Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
في ذات صباح من أبهى أيام حزيران ظهرت عربة يجرها ثلاثة من الخيل الضوامر على الطريق الممتدة من بيروت إلى دمشق، وكانت الخيل تلهث إعياء وقد تصببت عرقا راغيا، وسنابكها تنشب في الأرض فتثير الغبار المتلبد، بينما الحوذي ينشطها بصوت يشبه الطعطعة، والكلاب تنبحها من دكان منفردة أو بيت معتزل، والقنابر تنفر من بين السنابل وتحلق في الهواء صافرة، هذا والشمس عند شروقها أرسلت أشعتها إلى العربة، فرسمت لها من الظل صورة تتابعها، صافرة وراءها بحركات غريبة بين الأشجار العارية، والشجيرات الرميمة التي تلوح حينا بعد حين على شفا الطريق.
مضى على الخيل نحو الأربع ساعات بعد مزايلتها بيروت، راقية في معارج الجبل، تطوي الربى بين الخيزلي «مشية متثاقلة» والهيذبي «مشية ثقيلة»، أو تراوح بين الخبب والتقريب «مشي سريع»، لا تقف إلا لحظة ريثما تتنفس الصعداء حتى أداها المسير إلى خان منفرد شرقي الطريق، فإذا بالسائق وهو زنجي لامع السواد أوقفها وانحدر إلى الأرض أسرع من البرق وفتح باب العربة قائلا: وصلنا يا سيدي هذا هو الخان.
فسمع من الداخل صوت لا تحد لهجته مكررا «وصلنا»، ثم خرج رجل طويل القامة وفي يساره خريطة حوت — لا شك — بعض لوازم السفر، فمد السائق يده ليحملها عنه فامتنع هذا، وأخذ من جيبه قطعة من الذهب ناوله إياها، فبرقت عينا الحوذي سرورا وأكثر من علامات الشكر وعبارات الامتنان، عارضا نفسه لكل خدمة، ولما لم يؤانس من الرجل إقبالا عليه عمد إلى خيله يكشط عنها رغوة العرق والغبار المتلبد وهو يدعوها بألطف الأسماء، ويخاطبها بأرق العبارات ريثما عاد إليها الرمق، فبادر إلى بئر هناك غربي الطريق وجاء بماء صبه على مشافرها ودفقه بين قوائمها كل ذلك في لحظة، ثم استوى على كرسيه وفرقع بسوطه إيذانا بالرحيل، والتفت إلى المسافر قائلا: «أنا راجع سيدي إلى بيروت، مر خدمة»، فكان الجواب: «مع السلامة»، فضغط بالعنان على الخيل يمنة فمالت وزجرها، فرسمت نصف دائرة تستقبل بوجهها بيروت، وألهبها ضربا بالسوط فطارت تنهب الأرض منحدرة في الوهاد إلى أن توارت وراء أكمة، فلم يبق منها أثر إلا زوبعة غبار ثارت، ثم ركدت ولم يعد يسمع منها إلا فرقعة السوط ودوي العربة رددهما صدى الروابي حينا وخمد.
أما المسافر فمشى نحو دكان هناك تلاصق الخان، وكان الدكاني بصر بالعربة ورآه نازلا منها، فأبدى حركات مختلفة إشارة إلى أنه يصف الأواني ويهيئ ما يلزم، وبادر احتفاء بالقادم إلى لقائه، وأكثر من التزلف إليه، وحمل عنه الخريطة وقدم له كرسيا قرب طاولة قد أكل الدهر عليها وشرب، وسأله أن يأمر بما يرغب وعد له قبل رجع النفس من المأكول والمشروب ألوانا وأصنافا، فطلب الرجل شرابا مبردا وجلس يتأمل ما حواليه.
وكان طويل القامة — كما سبق القول — يناهز الخمسين عاما، وربما ظن الراني أنه جاوز الستين لو لم يدل نشاطه وبرق عينيه، وابتسام ثغره أن قلبه أنضر شبابا من وجهه، على أنه لعب البياض بلمته وشاربه الكثيف، وتجعد جبينه ووجنتاه، وبدت على محياه أمارات عياء لا يمكن وصفها، وهي آثار ما قاساه من الأكدار والمشاق في صباه منبئة بحلول الشيخوخة قبل أوانها، بيد أنه قوي البنية، راسخ القدم، وقد كان على رأسه قبعة بيضاء يلبسها الأوروبيون في البلاد الحارة، أما ثيابه فكانت صدرية وسترة من الجوخ الأسمر، وبنطلون من الكتان الأبيض، ورانين «طماقات» من الجلد الرمادي؛ حتى لا يشك من رأى زيه أنه جوال إنكليزي.
