Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
نعمت منذ بضع سنوات ماضية بتجربة فريدة؛ كنت ألاحق فيها رجلا متهما بجريمة، وكنت أسعى للحصول على دليل يثبت تورطه في أخرى. وعلى الرغم من تبرئته من الجريمة التي كنت أسعى وراء إثبات تورطه فيها، فقد اتهم بجريمة أخرى أشد خطورة. ومع ذلك فقد نجح هو وشركاؤه في الهروب والإفلات دون عقاب في ظروف أعتزم سردها الآن.
قد تتذكرون في قصة روديارد كيبلينج، «بيداليا هيرودزفوت»، كان زوج المرأة المسكينة يواجه خطر القبض عليه لكونه سكيرا فحسب، بينما كانت دماء زوجته تلطخ حذاءه بعدما قتلها. أما قضية رالف سمرتريز، فكانت على النقيض تماما؛ إذ كانت السلطات الإنجليزية تحاول أن تلصق به تهمة كادت تكون بفداحة جرائم القتل، بينما كنت أنا أجمع الأدلة التي تثبت إدانته بفعل أكثر وأشد جسامة من السكر.
دائما ما كانت السلطات الإنجليزية، حين تدرك وجودي من الأساس، تتفضل بمعاملتي بدونية مشوبة بالتلذذ. فإذا سألت اليوم المفتش سبنسر هيل، من شرطة سكوتلانديارد، عن رأيه في يوجين فالمونت، فسيرسم هذا الرجل المزهو بنفسه تلك الابتسامة المتكبرة التي تعبر تماما عن شخصيته. أما إذا كنت أحد أصدقائه المقربين، فقد يخفض جفنه الأيمن وهو يجيب قائلا:
«أوه! أجل، إن فالمونت رجل محترم للغاية، ولكنه فرنسي.» وكأنه بهذه العبارة لم يكن ثمة حاجة إلى قول المزيد.
شخصيا، أحب هذا المفتش الإنجليزي كثيرا. وإذا ما تورطت يوما في شجار، فلن أختار أن يكون إلى جانبي أي رجل سوى سبنسر هيل. سيكون صديقي هيل رفيقا نافعا في أي موقف أحتاج فيه إلى قبضة قوية يمكنها أن تطرح ثورا أرضا، ولكن فيما يخص التفكير والفطنة وسعة الحيلة؛ أوه، حسنا! أنا أكثر الناس تواضعا ولن أقول شيئا.
سيكون من الممتع أن تروا هذا العملاق وهو يدخل غرفتي مساء ويدعي كذبا أنه يرغب في تدخين غليون معي. إن الفرق بيني وبين هذا العملاق الطيب كالفرق بين غليونه الأسود الغليظ وبين سجائري الرقيقة التي أدخنها بشراهة في وجوده لأحمي نفسي من دخان تبغه الكريه. أنظر بسرور إلى هذا الرجل الضخم وهو يحاول هباء، بخفة ظل ولمعة في عينيه ظنا منه أنه قد نجح في خداعي، الحصول مني على تلميح يساعده فيما يخص أي قضية تحيره في تلك اللحظة، بينما أربكه أنا بسهولة تماما كما يراوغ كلب صيد كلب درواس ثقيل الوزن، ثم في النهاية أقول له ضاحكا:
«هيا يا عزيزي هيل، أخبرني بالأمر وسأساعدك إن استطعت.»
في البداية كان يهز رأسه الضخم مرة أو مرتين ويقول إن السر لا يخصه. في آخر مرة فعل فيها هذا طمأنته بأن ما قاله كان صحيحا تماما، ثم سردت له التفاصيل الكاملة للموقف الذي وجد نفسه فيه، فيما عدا الأسماء لكونه لم يذكرها. لقد استشففت حيرته من بعض أجزاء حديثه معي على مدى نصف ساعة وهو يحاول اصطياد نصيحتي التي كان يمكنه بلا شك أن يأخذها إذا طلب مني ذلك صراحة. ومنذ ذلك الوقت لم يعد يأتيني إلا بالقضايا التي يستشعر حرية إفشاء تفاصيلها. ولحسن الحظ تمكنت من حل معضلة أو اثنتين له.
ولكن بقدر إيمان سبنسر هيل الراسخ بأنه لا توجد دائرة تحقيقات على كوكب الأرض يمكنها أن تتفوق على دائرة تحقيقات سكوتلانديارد، إلا أن ثمة نشاطا بعينه حتى هو نفسه يعترف بأن الفرنسيين يتفوقون فيه، وإن كان يخفف من اعترافه هذا بالقول إننا في فرنسا يسمح لنا دوما بفعل ما يحظر فعله في إنجلترا. ما أشير إليه هنا هو عملية التفتيش الدقيق للمنزل أثناء غياب مالكه. إذا كنتم قد قرأتم قصة إدجار آلان بو البديعة «الرسالة المسروقة»، فستجدون سردا لما أقصده، وهو أفضل من أي وصف يمكن لشخص مثلي، كثيرا ما شارك في مثل عمليات التفتيش هذه، أن يسجله.
