Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان المكتب الإداري لمصنع «مونكتون آند هوب» الضخم يبدو وكأنه معلق بين السماء والأرض، وبينما كان مديره، جون سارتويل، واقفا ينظر من النافذة نحو البوابات، كانت السماء ملبدة بواحدة من سحب لندن الضبابية الجاثمة على ارتفاع مائة قدم فوق المدينة؛ مترددة في الهبوط، بينما كانت الأرض عبارة عن فناء مصنع زلق مغطى برماد أسود انطبعت عليه آثار مئات الأحذية. كان المكتب مشيدا بين المبنيين الضخمين المعروفين باسم «الورش». كانت هيئة المكتب الإداري تشير بوضوح إلى أنه لم يكن ضمن التصميم الأصلي للمصنع؛ إذ كان مبنيا من الخشب، بينما كان المبنيان الضخمان اللذان يربط بينهما وكأنهما توءمان ملتصقان، مشيدين من القرميد. لم يتوقع أي مهندس معماري إنشاء مثل هذا المبنى بين المبنيين الآخرين، إلا أن الحاجة، التي هي أم الاختراع، كانت سبب إنشاء المبنى الذي لطالما وصفه سارتويل بأنه المكتب الأنسب في لندن من حيث الموقع. وكان أن شغل المزيد والمزيد من المساحات في المبنيين الضخمين مع زيادة حجم أعمال المصنع، وكان على المكتب — الذي كان روح المشروع بأكمله — أن يتخذ موقعا آخر خارج جسده الأصلي، إن جاز القول.
شيد المبنى الإضافي على الطريق الذي يمر بين المبنيين، فكان يطل على الفناءين الأمامي والخلفي؛ ومن ثم كان يصله كم من الضوء والهواء أكبر من المكتب الذي كان يشغله سارتويل سابقا في المبنى الأيسر. كان لموقع المبنى الفريد الفضل في أن يكون خاليا من الاهتزازات التي تسببها الآلات إلى حد كبير، ومع وجود باب يؤدي لكل مبنى من المبنيين، كان للمكتب مدخل سهل للوصول إلى كل منهما. وكان سارتويل فخورا للغاية بهذه الغرف وموقعها؛ إذ كان هو من رسم مخططها؛ ومن ثم منحت الشركة مساحة إضافية كبيرة دون شغل مساحة من الأرض أكبر من المساحة التي كانت مشغولة من قبل؛ وهو إنجاز رائع للغاية في مدينة مزدحمة مثل لندن.
كانت ثمة غرفتان خلف المبنى خصصتا لمالكي الشركة، بينما كانت مساحة مكتب سارتويل الواقع في واجهة المبنى تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة أي من هاتين الغرفتين، وكان يشغل المساحة بين المبنيين كاملة. كان هذا الوضع هو الوضع الذي ينبغي أن يكون؛ فقد كان سارتويل يؤدي ثلاثة أضعاف العمل الذي يؤديه المالكان، وإذا تطرقنا إلى القدرة العقلية، فقد كان يتفوق فيها بثلاثة أضعاف على مالكي الشركة مجتمعين؛ إذ كانا قد وصلا إلى ما هما عليه الآن فقط لأنهما ابنا الأبوين المؤسسين. فقد أنشأ مؤسسا الشركة، بعملهما الجاد وإدارتهما الحكيمة، المصنع الكبير الذي يعزى ازدهاره الحالي إلى سارتويل، وليس إلى الرجلين المعروفين لدى العامة بأنهما رئيسا الشركة.
كان مونكتون وهوب رجلين يتسمان بالجبن والحذر والتردد إلى حد ما، كحال الرأسماليين في جميع أنحاء العالم. وكانا يثقان في مدير مصنعهما ثقة مطلقة، ولطالما ألقيا على عاتقه أي مسئولية محفوفة بالمخاطر أو أي قرار بغيض، وكان يتحمل الأعباء التي يلقيانها عليه بكل هدوء دون أن يرف له جفن. كان سارتويل رجلا من حديد، بشفتين حازمتين، وعينين زرقاوين فولاذيتين تربكان أي شخص قد يضمر نوايا ملتوية في بعض الأحيان. حتى الشريكان أنفسهما كانت شجاعتهما تخونهما أمام هاتين العينين، ويضطران إلى التراجع أمامهما إذا ما وصل الأمر إلى اختلاف في الآراء. وكانت عبارة سارتويل المقتضبة: «لن يفيد هذا، كما تعلم» دائما ما تحسم الأمور.