فجاءه الشراب بعد أن أكثر الدكاني وولدان له من الحركة ذهابا وإيابا، وهو يراقب الجميع بانعطاف ولسان حاله يقول: أليس فيكم من يعرفني؟ أليس من يخبرني عنها؟ ولما لم يجد من يدرك معناه سعى في مبادلة الحديث فطلب نارجيلة، فما لبث أن أقبل الدكاني حاملا نارجيلة من الزجاج الملون، لها قلب طويل من الخشب المرصع بعرق اللؤلؤ، فوقه رأس من النحاس الأصفر اللامع يلتف عليها متلويا، كالأفعى ماربيش أحمر في طرفه حلمة من الكهرباء، فوضعها على الأرض، وحل الماربيش وثنى طرفه وقدمه بكل احترام للضيف قائلا: «هاك سيدي أركيلة لا يوجد مثلها في البلاد»، وكانت تلك أفخر مقتناه أتحفه بها أحد المسافرين، فسأله الغريب: أوليس عندكم نارجيلات من نحاس كالبيضة أو من جوزة الهند؟
فأجاب الحاني: لم نعد نستعملها من عشرين سنة.
– عشرين سنة؟! قال الرجل ذلك متنهدا، ثم أردف: وما حل بالنوفرة وبصورة نابليون التي كانت معلقة على الجدار؟
فنظر إليه الدكاني باندهاش، ثم قال: أنت عارف كل شيء كأنك قضيت عمرك في هذه الضيعة! فاعلم أن صاحب المحل غير من سنتين أشياء كثيرة وبدلها بأثاث جديد، ومن جملة ما صنع أنه هدم الفسقية والنوفرة، وحول الماء إلى الجنائن، ولما كلس الحيطان رفع الصورة؛ لأنها صارت قديمة وعلى ظني أصبحت الدكان أحسن من قبل، قال هذه العبارة بلهجة افتخار ونظرة رجل معجب بنفسه.
لكنه رأى الغريب هز رأسه مستنكرا؛ إشارة إلى أنه لا يوافقه على عبارته.
فأردف الحاني كلامه بقوله: أما الصورة فلم تزل باقية عندنا مطروحة في الزوايا، فشرقت عندئذ أسارير وجه الغريب ودخل معه إلى حيث أشار، ثم عاد يحمل الصورة ويتأملها بلهفة، وقد دار به ابنا الدكاني يحدقان إليه بدهشة، ويحولان عنه إلى أبيهما نظر مستفهم، ولا ريب أنه أخذ منه الفرح مأخذه؛ إذ كانت تتلى على وجهه أساطير الحب، والفوز ويومض من عينيه المغرورقتين بالدموع برق السرور، حتى إن الصبيين مالا إليه أي ميل.
فأخذ يديهما الناعمتين وقال: تستغربان ما بدا مني ولا يتضح لكما سر ما يخامرني من التأثر لمرأى هذه الصورة، فاعلما أني أنا أيضا ربيت هنا صغيرا، وطالما رافقت أبي إلى هذا المكان، فكم قضيت ساعات ألعب بالنوفرة، وأمتع العين بمنظر الماء تتكسر عليه أشعة الشمس فيتناثر دررا في الفسقية، وأنا أرقص طربا لهذا المشهد البديع! أما الصورة فكنت أحب التأمل فيها وتقر عيني بمنظر هذا البطل العظيم، واليوم أمسى الصبي رجلا طاعنا في السن، وعلا البياض رأسه وزالت نضارة وجهه، ذاك الصبي أبعدته صروف الدهر عن أوطانه، وطرحته مطارح الأسفار إلى مجاهل إفريقية الجنوبية، فقضى فيها أكثر من عشرين سنة، ولكنه لا يزال يذكر النوفرة والصورة، كأنه لم يمض إلا يوم من حين جاء به أبوه آخر مرة إلى هذا المكان.