حاليا يفتخر هؤلاء الناس الذين أعيش بينهم بعبارتهم الشهيرة «منزل الرجل الإنجليزي هو حصنه»؛ إذ لا يمكن حتى لرجل شرطة أن يخترقه دون أمر قضائي. وهو ما قد يبدو من الناحية النظرية جيدا جدا، ولكنكم إذا اضطررتم للذهاب إلى بيت أحدهم للتفتيش وأنتم تنفخون الأبواق وتقرعون الطبول، إذن عند الالتزام بجميع القيود القانونية، لا داعي للشعور بالإحباط إذا فشلتم في العثور على ما قد أتيتم بحثا عنه. إن الإنجليز أناس ممتازون بلا أدنى شك، وهي حقيقة أفتخر دائما بقولها على الملأ، ولكن لا بد أن نعترف أن الفرنسيين يفوقونهم بكثير في استخدام المنطق السديد. فإذا رغبت في الحصول على وثيقة إدانة في باريس، لا أرسل إلى المالك بطاقة بريدية أطلعه فيها على رغبتي، وهو إجراء يؤيده الشعب الفرنسي بكل عقلانية. بل لقد عرفت أشخاصا يلقون بمفاتيحهم إلى حارس المبنى، حين يخرجون لقضاء سهرة بالخارج، قائلين:
«إذا سمعت أن الشرطة تقوم بالتفتيش في الأنحاء وأنا غير موجود، فأرجو منك أن تساعدهم وأن تعبر لهم عن وافر احترامي.»
أتذكر أنني أثناء عملي كبيرا للمحققين في الحكومة الفرنسية، كان يطلب مني أن أتصل في ساعة معينة بالفندق الخاص بوزير الخارجية. كان ذلك في الوقت الذي كان يخطط فيه بسمارك لهجوم ثان على بلادي. ويسرني القول إنني لعبت دورا محوريا في تزويد المكتب السري بوثائق حجمت أهداف هذا الرجل الحديدي، وهو ما جعلني أستحق، كما أعتقد، العرفان بالجميل من بلادي. وهذا لا يعني أنني قد طالبت بهذا الحق أو حتى أشرت إليه عندما تنسى إحدى الوزارات اللاحقة الخدمات التي قدمتها. فكما قال رجل أعظم مني بكثير إن ذاكرة الجمهورية قصيرة المدى. ومع ذلك، فكل ما سردته آنفا ليس له أي علاقة بالواقعة التي على وشك قصها. أنا فقط أذكر هذه الأزمة لألتمس لهم عذر النسيان المؤقت الذي ربما تسبب لي في أي بلد آخر في عواقب وخيمة. ولكن في فرنسا؛ حسنا، نحن نتفهم تلك الأمور، ولم يحدث أي شيء.
كما يقولون في الغرب الكبير، أنا آخر شخص في العالم يفقد أعصابه. فأنا يوجين فالمونت الهادئ الرصين الذي لا يمكن أن يعكر صفوه أي شيء، ولكن تلك الفترة كانت من الفترات التي ازدادت فيها حدة التوتر، فأصبحت شاردا. كنت وحدي مع الوزير في منزله الخاص، وكانت واحدة من الأوراق التي كان يرغب في الاطلاع عليها في مكتبه بوزارة الخارجية؛ أو هكذا كان يظن، وقال:
«أوه، إنها في درج مكتبي بالمكتب. يا له من شيء مزعج! لا بد أن أرسل في طلبها!»
انتفضت واقفا وصحت ناسيا نفسي تماما: «إنها هنا.» وعندما لمست زنبرك أحد الأدراج السرية، فتحته وأخرجت منه الوثيقة التي يرغب فيها وسلمتها إليه.
لم أدرك وقع ما فعلته إلا حينما التقت عيني بنظرته الفاحصة الحادة، ورأيت الابتسامة الباهتة التي ارتسمت على شفتيه.
قال بهدوء: «لصالح من فتشت منزلي يا فالمونت؟»
أجبت بنبرة لا تقل لطفا عن نبرته قائلا: «سعادة الوزير، تنفيذا لأوامرك سأقوم بزيارة منزلية لقصر البارون دومولان الذي يحظى بتقدير عال ومكانة بارزة لدى رئيس جمهورية فرنسا. إذا علم أي من السيدين الموقرين بزيارتي غير الرسمية وسألاني لصالح من قمت بتلك الزيارة المنزلية، فما الرد الذي تود أن أجيب به؟»
«ستقول يا فالمونت إنك قمت بذلك لصالح وكالة الاستخبارات.»
«هذا ما سأقوله يا سيادة الوزير، وردا على السؤال الذي طرحته الآن، فقد شرفت بتفتيش هذا القصر لصالح وكالة الاستخبارات الفرنسية.»