كانت معرفة سارتويل بالمصنع تفوق معرفتهما إلى أبعد الحدود، فبينما كانا لا يزالان يدرسان في الجامعة، كان مدير المصنع المستقبلي يشق طريقه إلى القمة حتى حاز ثقة أبويهما، وكانت كل خطوة يخطوها ترتقي بوضعه أكثر في المصنع. كان الرجال الثلاثة في العمر نفسه تقريبا، وبدأ الشيب يغزو شعر كل منهم، إلا أنه غزا شعر سارتويل ربما أكثر من الرجلين الآخرين.
كان من الصعب أن يفكر في أن يقع الشريكان في الحب، ولكن من اللطيف أن نعرف أنه عندما وصل الحب إليهما في الوقت المناسب في حياتيهما، جاء حاملا الذهب في يد وضميرا متزمتا حيا في اليد الأخرى. وبذلك أضاف الرجلان ثروة إلى ثروتيهما عبر الزواج، وكانت زوجتاهما منهمكتين في أفعال الخير، التي كانت تقوم على تقص صارم ومنصف؛ لكيلا يستفيد منها من لا يستحق، ولأن مونكتون وهوب كانا رجلين جبانين إلى حد ما، كان عليهما الخضوع للمرأتين اللتين تزوجاهما، فوجد بعض من ثروتيهما طريقه إلى صناديق المجتمعات المطحونة ومؤسسات إغاثة المنكوبين.
وهكذا، حمل اسم شركة «مونكتون آند هوب» (المحدودة) لمحة من القداسة غير معتادة تماما في أوساط المال والأعمال في لندن. وبمجرد الالتحاق بالعمل بالشركة، يمكن التعويل عليها، على نحو شبه مؤكد، لاكتساب جزء من هذه السمعة، ولكن، للأسف! لم يكن من السهل الالتحاق بالعمل في الشركة. فقد كان على المتقدم للعمل أن يخضع لتدقيق تلكما العينين الفاحصتين اللتين يمتلكهما سارتويل، الذي كان لديه عادة مربكة بأن يدخل في صلب أي موضوع مباشرة وبسرعة مذهلة، وعندما يقول عبارته: «لن يفيد هذا، كما تعلم»، فقد قضي الأمر ولا مجال لمناقشة قراره.
كان ثمة درج خاص من الفناء في الأسفل إلى بهو المبنى المعلق، يفصل مكتب المدير الكبير عن الغرفتين الصغيرتين الخاصتين بمالكي الشركة. ولم يكن مسموحا لأحد باستخدام هذا الدرج إلا الرجال الثلاثة. كان الموظفون والعامة يدخلون عبر المدخل الرئيسي، حيث يجلس رجل يقظ خلف نافذة مقوسة صغيرة مفتوحة معلق فوقها لوحة كتب عليها كلمة «الاستعلامات».
أما بالخارج، في وسط الظلام، فكان المصباحان الكبيران المعلقان على عمودي البوابة يعكسان ضوءا أصفر ساطعا، على الطريق المغطى بالرماد والشارع الضيق الكائن خلفه. وعبر البوابة الواسعة المفتوحة على مصراعيها المؤدية إلى الشارع الضيق المرصوف بالحجارة، اندفع مئات العمال. لم يحدث تدافع أثناء خروج العمال، بل خرجوا من البوابة في صمت، الأمر الذي لم يكن مألوفا. بدا الأمر وكأن شيئا يجثم على صدورهم، شيئا أكثر قتامة حتى من سحابة الضباب الهائلة التي تحوم فوق رءوسهم. وقف سارتويل على مسافة قصيرة من النافذة في مكتبه وحيدا متواريا، يراقب خروجهم بوجوم وصرامة. زمت الخطوط المحيطة بفمه الجامد شفتيه، وجعلتهما أكثر صرامة من صرامتهما المعتادة. لاحظ أن أحد العمال كان يلقي نظرة خاطفة على نافذة مكتبه بين الفينة والأخرى، وكان يعلم أنهم يصبون عليه لعناتهم في أعماقهم؛ لأنه حال بينهم وبين تحقيق مطالبهم؛ إذ كانوا يعلمون يقينا أن الشركة ستذعن لمطالبهم شريطة أن يصدر سارتويل الأمر بذلك. كان المدير يعلم أن قائدهم قد قال خلال اجتماعاتهم إنه لا أحد يقسو على العمال أكثر من عامل ترقى من بينهم. وكان اسم سارتويل يستهجن سرا بينما كان اسم الشركة يهلل له، إلا أن المدير لم يكن من النوع الذي يردعه تراجع شعبيته، على الرغم من أن توتر العلاقات بينه وبين العمال قد منحه سببا وجيها للقلق.
