Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
انتزع جسدي على الفوربألم يثير الأسى،أجبرني على بدء قصتي،ثم حررني.ومنذ ذلك الحين، وفي ساعة غير محددةيعود الألم،وحتى أروي قصتي المريعةيظل هذا القلب يحترق بداخلي.من قصيدة «البحار العجوز»، كولريدج
سمعت أنه حينما تحدث لإنسان مغامرة غريبة أو خارقة للعادة أو سحرية، فإن هذا الشخص، مهما تكن رغبته في إخفاء الأمر، يشعر في فترات معينة بأنه محطم بفعل زلزال فكري إن جاز التعبير، ويضطر إلى كشف أعماق روحه الدفينة لشخص آخر. وأنا شاهد على صحة ذلك. لقد قطعت على نفسي عهدا غاليا بألا أقص أبدا على أذن بشر الأهوال التي سببتها لنفسي بسبب فرط كبريائي الشيطانية. وقد مات الرجل المقدس الذي استمع إلى اعترافي وأعادني إلى الكنيسة؛ فلا أحد يعرف أنه ذات مرة …
لماذا ينبغي ألا يكون الأمر كذلك؟ لماذا تقص قصة تحد غير ورع للقدر، وذل قاهر للروح؟ لماذا؟ أخبرني أيها العالم بأسرار الطبيعة البشرية! أنا أعلم فقط أن الأمر هو هكذا، وعلى الرغم من العزم القوي، ومن الكبرياء التي تتملكني، ومن الشعور بالخزي، وحتى من الخوف من أن أضع نفسي موضع احتقار بني جنسي؛ فلا بد لي من أن أتحدث.
جنوة! مدينتي التي ولدت فيها وأفخر بها! ها أنا أنظر إلى أمواج البحر المتوسط الزرقاء. هل تذكرينني في صباي، حينما كانت منحدراتك وصخورك البارزة من مياه البحر وسماؤك الصافية وكرومك المبهجة هي عالمي؟ كم كان وقتا سعيدا! فالقلب كان شابا، والعالم الضيق الحدود يقيد طاقاتنا البدنية، ويفتح — بسبب هذا القيد نفسه — مجالا رحبا للخيال، وتتحد فترات الوحدة في حياتنا والبراءة والمتعة. لكن، من ذا الذي يستطيع أن يتذكر الطفولة ولا يتذكر مآسيها ومخاوفها المريعة؟ لقد ولدت بروح هي الأكثر استبدادا وتعاليا وجموحا، لم تمنح لبشر فان قط. لم أرتجف إلا أمام والدي. ولأنه كان رجلا كريما ونبيلا، وإن كان متقلب المزاج ومستبدا، فقد عزز الرعونة الجامحة في شخصيتي وقمعها في الوقت نفسه، جاعلا الطاعة ضرورية، وإن لم تجلب أي احترام للدوافع التي كانت توجه أوامره. كان أمل قلبي المتمرد ودعاؤه هو أن أصبح رجلا حرا ومستقلا، أو بالأحرى أن أصبح وقحا ومسيطرا.
كان لوالدي صديق ثري من نبلاء جنوة، حكم عليه فجأة بالنفي في اضطراب سياسي، وصودرت أملاكه. ذهب الماركيز توريلا إلى المنفى بمفرده. كان أرمل مثل والدي، وكانت له طفلة واحدة، هي جولييت الرضيعة تقريبا، التي تركت تحت وصاية أبي. ولولا أني كنت مجبرا على حمايتها، لأصبحت بالتأكيد سيدا قاسيا لهذه الفتاة اللطيفة. لقد أدت مجموعة من الأحداث الطفولية إلى نتيجة واحدة، وهي أن تراني جولييت ملاذا آمنا؛ وأن أراها شخصا سيهلك حتما، بسبب رهافة الشعور الغالبة على طبعها، لولا رعايتي الحارسة. كبرنا معا، وكان جمال هذه الفتاة العزيزة يفوق جمال الوردة المتفتحة في الربيع. كان وجهها يشع جمالا. قوامها وخطوتها وصوتها … ما زال قلبي ينتحب حتى الآن حين أفكر فيما حواه هذا الكائن الملائكي من اطمئنان ولطف ونقاء. حينما كنت في الحادية عشرة من عمري وكانت جولييت في الثامنة، أظهر قريب لي أكبر منا كثيرا — وكان يبدو لنا كأنه رجل — اهتماما كبيرا برفيقة لعبي، وكان يطلق عليها عروسه، وطلب منها الزواج. رفضت، فأصر، وجذبها نحوه على غير رغبتها. ألقيت نفسي عليه وقد ارتسم الجنون على وجهي وسيطر على مشاعري — وحاولت جاهدا أن أستل سيفه — وتعلقت في رقبته عازما بشدة على خنقه، فاضطر إلى طلب المساعدة ليتحرر من قبضتي. في تلك الليلة، اصطحبت جولييت إلى غرفة العبادة في منزلنا، وجعلتها تلمس الآثار المقدسة، وخطفت قلبها الطفولي، ودنست شفتيها الطفوليتين بأن جعلتها تقسم أن تكون لي، ولي وحدي.
