Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
«مطلوب في الحال، براتب سنوي قدره ٥٢٠ جنيها إسترلينيا، سكرتيرة لمختبر. فتاة صغيرة السن؛ لا يشترط الخبرة السابقة، ولكن لا بد من أن تكون قد اجتازت اختبارا معترفا به يشمل مادتي الفيزياء والكيمياء اللاعضوية (المستوى الأساسي). الأولوية لمن تنحدر من أسرة لها باع في المجال العلمي. التقديم من خلال إرسال خطاب على صندوق بريد رقم ٩٧٥٤، ديلي ميجافون. إذا طلب صاحب الإعلان من المتقدمة للوظيفة الحضور لإجراء مقابلة شخصية؛ يتكفل هو بدفع أجرة المواصلات من أي محطة تقع في نطاق مسافة مائة وخمسين ميلا من لندن.»
أرسل صديق مخلص إحدى الصحف التي تحتوي على هذا الإعلان إلى مزرعة هيفيتري، ووضع دائرة حول الإعلان بقلم رصاص أزرق اللون. وجدت ميرابيل ليستر الجريدة على أريكة الرواق حين عادت بعد أن أطعمت الدجاج، وظنت أن من أرسلها هو سمسار أراضي منطقة ألينجتون الذي لطالما لفت انتباهها إلى أصحاب الإعلانات الذين يتمنون شراء المزارع الزهيدة الثمن. كان هذا من عادته. أما ميرابيل فكان يساورها شعور بأنه يكره وجودها في الريف، وكان حريصا أن يحل محلها مالك أقل فقرا. فتحت الغلاف بإصبع إبهام يكسوه التراب، وانتقلت بطبيعة الحال إلى صفحة الإعلانات، وما زال السمسار يسيطر على تفكيرها. تفحصت عيناها سريعا عمود «مطلوب للشراء». كان هناك عدة إعلانات من نوعية «سادة محترمون يطلبون شراء مزرعة صغيرة في منطقة جيدة»، ولكن لم يرق لها أي منها، وكانت تتساءل عن السبب الذي جعل الرجل البخيل ينفق بنسين ونصفا على طابع بريد وورقة حين وقعت عينها على الإعلان المرسوم حوله دائرة. هتفت ميرابيل قائلة: «رباه!» وقد تباعدت شفتاها الحمراوان في دهشة يغلبها الحماس. رفعت العمة ألما عينيها عن دفتر قصاصات الجرائد، وقد تفاجأت من دخول ميرابيل باندفاع. قالت ميرابيل بنبرة استعراضية، وهي تشير بإصبعها إلى الإعلان: «أنا!» ثم تابعت: «أنا شابة صغيرة السن، من دون خبرة، لدي شهادة عليا، وكان لأبي شأن في مجال العلوم. ونحن، يا ألما، على بعد مسافة مائة وأربعين ميلا بالضبط من مدينة لندن!»
«يا إلهي!» قالتها العمة ألما، وهي سيدة ذات مظهر هزيل ومروع، يبث الرعب في نفوس التجار والعاملين في المزرعة، رغم أنها امرأة وديعة للغاية.
«أليس هذا رائعا؟ هذا يحل كل مشكلاتنا. سنترك المزرعة لمارك، وننتقل إلى شقتنا في بلومزبري — يمكننا تحمل تكلفة تذكرة أو تذكرتين للمسرح أسبوعيا.»
قرأت ألما الإعلان مرة ثانية.
قالت بنبرة حذر معتادة: «يبدو جيدا، رغم أنني لا تعجبني فكرة عملك، يا عزيزتي. والدك العزيز …»
قالت ميرابيل بنبرة قاطعة: «كان سيوصلني إلى المدينة، وكنت سأحصل على الوظيفة الليلة.»
ولكن ألما لم تكن متأكدة. فلندن مليئة بالمخاطر والشرور التي لا توصف والمتربصة في أزقتها ودروبها المظلمة. وهي نفسها لم تذهب إلى لندن مطلقا إلا رغما عنها.
قالت ألما: «لقد ذهبت إلى هناك قبل سنوات حين كان رجال العدالة الأربعة المرعبون هناك، يا عزيزتي»، واستمعت ميرابيل، التي كانت تحبها، إلى قصتها المحفوظة. وواصلت ألما: «لقد أرعبوا لندن. لم يكن في استطاعة المرء أن يخرج ليلا وهو متأكد من أنه سيعود حيا مرة أخرى … أما وقد حصلوا على عفو غير مشروط! فهذا يشجع الجريمة بكل بساطة.»
قالت ميرابيل (وكان هذا ردها المحتوم): «عزيزتي، لم يكونوا مجرمين مطلقا. هم رجال أثرياء بذلوا حياتهم لمعاقبة أولئك الذين يفلتون من أصابع القانون العتيقة الزلقة. وقد عفي عنهم بسبب المهام الاستخباراتية التي أنجزوها في الحرب؛ أحدهم عمل لمدة ثلاثة أشهر في مكتب الحرب الألماني، ولم يكونوا أربعة مطلقا، بل كانوا ثلاثة فقط. وأود أن ألتقي بهم … لا بد أنهم لطفاء!»
عندما تظهر التكشيرة على وجه العمة ألما، يصبح وجهها بشعا. تحاشت ميرابيل أن تلتقي بعينيها.
قالت: «على أي حال، هم ليسوا في لندن الآن، يا عزيزتي، وسيمكنك النوم في هدوء في الليل.»