ضحك وزير الخارجية ضحكة من القلب لا تحمل أي ضغينة قائلا:
«أردت أن أثني عليك فحسب يا فالمونت، وعلى كفاءة تفتيشك وبراعة ذاكرتك. هذه هي فعلا الوثيقة التي اعتقدت أنني قد تركتها في مكتبي.»
أتساءل ماذا كان سيقول اللورد لانسداون لو أظهر سبنسر هيل معرفة مشابهة بأوراقه الخاصة؟! ولكن الآن بعد أن عدنا إلى صديقنا العزيز هيل، فلا يجب أن ندعه ينتظر أكثر من ذلك.
أتذكر جيدا أحد أيام شهر نوفمبر عندما سمعت لأول مرة عن قضية سمرتريز. ففي ذلك اليوم غطى الضباب الكثيف لندن، حتى إنني ضللت طريقي مرتين أو ثلاث مرات، ولم تقبل أي عربة أجرة إقلالي مهما كان الثمن. فقد كان سائقو عربات الأجرة القليلون الموجودون في الشارع يقودون حيواناتهم ببطء عبر الشارع ليضعوها في إسطبلاتها. كان واحدا من تلك الأيام اللندنية الكئيبة التي ملأتني ضجرا وحنينا لمدينتي باريس ذات الأجواء الصافية، التي إن حدث وزارنا فيها الضباب الخفيف، فإنه يكون عبارة عن بخار نقي أبيض اللون، وليس كهذا الخليط اللندني المشبع بغازات الكربون الخانقة. كان الضباب شديد الكثافة لدرجة تعذر معها على أي عابر قراءة العناوين الرئيسية للصحف الملصقة على الرصيف، ولما لم يكن ثمة أي سباقات في ذلك اليوم على الأرجح، كان بائعو الجرائد يصيحون معلنين عما اعتبروه الحدث القادم الأهم، ألا وهي انتخابات الرئاسة الأمريكية. اشتريت صحيفة ودسستها في جيبي. كان الوقت متأخرا حين وصلت إلى شقتي، وبعد أن تناولت طعامي فيها على غير عادتي، ارتديت نعلي واتخذت كرسيا مريحا أمام المدفأة، وبدأت في قراءة الصحيفة المسائية. شعرت بالأسى عندما علمت أن السيد بريان المفوه قد هزم. لم أكن أعلم سوى القليل عن قضية الفضة، لكن قدراته الخطابية جذبتني وأثارت تعاطفي؛ لأنه كان يمتلك العديد من مناجم الفضة. وعلى الرغم من ذلك كان سعر المعدن منخفضا بشدة لدرجة أنه لم يكن قادرا، كما بدا، على كسب قوته من خلال تشغيل تلك المناجم. ولكن بالطبع تسببت الضجة التي أثارتها الدعاوى التي ترددت مرارا وتكرارا عن كونه مليونيرا من طبقة الأغنياء ذوي النفوذ في هزيمته في ديمقراطية يكون فيها الناخب العادي شديد الفقر وغير ميسور الحال، كما هي الحال مع الفلاحين في فرنسا. لطالما أوليت اهتماما كبيرا لشئون الجمهورية الشاسعة التي تقع غربا بعد أن بذلت جهدا كبيرا في تثقيف نفسي تثقيفا دقيقا فيما يتعلق بسياستها. وكما يعلم قرائي، على الرغم من أنني نادرا ما أقتبس أي مديح يقال عني، فقد اعترف أحد عملائي الأمريكيين مرة بأنه لم يكن على علم قط ببواطن — أعتقد أن هذه هي الكلمة التي استخدمها — السياسة الأمريكية حتى سمعني وأنا ألقي محاضرة عنها. ولكنه عاد وأضاف أنه كان دوما رجلا مشغولا طوال حياته.
تركت الصحيفة تنزلق من يدي على الأرض؛ إذ كان الضباب في الواقع يخترق حتى شقتي، فأصبح من الصعب القراءة، على الرغم من وجود ضوء المصباح الكهربي. دخل خادمي وقال إن السيد سبنسر هيل يرغب في رؤيتي، والحق أنني في أي ليلة، لا سيما في ليلة مطيرة ضبابية كهذه، أكون أسعد كثيرا بتجاذب أطراف الحديث مع صديق من قراءة صحيفة.
«يا إلهي، عزيزي السيد هيل، يا لك من رجل شجاع أن تخرج في مثل هذا الضباب الكثيف الليلة!»
قال هيل بفخر: «أوه سيد فالمونت، لا يمكن أن تتحملوا ضبابا كهذا في باريس. أليس كذلك؟»
أجبت مقرا وأنا أنهض لتحية ضيفي وإجلاسه: «بلى، أنتم تتفوقون في ذلك.»
قال وهو يشير إلى صحيفتي: «أرى أنك تقرأ آخر الأخبار. أنا مسرور بشدة أن هذا الرجل بريان قد هزم؛ الآن سنحظى بأوقات أفضل.»