حسنا، انقضت تلك الأيام. وعاد توريلا بعد بضع سنين، وقد أصبح أكثر ثراء وازدهارا مما كان. ولما بلغت السابعة عشرة توفي والدي، وقد كان معروفا بشدة الإسراف، وابتهج توريلا لأن كوني قاصرا سيسمح له باستعادة ثرواتي. أعلنت خطبتي أنا وجولييت بجوار فراش أبي المحتضر. وكان من المفترض أن يصير توريلا أبا ثانيا لي.
رغبت في رؤية العالم، وانغمست في رغبتي. سافرت إلى فلورنسا، وإلى روما، وإلى نابولي، ومنها ذهبت إلى تولون، وبعد فترة طويلة وصلت إلى ما كان لوقت طويل منتهى أمنياتي؛ إلى باريس. في ذلك الوقت، كانت باريس تعج بأحداث صاخبة؛ فقد أصبح الملك المسكين شارل السادس مسخرة بين البشر؛ إذ كان تارة عاقلا، وتارة مجنونا، وتارة ملكا، وتارة عبدا ذليلا. وكانت الملكة، ووريث العرش، ودوق بورجندي — الذين كانوا يتناوبون الصداقة والعداوة، فتارة يلتقون في احتفالات باذخة، وتارة يسفكون الدماء وهم يتنافسون — غافلين عن حالة البلاد البائسة، والأخطار المحدقة بها، وتفرغوا بالكامل للملذات المنحلة أو للصراع الوحشي. تبعتني شخصيتي أينما ذهبت؛ فقد كنت مغرورا وعنيدا، ومحبا للتفاخر، وفوق كل هذا رميت كل أنواع السيطرة خلف ظهري. فمن يمكنه أن يسيطر علي في باريس؟! تحمس أصدقائي الشباب لتعزيز كل شغف يغمرهم بالمتع. كنت أعتبر وسيما، وكنت سيد كل مغامرات الفروسية. لم تكن لي علاقة بأي حزب سياسي، وأصبحت مفضلا على الرغم من العجرفة والغرور، فقد عذرت بسبب صغر سني، وأصبحت طفلا مدللا. من ذا الذي كان يستطيع التحكم بي؟! ليس خطابات توريلا ونصائحه، وإنما الحاجة الماسة التي تزورني في الصورة المخيفة لمحفظة خاوية. ورغم ذلك، كانت توجد وسيلة لإعادة ملء الوفاض الخالي. بعت فدانا تلو الآخر، وعزبة تلو الأخرى. وتقريبا لم يكن يضاهي ملابسي ومجوهراتي وخيولي وأغطيتها مثيل في باريس البهية، بينما كانت الأراضي التي ورثتها تنتقل إلى حوزة الآخرين.