فسأل أحد الصبيين: إذن أنت من بلدنا؟
فأجاب الرجل طافحا بالسرور: نعم من ضيعتكم، لكن هذا التصريح لم يأت بالنتيجة المرغوبة، فإن الصبيين قابلاه بابتسامة لطيفة ليس إلا، ولم يبديا أدنى اندهاش أو علامة فرح مما علماه من أن الرجل ابن الوطن، لا أحد الجوالين الأوروبيين الذين يطوفون أيام الصيف في أصقاع لبنان، ولم يجد لهذا النبأ وقعا عظيما في قلب الدكاني؛ ولذا لم يرج التعرف إليه فسأله: أين صاحب الخان ريشا؟
– أنت تعني طانيوس، فهذا قد مات من زمان.
– فتنهد الغريب وصاح: مات؟ ماتت؟ ثم سكت هنيهة وسأل: وعبد الله الراعي صاحب الشبابة المشهورة الذي كنا نقضي معه أياما؟
– سيدي إنك لا تجهل أحدا، لكن كل من ذكرتهم قد ماتوا.
فأطرق المسافر وخاض في بحر الأفكار المحزنة قائلا في ذاته: جئت أستعلم أخبارها فلا أجسر على السؤال؛ إذ بت أخشى الجواب، لكنه عاد إلى نفسه بعد حين لما رأى أحد القرويين أقبل يحمل حزمة من الأشواك والأغصان اليابسة، كان جمعها من الأحراش المجاورة فطرحها عند المدخل، وجلس يستريح على مصطبة هناك ويمسح بأذيال عباءته وجهه المكلل بالعرق، فما تأمله إلا صرخ بصوت الحبور وبادر إليه، ومد يده ليصافحه، فتفرس فيه الحطاب مستغربا وكأنه لم يكترث له، فصاح المسافر: وأنت أيضا يا بطرس منصور لا تعرفني؟ فاعتذر الحطاب وحلف أنه لا يعرف له صورة قبل ذاك اليوم.
فسأله: ألا تذكر الرجل الذي خاطر بروحه لينقذك من بين أرجل حصان جموح؟
فلم يكن الحطاب ليفهم كلامه.
– هل نسيت الشاب الذي كان يدفع دائما عنك تعديات أولاد الضيعة، وعلمك ألعابا كثيرة وأركبك مرارا على حصانه؟
– أذكر أن المرحوم والدي أخبرني مرة أني لما كان عمري خمس سنين، كاد يدعسني الحصان لو لم يخلصني حنا الطويل، لكن هذا سافر من خمس وعشرين سنة إلى بلاد بعيدة وراء البحر، ومن ذاك الحين لم نعد نسمع خبرا عنه، وما أدرانا! لعل اليوم تكون عظامه صارت مكاحل، الله يرحم ترابه!
فصاح الغريب بفرح: إذن تعرفني الآن، أنا حنا الطويل، بل حنا غنطوس، ولما رآه لا يبدي ولا يعيد أردف كلامه بقوله: ألا تذكر الصياد الذي اشتهر في هذه الضيعة، حتى كان لا يتقدم عليه أحد كلما هجم ذئب أو ضبع، فكان هو وحده يخلص البلد من شر الوحوش، ويصيب دائما لا يخطئ ولا مرة؟ فأنا أنا الصياد حنا غنطوس.
فأجاب الحطاب مترددا: ربما يكون ذلك، أما أنا بلا مؤاخذة من جنابك يا سيدي فلا أعرفك، وكيف أعرفك وأنت خواجة غني كبير وأنا فلاح مسكين ما طلعت في عمري خارج الضيعة؟
قال هذا وألقى ظهره ليستند إلى الحزمة، فكأنه أضر به الحر والتعب، أو ظن أن الغريب يسخر به فلم يبال بشأنه ولم يعبأ بأقواله، وليست كذلك حالة أمثاله إذا رأوا في بلدهم غريبا ولا سيما أوربيا، فإنهم يرحبون به ويكرمون مثواه.
فساء المسافر إعراض الحطاب فلم يزد إيضاحا، بل عاد فلف الماربيش على النارجيلة، وهم بالانصراف قائلا بكل هدوء: لا تخلو الضيعة من أصدقاء لم ينسوني، فأنت يا بطرس منصور لا تلام؛ لأنك كنت صغيرا في تلك الأيام، ولا شك أن الطحان نمر بشارة يعرفني لأول وهلة، فكيف شغله؟
– خربت مطحنته ونبت موضعها الدلب والحور.
– والطحان نمر ماذا جرى له؟