل ذلك الريف على طريقة الأعراب، كان الناس يسمونه الصقر أحيانا أو الذئب أحيانا، ففيه شبه لا شك فيه من الصقر والذئب معا، كان فارسا في حلبات «البرجاس» في موالد الأولياء، وكان مبارزا ماهرا بالعصى، إذا نازل أقرانه هزم أمهرهم واحدا بعد واحد، وكان يستطيع أن يضع الرصاصة حيث شاء من الهدف الذي يرمي إليه.
وكان شابا نحيفا يضع على رأسه عمامة صغيرة فوق «لبدة» ويلف أعلى جسمه بشملة بيضاء من صوف، وكان في أول أمره في عزبة الأفندي، ثم اتصل به أحد أعيان الريف المجاور واسمه إبراهيم ميسور فحبب إليه أن يكون عنده، وكان ذلك الرجل يستكثر من مثله ليكونوا له أتباعا، فانتقل سلومة إليه مع أمه وأخيه، ومع ذلك كان بين حين وآخر يزور الأفندي محافظة على مودته القديمة، ولكنه لم يبق على عهده الأول، فكان إذا سار أمام البيوت يخطر معجبا، ويتخذ في ملبسه زينة المترفين، فما لبث أن رأى من الأفندي انقباضا عنه فصار لا يزوره إلا لماما، وما مضى عليه إلا أعوام يسيرة في عزبة ميسور حتى تبدل تبدلا عجيبا، فقد ضرى في زهوه حتى صار فاتكا، يسطو بمن يخاشنه، لا تأخذه بأحد رحمة ولا تدفعه عنه رهبة، ثم تمادى في فتكه حتى كان الناس كلما اجتمعوا جعلوا حديثهم همسا عن آخر ما جناه.
ولكن أهل القرى كانوا يتحامونه ولا يجرءون على أن ينموا عليه، وكان إبراهيم ميسور يدفع عنه أذى الأقوياء، وإذا أجرم جريمة أسبل عليه جاهه وأقام له محاميا حتى يبرئه.
وأخذ «رحومة» يقص على فؤاد نبأ الرجل الذئب وما حدث بينه وبين سيده ميسور من القطيعة، فحكى له كيف انقلب «سلومة» على صديقه القوي فكشر له عن نابه، فلم ينم عنه ميسور حتى بعث به إلى السجن ليلقى جزاء جرائمه.
ولم يخل قلب فؤاد من الأسف عندما تمثل صورة ذلك الرجل وهو يطارد أقرانه رشيقا خفيفا فوق فرسه في حلبات السباق.
وسأل رحومة قائلا: وماذا فعلت أمه وأخوه؟
فقال رحومة: جاءوا إلى هنا.
فقال فؤاد راضيا: أود أن أراهما.
فقال رحومة: لا شك أنهما آتيان للسلام.
فقال فؤاد: وكيف حال تعويضة؟