تربص دوق بورجندي بدوق أورليانز وقتله، واستحوذ الخوف والرعب على باريس كلها، والتزم وريث العرش والملكة الصمت، وأوقفت كل المباهج. وانتابني القلق من هذه الحالة، وحن قلبي إلى مراتع صباي. كنت شبه متسول، لكن كان بإمكاني الذهاب إلى هناك، مع ذلك، والمطالبة بعروسي، وإعادة تكوين ثروتي. كان يمكن لبضع مجازفات محظوظة أن تجعلني ثريا مرة أخرى. ورغم ذلك، فلم أكن لأعود بمظهر متواضع، وكان آخر ما فعلت هو التخلص من الضيعة الباقية القريبة من ألبارو مقابل نصف ثمنها كي أحصل على مال نقدي. وبعد ذلك، أرسلت كل أنواع العمال المهرة، والأقمشة المطرزة، وأثاثا تبدو عليه الأبهة الملكية، من أجل تجهيز قصري في جنوة، وهو آخر أثر من إرثي. إلا أنني مكثت هنا قليلا خجلا من دور الابن الضال العائد الذي خشيت أن أمثله. أرسلت الخيول؛ وأرسلت حصانا إسبانيا لا مثيل له إلى عروسي الموعودة، وكانت كسوته تبرق بالجواهر والقماش المنسوج من خيوط الذهب، وجعلت الحرفين الأولين من اسمينا — «جولييت وجويدو» — ينقشان متشابكين على كل أجزاء الكسوة. ولقيت هديتي استحسانا في عينها وعين أبيها.
لكن تصور أن أعود مسرفا مذموما في نظر الناس، رمز الزهو المتبجح، وربما الازدراء، وأن أواجه ملامات أبناء وطني أو تهكماتهم بمفردي لم يكن مغريا. ولأتقي الاستهجان، دعوت ثلة من رفاقي الأكثر طيشا ليصحبوني، وهكذا ذهبت متسلحا ضد العالم، أخفي غصة من الخوف والندم وراء ستار من التبجح والإظهار الوقح للغرور المشبع.
وصلت إلى جنوة. ووطأت قدمي رصيف قصر أجدادي. ولم تكن خطوتي الفخورة تعبر عما يجيش في قلبي؛ لأنني شعرت من أعماقي، وإن كنت محاطا بمظاهر الترف، بأني متسول. ولا بد أن أول خطوة أتخذها في طلب يد جولييت ستكشف بجلاء أنني متسول. قرأت الازدراء أو الشفقة في نظرات الجميع. تخيلت، وهكذا يتخيل الوعي ما يستحقه، أن الغني والفقير، والشاب والعجوز، ينظرون إلي باستهزاء. لم يقترب مني توريلا. ولا عجب في أن يتوقع والدي الثاني مني احترام الابن، المتمثل في أن أبادر أنا بزيارته. لكنني، بسبب الغضب والحنق النابعين من الإحساس بحماقاتي ورذيلتي، اجتهدت في إلقاء اللوم على الآخرين. أقمنا الحفلات الصاخبة في بالاتسو كاريجا كل ليلة، وتبع كل ليلة من الليالي الصاخبة الخالية من النوم، صباح مفعم بالإرهاق والكسل. وفي آفي ماريا استعرضنا أجسادنا الجميلة في الشارع، وضحكنا من المواطنين غير الثملين، ورمقنا بنظرات وقحة النساء اللاتي كن يتحاشيننا. ولم تكن جولييت بين هؤلاء النساء، كلا، كلا، فلو كانت هناك لابتعدت خجلا، إن لم يرمني الحب أسفل قدميها.