بينما كان مستغرقا في التفكير في الموقف يقلب الأمر في ذهنه ليعرف؛ إن كان ثمة لوم يقع عليه بأي حال، سمع طرقا خفيفا على باب مكتبه. استدار سريعا مبتعدا عن النافذة، ووقف بجوار مكتبه وقال بحدة: «ادخل.»
ولج إلى الغرفة شاب يرتدي زي العمال ويمسك قبعته في يده. كانت قسمات وجه الشاب صريحة، وواضحة، ويبدو عليها الذكاء، وكان قد غسل وجهه بعدما أنهى عمله، تلك الرفاهية التي لم يكن أغلب رفاقه ينعمون بها.
قال المدير وقد انفرج حاجباه عندما رأى القادم: «أوه، مارستن. هل أنجزت المهمة المطلوبة منك في الوقت المحدد؟»
قال مارستن: «أتممتها قبل الخامسة والنصف يا سيدي.»
«حسنا. هل اعترض طريقك أي عقبات؟»
«لم تعترضني عقبات لم أستطع تخطيها يا سيدي.»
«حسنا مجددا. هكذا أحب أن تنجز الأمور. الشاب الذي يمكنه تحقيق المستحيلات هو الرجل المناسب لي، وهو الرجل الذي سيفلح في هذا العالم.»
أدار الشاب قبعته بين يديه مرارا، وبدا محرجا على الرغم من السعادة التي تجلت عليه بوضوح جراء إطراء المدير له. ثم قال أخيرا:
«لا أطيق صبرا لأدخل إلى هذا العالم يا سيدي.»
رد عليه المدير قائلا: «قد تسنح لك الفرصة لذلك قريبا.»
«أخشى أننا سنفعل يا سيدي.»
«ولماذا «تخشى» ذلك؟ هل ستضرب مع الباقين، أم إن قرارك مستقل؟»
«لا يمكن لأحد أن يواجه النقابة بمفرده.»
«أنت تتحدث الآن إلى رجل سيفعل ذلك.»
رفع الشاب بصره ناظرا إلى سيده.
وقال: «بالنسبة إليك الأمر مختلف. فثمة شركة ثرية تشد من عضدك. ووضعك الوظيفي آمن سواء فزت أم خسرت. أما إذا خذلت أنا النقابة حال تعرضها لأزمة، فلن أتمكن أبدا من استعادة وظيفتي.»
ارتسمت على شفتي سارتويل ابتسامة واجمة عندما ذكر الشاب الشركة. كان يدرك أنها نقطة ضعفه وليست موطن قوته؛ فعلى الرغم من أن الشركة أخبرته بأن له حرية التصرف تماما، فإنه كان واثقا من أن الهلع سيضرب نفسي المالكين في لحظة احتدام الصراع. وإذا شاركت النساء في الإضراب، فسينتهي الأمر. ولو كان المضربون يعرفون من في يده أن يناصرهم، لكانوا أرسلوا وفدا من زوجاتهم إلى السيدة مونكتون والسيدة هوب. ولكنهم كانوا لا يدركون ذلك، ولم يكن سارتويل من نوعية الرجال الذين يظهرون ضعفهم وقلة حيلتهم.
قال المدير: «نعم، ثقتي في السيد مونكتون والسيد هوب لا حدود لها. وإني لأتساءل عما إذا كان العمال يدركون هذه الحقيقة.»
«نعم يا سيدي، إنهم يدركون ذلك.»