تساءلت الآنسة ألما جودارد بنبرة متشائمة: «ماذا عن الأفعى؟»
في الوقت الحالي، كان موضوع الأفعى هو أحد الموضوعات التي لا يتمنى أي شخص يفكر في زيارة لندن أن يذكره بها أحد. إذ يستيقظ ستة ملايين شخص من نومهم كل صباح، ويفتحون الجرائد ويبحثون عن آخر أخبار الأفعى. ثماني عشرة جريدة يومية لا تترك يوما مطلقا دون أن تخبر قراءها بأن الخوف كان سلوكا صبيانيا، وتعلق تعليقا صادما على النزعات العصبية للعصر؛ كما أنها تنشر، على أوقات منتظمة، تفاصيل دقيقة عن المامبا السوداء، وعاداتها وطابعها الفتاك، وتخصص طاقما كبيرا من المراسلين المتحمسين «للعمل على هذه القصة الإخبارية».
لقد هربت المامبا السوداء، وهي أكثر الثعابين الأفريقية فتكا، من حديقة الحيوان في إحدى الليالي الباردة والضبابية في شهر مارس. وكان من المفترض أن تكون هذه هي نهاية القصة – فقرة من ثلاثة سطور، تتبعها في اليوم التالي فقرة أخرى من ثلاثة سطور تذكر تفصيليا كيف عثر على الأفعى ميتة على الأرض المتجمدة؛ لأن المامبا لا تستطيع أن تعيش في درجة حرارة أقل من ٧٥ فهرنهايت. ولكن الفقرة الثانية لم تظهر أبدا. وفي الثاني من أبريل، عثر شرطي على رجل متكوم عند مدخل في ميدان أورم. وتبين أنه سمسار بورصة معروف، وثري فيما يبدو، يدعى إيميت. كان قد فارق الحياة. ووجد في وجهه المتورم جرحين لثقبين صغيرين، وأبدى العالم البارز الذي استدعي للمشورة رأيه بأن الرجل توفي إثر لدغة أفعى؛ أفعى مميتة للغاية. كانت الليلة باردة، وكان الرجل قد ذهب إلى المسرح بمفرده. وصرح سائقه بأنه قد ترك سيده بروح معنوية مرتفعة عند عتبة الباب. أظهر المفتاح الذي عثر عليه في يد الرجل المتوفى أنه قد لدغ قبل أن تبتعد السيارة. وعندما جرى التحقق من أحواله، تبين أنه كان مفلسا على نحو ميئوس منه. وقد اختفت مبالغ مالية ضخمة كانت قد سحبت من حسابه البنكي قبل ستة أشهر.
لم تكد لندن تتعافى من هذه المفاجأة الصادمة، حتى ظهرت الأفعى من جديد. هذه المرة في الشارع المزدحم، ليقع اختيارها على ضحية متواضعة، رغم أنها ضحية ليست فوق مستوى الشبهات بأي حال من الأحوال. سجين سابق يدعى سيرك، مشرد قليل الحظ بلا أموال، شوهد يسقط أرضا من خلال حارس الحديقة بالقرب من تمثال أخيل في حديقة هايد بارك. وبمجرد أن وصل إليه الحارس، كان قد توفي. لم يكن هناك أي علامة على وجود أفعى — لم يكن هناك أحد بالقرب منه. هذه المرة، تركت الأفعى لدغتها على الرسغ — جرحان لثقبين بالقرب بعضهما من بعض.
بعد مرور شهر، سقط الرجل الثالث ضحية للأفعى. كان موظفا في بنك إنجلترا، رجل محترم شوهد يسقط في قطار مترو الأنفاق، وعند نقله إلى المستشفى، تبين أنه قد توفي أيضا بلدغة أفعى.
هكذا صارت الأفعى رمزا يوميا للخوف، وذاع صيتها المشئوم حتى طوق الآفاق ووصل إلى مزرعة هيفيتري.
قالت ميرابيل، وهي ترتجف: «سحقا!» وتابعت: «ألما، أتمنى لو أنك لا تحتفظين بهذه الفظائع في دفتر قصاصات الجرائد.»
قالت ألما بنبرة متزنة: «إنها تمثل حقيقة الحياة»، ثم أردفت متسائلة: «متى تحددين موعد مقابلتك الشخصية؟» فضحكت الفتاة.
قالت بلهجة عملية: «سنبدأ على الفور، من خلال التقديم للوظيفة». ثم أضافت: «ولست بحاجة إلى البدء في تعبئة صناديقك لوقت طويل جدا!»
وبعد مرور ساعة اعترضت طريق ساعي بريد القرية، وسلمته خطابا.
وكانت هذه هي بداية المغامرة التي شملت أشخاصا وأقدارا كثيرة، والتي كادت أن تسطر نهاية رجال العدالة الثلاثة، وتحول قلب لندن ذات يوم إلى ساحة معركة.
جاء الرد بعد يومين من إرسال الخطاب، مكتوبا على الآلة الكاتبة، وشخصيا على نحو مدهش، وجاءت كلماته باعثة على الفضول في بعض المواضع. وكان هناك مبرر لذلك؛ إذ كانت ترويسة الصفحة مكتوبا عليها: أوبيرزون آند سميتس، تجار ومصدرون.
وفي اليوم الثالث، نزلت ميرابيل ليستر من حافلة في سيتي رود، ومرت عبر بوابة المغامرة المتواضعة، تبعها سائق يتملكه الفضول رآها تدخل، ولحق بها في الردهة.
«معذرة يا سيدتي، هل أنت السيدة كارتر؟»
لا تبدو ميرابيل بأنها سيدة أي شخص.
ردت قائلة: «كلا»، ثم ذكرت اسمها.
«ولكنك السيدة الآتية من هيرفورد، أنت تعيشين مع والدتك في تيلفورد بارك … أليس كذلك؟»
كان الرجل منفعلا جدا لدرجة أنها لم تتضايق من إلحاحه. فمن الواضح أن لديه تعليمات بمقابلة سيدة غريبة، وكان يخشى أن يفقدها.