سئمت ذلك، وقمت بزيارة مفاجئة للماركيز، وكان في إحدى فيلاته الكثيرة المنتشرة في ضاحية سان بيترو دارينا. كان ذلك في شهر مايو؛ شهر مايو في هذه الجنة الأرضية حيث يتوارى نوار أشجار الفاكهة بين الأوراق الخضراء الكثيفة، وتتسلق النباتات المعترشة، وتعج الأرض بزهور الزيتون المتساقطة، وتنتشر الفراشات المضيئة على سياج نبات الآس، وترتدي السماء والأرض عباءة من الجمال الفائق. رحب بي توريلا بلطف، وإن كان بصرامة، وسرعان ما اختفت لمحة الاستياء التي اكتنفته. رقق تشابه الملامح بيني وبين أبي، ونبرة سذاجة الشباب التي لم تزل تسكنني رغم أفعالي السيئة، قلب العجوز الطيب. أرسل في طلب ابنته، وقدمني لها بصفتي خطيبها. بوركت الغرفة بنور مقدس بمجرد دخولها. كانت ملائكية المظهر، ذات عينين واسعتين وحنونتين، يرتسم على خديها غمازتان، وكان فمها حلوا مثل الأطفال، فصارت تجسيدا للاتحاد النادر بين السعادة والحب. وتملكني الإعجاب في البداية، أما كونها لي فكان ثاني مشاعر الفخر التي اعترتني، وزمت شفتاي في انتصار متكبر. لم أكن لأستحق أن أكون الفتى المدلل (أو الحبيب المدلل في هذا السياق) لدى جميلات فرنسا لو لم أتعلم فن إرضاء قلب المرأة الرقيق. وإذا كنت شخصا لا يطاق فيما يخص الرجال، فإنني على النقيض، أظهر قدرا أكبر من الاحترام للنساء. بدأت التودد بترديد الكثير من عبارات الغزل على مسمعي جولييت التي لم تقبل مطلقا بالحب الذي أبداه لها الآخرون؛ لأنها تعهدت أن تكون لي منذ الطفولة، والتي لم تزل مبتدئة في لغة المحبين، وإن اعتادت سماع تعبيرات الإعجاب.
سارت الأمور على ما يرام أياما عدة. فلم يلمح توريلا إلى إسرافي، وعاملني كابنه المفضل. لكن جاء الوقت الذي تعكر فيه صفو هذه العلاقة حينما ناقشنا تجهيزات قراني بابنته؛ فقد سبق أن أبرم عقد في حياة والدي، وأنا جعلت هذا العقد باطلا حقا بتبديد كل الثروة التي كان يجب أن تكون شركة بيني وبين جولييت. ونتيجة لذلك، اختار توريلا اعتبار هذه الاتفاقية لاغية، واقترح أخرى، وعلى الرغم من أن الثروة التي منحها في هذه الاتفاقية كانت أكبر على نحو هائل، فقد كانت فيها قيود كثيرة متعلقة بأسلوب إنفاقها، لدرجة أنني وبخته على استغلال موقفي، ورفضت تماما قبول شروطه؛ فأنا أرى الاستقلال فقط في الحياة الحرة المناسبة لإرادتي المستبدة. حاول العجوز برفق أن يعيدني إلى رشدي، واستبدت كبريائي المثارة بتفكيري، فاستمعت ساخطا، وقاومته بازدراء.
«جولييت، أنت لي! ألم نتبادل العهود في طفولتنا البريئة؟ ألسنا واحدا أمام الرب؟ وهل سيفرق بيننا والدك القاسي المتجبر؟ كوني كريمة يا حبيبتي، كوني عادلة، ولا تنزعي هديتك وآخر كنز لدى حبيبك جويدو، لا تتراجعي عن عهودك، فلنتحد العالم، ولا نعر بالا لحسابات العمر، ولنجد في حبنا المتبادل ملاذا من كل الشرور.»
لا بد أنني كنت شيطانا إذ حاولت بزخرف القول أن أسمم تفكيرها العفيف وحبها العطوف. ابتعدت جولييت عني خائفة، فلقد كان والدها من أفضل الرجال وأكثرهم طيبة، واجتهدت في أن تبين لي كيف أن طاعته ستؤدي إلى كل خير. سوف يستقبل إذعاني المتأخر بعاطفة ودية، وسوف يتبع توبتي عفو كريم منه. لم يكن استخدام ابنة شابة ورقيقة لهذه الكلمات ليجدي مع رجل معتاد على جعل إرادته قانونا، وعلى الشعور في صميم قلبه بأنه مستبد غاية في الشدة والعناد، لا يستطيع أن يذعن إلا لرغباته الطاغية! وزاد سخطي مع المقاومة؛ ولم يتردد رفاقي الشرسون في صب الزيت على النار. ووضعنا خطة لخطف جولييت. بدت الخطة مكللة بالنجاح في بدايتها، وفي منتصفها، في طريق العودة، لحق بنا الأب المكلوم وخدمه. ونشب بيننا صراع. وقبل أن يأتي حرس المدينة لحسم الصراع لصالح أعدائنا أصيب اثنان من خدم توريلا بجروح خطرة.
