Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
دقت أجراس الكنيسة في برين من أعمال فرنسا، ولبست السماء ثوبها الأزرق الجميل، كأنها تريد أن تشارك المحتفلين بزفاف الآنسة مرسلين ابنة الكونت دي مونت كور الوحيدة إلى بيير بوفور.
كان العريس غريبا عن تلك البلاد، لقي مرسلين في سويسرا فأحبها وتبعها إلى برين؛ فخطبها إلى أبيها وأجابه إلى ما طلب.
وقد كان دهش الناس عظيما حين وصلت العروس بموكبها إلى الكنيسة؛ إذ كانت بملابس السواد؛ فإن أباها الكونت مات منذ أسبوع، وقد تمت تأهبات العرس، فأوصى أن يحتفلوا بالزفاف في اليوم المعين بعد أن بارك العروسين. فرضيت مرسلين بعد إلحاح خطيبها أن تعمل بوصية أبيها، ولكنها أبت إلا أن تزف وهي بملابس الحداد، فكانت تنظر إلى زوجها حين كان الكاهن يباركها والدموع تجول في عينيها الجميلتين وتتقد أحيانا ببارق يدل على الامتنان.
مضى أسبوع والزوجان أسعد خلق الله؛ فقد كان حبهما صادقا أكيدا.
وقد خرجا بعده يوما للنزهة وسارا في طريق ازدانت جانباه بالأشجار، فلما بلغا إلى عطفة منه التقيا برجل فصاح الاثنان صيحة دهش، وقال الأول: من أرى؟ بيير بوفور!
أما مرسلين فقد صاحت صيحة تختلف عن صيحتيهما؛ إذ كانت صيحة رعب، فغطت وجهها بيديها وقالت: رباه، إنهما صديقان!
كان جان داغير فتى قوي العضل براق العينين جميل الوجه، وكان ساعتئذ يمتطي جواده، فلما حاول أن يترجل رأى مرسلين فعاد إلى سرج جواده، وقال له بوفور: ما كنت أتوقع أن أراك هنا أيها الصديق.
– لقد أتيت أمس بعد غياب طويل، ولا غرابة أن تراني في برين؛ فإني من أهلها، ولكن الغرابة في أن أراك فيها وأنت ابن باريس.
– وهذا بسيط أيضا فقد تزوجت هنا منذ أسبوع، وهذه امرأتي.
فانحنى جان فقال: إني أعرفها، وقد تشرفت بأن أكون في عداد أصدقاء أبيها.
وقد تحادثا هنيهة ثم افترقا، فنظر بوفور إلى مرسلين فوجدها مطرقة واجمة، فقال لها: ما بالك مصفرة الوجه أيتها الحبيبة؟ وماذا أصابك؟ فلم تجبه ولكنها ضحكت ضحكا صبيا، فقال لها: ألعلك مريضة؟
وقد تأبطت ذراعه وسارت وإياه، فكان ينظر إليها نظرات تشف عن الحزن وهو لا يدري ما يقوله لها؛ إذ لم يكن رآها مرة من قبل على هذا الحال.
ولم تكد تصل إلى البيت وتدخل إلى غرفتها حتى أصيبت بنوبة عصبية تشبه الجنون، ثم ركعت أمام زوجها وقالت له: هذا هو، هذا هو، وأنت تعرفه، رباه هذا هو، فأنت تعرفه، ولست بمجنونة! فأنهضها وجعل يبالغ في ملاطفتها، وقد جزع عليها أشد الجزع، ثم قال لها: لقد قلت: هذا هو. فمن هو هذا؟ وماذا تعنين؟
– ماذا أعني؟! أما علمت أنه هذا هو الذي عنيته بالكتاب الذي أرسلته إليك؟
– الكتاب الذي أرسلته إليك حين كنا في سويسرا، لقد قلت لك هذا هو … رباه يظهر أنه لم يفهم بعد.
– لم يصلني منك كتاب يا مرسلين، وأقسم بالله أني لا أفهم ما تقولين.
فطبع اليأس على وجهها وقالت: أتقسم بشرفك أن كتابي لم يصلك؟
– أقسم بشرفي وبحبك أني لم يصلني منك كتاب، وأني لا أفهم ما تقولين!
فوضعت يديها على كتفي زوجها ونظرت إليه نظرة طويلة نافذة كأنها تريد أن تخترق أعماق قلبه، فقال لها: بربك لا تنظري إلي هذه النظرات، بل قولي لي ما هذا الكتاب الذي تعنينه.
ولكنها لم تجب، بل فتحت فمها كأنها تريد أن تتكلم ثم لا ندري ما تراءى لعينيها فمنعها عن الكلام.
وقد رفعت يديها إلى السماء كأنها تستشهدها على يأسها، ثم خرجت من الغرفة بسرعة فبقي بوفور وحده وهو مكتوف اليدين مقطب الجبين يقول في نفسه: ترى ماذا تعني؟! وما هذا الجنون؟! بل ما هذا السر الذي تخفيه عني؟!
وقد أقام مدة طويلة على هذه الحالة، ثم انتبه ورأى أنها لم تعد إليه، فبحث عنها في جميع غرف المنزل فلم يجدها، فقال في نفسه: قد تكون خرجت إلى الحديقة، فبحث عنها فيها فلم يرها، فخرج منها إلى الطريق وجعل يبحث عنها ويناديها، فلم يجب نداءه أحد، فعاد إلى القصر وسأل عنها الخدم فقالوا إنهم لم يروها.
وقد حار المنكود في أمره، فأرسل الخدم يبحثون عنها، وصبر وهو شبه المجانين إلى أن انتصف الليل دون أن تعود، ثم بزغت أشعة الفجر وأخذت الأدياك بالصياح، فقال: إنها ميتة لا شك، ولكن أين هي؟
وكان جميع الخدم لا يزالون ساهرين، فجعل يسألهم إذا كانت مصابة بمرض فيجيبون سلبا، ولكنهم يقولون إنها عصبية المزاج شأن أكثر النساء، فحار في أمره وجعل يناجي نفسه فيقول: ترى ألعلها هربت مني … كلا فهذا محال؛ لأنها تحبني وتعلم أني أحبها أصدق حب، وأني لم أسئ إليها في شيء، إذن لا بد أن تعود، ولكنها قالت إنها أرسلت إلي كتابا، وأنا لم يصلني منها شيء، فما عسى أن يكون في هذا الكتاب، وما هذا السر الخطير الذي يتضمنه؟
وقد ركب مركبة وجعل يطوف بها وهو لا يقصد مكانا معينا، وكلما لقي فلاحا أو فلاحة سألهما عنها فلا يقف لها على أثر.
ولبث وهذا شأنه ثلاثة أيام إلى أن عجز عن لقائها، ورأى أنه لم يبق عليه سوى إبلاغ الحكومة أمر اختفائها، فجاء قاضي التحقيق وسأله أن يبسط له بالتدقيق التام جميع الحوادث التي جرت قبل اختفائها.
فامتثل بوفور وبسط له كل ما عرفه القراء، فسأله القاضي قائلا: متى عرفت السيدة مرسلين دي مونتكور؟