إن هذا الجزء من تاريخي يثقل صدري كثيرا. ولأنني تغيرت الآن فإنني أكره نفسي حين أتذكره. لا يستطيع أي شخص يسمع هذه القصة أن يشعر بما أشعر به. لقد كنت عبدا لعنفوان مزاجي المستبد الذي كنت منقادا له أكثر من انقياد حصان مستشيط غضبا من راكبه المسلح بمهاميز حادة. تملك الشيطان روحي، وضايقها حد الجنون. شعرت بصوت الضمير داخلي، وكنت إذا أذعنت له برهة يزيحني عن موقفي إعصار غضبي العارم، ويجرفني في تياره الذي أثارته عاصفة غروري. سجنت، وأطلق سراحي بناء على طلب توريلا. وعدت مرة أخرى لأخطفه هو وابنته إلى فرنسا، فذلك البلد البائس الذي كان في ذلك الحين فريسة للقراصنة وعصابات الجنود المتمردين كان ملاذا يمتن له المجرمون أمثالي. افتضحت مؤامرتنا، وحكم علي بالنفي؛ ولأن ديوني كانت هائلة بالفعل، فقد وضعت أملاكي المتبقية في أيدي المفوضين سدادا لمستحقاتهم. ومرة أخرى عرض توريلا وساطته، مطالبا فقط بأن أتعهد له بألا أكرر محاولات الخطف الفاشلة معه ومع ابنته. رفضت عروضه، وخلت أنني انتصرت حينما طردت من جنوة، منفيا وحيدا معدما. كان أصدقائي قد رحلوا، فقد طردوا من المدينة قبل بضعة أسابيع، وأصبحوا في فرنسا. كنت وحيدا بلا أصدقاء، بلا سيف بجانبي، ولا مال في محفظتي.
تجولت على شاطئ البحر، تتملك روحي وتمزقها دوامة من الغضب. كنت أشعر كما لو كان فحم متقد يحترق في صدري. فكرت أولا فيما يجب فعله. فكرت في الانضمام إلى عصابة قراصنة. وبدا الانتقام في نظري كلمة تشعرني بالراحة، فاحتضنته، ومسدته، حتى لدغني مثل الثعبان. ثم فكرت مرة أخرى في أن أخلف جنوة وراء ظهري وأكرهها؛ فما هي إلا زاوية صغيرة في العالم. ومن الممكن أن أعود إلى باريس التي تجمع فيها كثير من أصدقائي، حيث ستكون خدماتي موضع ترحيب حار، ومن الممكن أن أحصد الثروة بسيفي، ومن الممكن من خلال النجاح أن أجعل محل ميلادي، التافه وتوريلا المزيف يندمان على اليوم الذي طرداني فيه خارج جدرانها مكررين مأساة كوريولانوس. هل سأعود إذا إلى باريس، متسولا، سيرا على القدمين وأقدم نفسي في حالتي الرثة إلى أولئك الذين كنت أمتعهم ببذخ؟ إن مجرد التفكير في ذلك كان يثير في نفسي السخط.
بدأ عقلي يدرك حقيقة الأمور، فتسلل اليأس إلى نفسي. بقيت سجينا بضعة أشهر، وعذبت بلايا السجن روحي حتى الجنون، لكنها هزمت جسدي. أصبحت ضعيفا وذابلا. استخدم توريلا ألف حيلة ليوفر لي الراحة، واكتشفتها كلها وازدريتها، وحصدت نتيجة عنادي. ماذا يجب أن أفعل؟ هل أركع أمام عدوي وألتمس منه الغفران؟ أفضل أن أموت عشرة آلاف موتة! يجب ألا أنيله أبدا هذا النصر! أنا أكرهه؟ أقسم أنني أكرهه كراهية أبدية! كراهية ممن؟ ولمن؟ من منبوذ متجول لنبيل قوي. أنا ومشاعري لسنا شيئا في نظره، لقد نسي بالفعل شخصا تافها مثلي. ولاحت جولييت ووجهها الملائكي وقوامها الرشيق وسط سحب يأسي بجمالها الفتان؛ لأنني خسرتها — حسناء العالم وزهرته! وسيقول عنها آخر إنها ملكه! — تلك الابتسامة الملائكية ستبارك رجلا آخر!
ما زال قلبي يخبو بين جوانحي كلما تذكرت هذه الهزيمة بأفكارها البشعة. ظللت أتجول على الشاطئ الصخري الذي يزداد وحشة وعزلة مع كل خطوة، تارة تهزمني الدموع، وتارة أهذي من شدة كربي. كانت الصخور المعلقة والجروف الرمادية تطل على المحيط الذي لا مد به ولا جزر، والكهوف السوداء تتثاءب فاغرة أفواهها، والمياه العقيمة لا تكف عن الخرير والارتطام بين التجاويف التي أبلاها البحر. والآن أصبح طريقي شبه مسدود بسبب جرف حاد يكاد يستحيل تجاوزه بسبب القطع الصخرية المتساقطة من المنحدر. قبيل المساء، ظهرت صوب البحر، كما لو كانت بيد ساحر لوح بعصاه السحرية، مجموعة سحب داكنة غطت سماء المغرب الزرقاء، وعتمت الأعماق الهادئة حتى تلك اللحظة، وأصابتها بالاضطراب. اتخذت السحب أشكالا رائعة غريبة، وكانت تتغير، وتتمازج، وتبدو كما لو كانت تسوقها قوة سحرية قوية. ورفعت الأمواج ذراها المزبدة، وهمهم الرعد في البداية ثم دوى عبر أنحاء المياه الواسعة التي اصطبغت بلون أرجواني قاتم، ورقشت بالزبد. كان المكان الذي وقفت فيه يطل من ناحية على محيط مترامي الأطراف، ويعترضه من الناحية الأخرى جرف حاد. وفجأة جاءت بالقرب من هذا الرأس البحري سفينة دفعتها الرياح. وحاول البحارة سدى أن يشقوا لها طريقا إلى البحر المفتوح، ودفعتها الرياح الهوجاء إلى الصخور. هذه السفينة ستهلك! وسيهلك كل من على متنها! يا ليتني كنت معهم! لأول مرة امتزجت في قلبي الشاب فكرة الموت بهذا الفرح. كان مشهد هذه السفينة وهي تصارع قدرها مريعا. لم أكد أتبين البحارة، لكني سمعتهم. وسرعان ما انتهى الأمر! صخرة كامنة غطتها الأمواج المتلاطمة تماما بحيث لا ترى كانت تنتظر فريستها. أرعد الرعد فوق رأسي لحظة ارتطام السفينة بعدوتها الخفية في صدمة مرعبة. وصارت شظايا في وقت وجيز. وقفت في أمان، بينما أخذ بنو جنسي يصارعون الهلاك بلا جدوى. أعتقد أنني رأيتهم يعانون، وسمعت حقا، وليتني ما سمعت، صرخاتهم التي غلبت صوت الأمواج من شدة الألم. وبددت الأمواج القاتمة حطام السفينة، وسرعان ما اختفت. ظللت مذهولا بالنظر حتى النهاية، أخيرا جثوت على ركبتي وغطيت وجهي بكلتا يدي، ثم نظرت مرة أخرى إلى أعلى، فوجدت شيئا يطفو على الأمواج قادما صوب الشاطئ، وأخذ يقترب أكثر فأكثر. هل كان ذلك هيئة بشرية؟ أصبح أوضح، وفي النهاية، جاءت موجة عاتية تحمل حمولة السفينة كلها وطرحته على صخرة. كان إنسانا يعتلي خزانة بحرية! — إنسانا! — لكن هل كان إنسانا؟ مؤكد أن مثله لم يوجد من قبل، فقد كان قزما مشوها، مطموس العينين، ممسوخ الملامح، مشوه الجسم لدرجة تجعل النظر إليه مرعبا. تجمد الدم في قلبي الذي تعاطف مؤخرا مع هذا المخلوق الذي انتشل على هذا النحو من قبر مائي. نزل القزم من على خزانته، وأبعد شعره المنسدل الأشعث عن طلعته المخيفة، وقال:
«قسما بالشيطان لقد هزمت تماما.» ونظر حوله، ورآني، فقال: «آه، قسما بالشيطان! ثمة حليف آخر للجبار. لأي قديس وجهت صلواتك أيها الصديق، إن لم تكن قد وجهتها لقديسي؟ لكني أتذكر أنك لم تكن معنا على متن السفينة.»
ابتعدت عن هذا الوحش وهرطقته. وسألني مرة أخرى، وأجبت بهمهمة غير مسموعة. فاستطرد قائلا:
«صوتك غارق في هذا الهدير الصاخب. ما أعظم الضوضاء التي يصدرها هذا المحيط الكبير! إن طلبة المدارس الخارجين من سجنهم ليسوا بأصخب من هذه الأمواج التي تعزف بحرية. إنها تزعجني. لا أريد المزيد من شجارها السيئ التوقيت. الصمت أيتها الأمواج البيضاء! غادري أيتها الريح! عودي إلى ديارك! طيري أيتها السحب إلى مساكنك واتركي السماء صافية!»
وبينما كان يتحدث، مد ذراعيه الطويلتين الهزيلتين اللتين تشبهان مخالب العنكبوت، وبدا كما لو أنه يحتضن بهما الأفق الممدود أمامه. هل كان هذا معجزة؟ لقد تشققت السحب وانقشعت، وأطلت السماء الزرقاء بقدر صغير في البداية، ثم فرشت فوقنا حقلا أزرق هادئا، وصارت الرياح العاصفة رياحا غربية خفيفة؛ وأصبح البحر هادئا، وتضاءلت الأمواج وأصبحت تموجات.
وقال القزم: «أحب الطاعة حتى في هذه العناصر الغبية. فما بالك بطاعة أكبر يقدمها عقل الإنسان الذي لا يمكن ترويضه! لقد كانت عاصفة جيدة التنظيم — يجب أن تعترف بذلك — وكانت كلها من صنعي.»
كان تبادل الحديث مع هذا الساحر لعبا بالنار. لكن القوة بكل أشكالها تلقى الاحترام. جذبني إليه الهيبة والفضول، وافتتان تعلقي.
قال الشقي: «تعال يا صديقي لا تخف. أنا لطيف حينما أكون مسرورا، وثمة ما يسرني في جسدك المتناسق ووجهك الوسيم، ولو أنك تبدو حزينا بعض الشيء. لقد عانيت على الأرض، أما أنا فعانيت من تحطم السفينة في البحر. ربما يمكنني أن أخفف من عاصفة حظك كما فعلت مع عاصفتي. هل نكون صديقين؟» ومد إلي يده، لكن لم أستطع أن ألمسها. فقال: «حسن إذا، فلنكن زميلين، هذا سيفي بالغرض. والآن، أخبرني وأنا أستريح بعد العاصفة التي تعرضت لها للتو، لماذا يتجول شاب أنيق مثلك وحيدا وحزينا هكذا على شاطئ هذا البحر الهائج.»
كان صوت الشقي عاليا ومخيفا، وكانت انحناءاته وهو يتحدث مخيفة لمن ينظر إليها. ورغم ذلك، فقد أثر في تأثيرا لم أستطع مغالبته، فأخبرته حكايتي. ولما انتهت الحكاية ضحك مطولا وبصوت عال، ورجعت الصخور صدى الصوت، كما لو كانت صرخات الجحيم تحيطني.
قال: «آه يا قريب الشيطان! لقد سقطت أنت أيضا بسبب كبريائك، وعلى الرغم من أنك لامع مثل ابن الصبح، فأنت مستعد للتخلي عن ملامحك الوسيمة، وعروسك، وسلامتك بدلا من الاستسلام لاستبداد الخير. أنا أحترم اختيارك، أقسم لك بروحي! لذلك هربت واستسلمت، وتنوي أن تتضور جوعا على هذه الصخور، وتدع الطيور تنقر عينيك الميتتين بينما يبتهج عدوك وخطيبتك لهلاكك. أعتقد أن كبرياءك تشبه الذل على نحو غريب.»
وأثناء حديثه كان كثير من الأفكار المسمومة يلدغ قلبي.
صرخت: «وماذا يجب أن أفعل، في رأيك؟»
قال: «أنا! آه، لا شيء، ارقد هنا فحسب، واتل صلواتك قبل أن تموت. لكن لو كنت مكانك لعرفت الأمر الذي يجب فعله.»