Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان لبيب راغب ولدا في العاشرة من سنيه، جميل الطلعة، عذب النظرات، يميل عن الوحدة إلى الزهو واللعب، وكان لهذا الفتى صديق من أترابه يدعى فريدا، كريه المنظر، مجعد الوجه، تمت ملامحه إلى ملامح القردة أكثر مما تمت إلى ملامح الإنسان. ففي يوم من أواخر أيام نيسان كان الفتى لبيب يلعب في الحديقة، فنادى إليه صديقه فريدا أولا وثانيا بدون أن يسمع جوابا لندائه.
كانت أشعة الشمس تلهب بحرارتها المحطة الصغيرة ذات الجدران البيضاء القائمة في وسط ريف يبعد نحوا من ألفي متر عن بلدة جونية.
في تلك الآونة كان المدير راقدا نصف رقدة على الدكة، وقد نهكه التعب وحمله القيظ ما لا يطيق؛ إلا أن الحديقة — حيث كان لبيب ابن المدير ينادي رفيقه بصوت مرتفع — كانت لا تزال مرطبة بأنداء الفجر، وكانت رطوبة معتدلة تتساقط من الأغصان المورقة، وتتصاعد من الأعشاب الكثيفة أو من الأزهار العطرة تحت عناقيد الأزدرخت والقصاص المضطربة لدى خطرات النسيم.
– فريد! فريد! ألا تأتي؟ لقد عزفت أمثولتي على الأرغن وتلقيت أمثولة غيرها وأصبحت حرا طليقا، فتعال نلعب!
في تلك الدقيقة خرج فريد من منزله القائم على مقربة من الحديقة، وأسرع راكضا إلى لبيب وقال له بصوت تتخلله رعشة الخوف: يجب علي أن أجيء بأعشاب لغداء الأرانب قبل أن تطلق حريتي.
– إنك لأبله! فلا أغرب عندي من أن أراك مهتما جد الاهتمام بتلك الأرانب المضحكة.
– ولكن ما العمل؟ إذا عرفت الأم أني لهوت باللعب عن الأرانب فلا تتردد عن صفعي وتوبيخي.
– إن الأم سالم غير أمك فهي امرأة أبيك! ثم إنها لن تدرك أنك لهوت، وإذا أردت ففي الحديقة أعشاب لا تجد مثلها في مكان آخر.
فأطاع الولد كلام رفيقه، وزحف على قدميه ورجليه إلى أن بلغ الحائط فتسلقه إلى الحديقة، فقال لبيب: أي نوع من الألعاب تختار؟ ألا تفضل لعبة الفوارس؟ إذن فألق يديك على الأعشاب محنيا ظهرك وكن فرسي.
كان فريد دائما يشغل وظيفة الفرس، ولماذا؟ ذلك لأن النظام يوجب على أبناء العمال أن ينزلوا في كل حين عند إرادة أبناء الرؤساء.
كان العشب في تلك الحديقة كثير النضج طافحا بمياه النبات، إلا أن العوسج وفروع الشجيرات كان يحتبك بعضها ببعض، وتتجاوز الأدغال إلى بعض الجهات الجثيلة، كأنما هي غابة عذراء لم تمر عليها شفرات المناجل. وكانت الآبار تنتصب فوقها الأشعة البيضاء كسطوح صغيرة من التوتيا المعدنية، وأشجار الورد تمزج غصونها المشعثة بفروع الراتينج المظلمة، وأريج الأزدرخت الزكي والزعرور الممتلئ بعسل أزهاره يجذب إليه أسرابا من النحل كثير العدد.
نهك التعب ذينك الولدين فجلسا يستريحان على أحد الحجارة، في حين كان قطار الساعة الثالثة والنصف يصفر في الأبعاد معلنا قدومه، وبعد هنيهة شخص لبيب إلى جهة القطار وقال: هو ذا الكاهن! لقد عرفت منذ نهار السبت أنه سيذهب لزيارة أسقفه الساكن في مدينة بيروت، ويقولون: إن كاهنا آخر سيخلفه، وترى والدي شديد الأسف كثير الشجون، فمن يا ترى يحل محله في إعطائي الدروس العربية؟ لا شك في أن والدي سيرسلني إلى المدرسة بعد ذلك، أليس من الحزن أن أسجن في المدرسة يا فريد؟
فأجاب الولد بعد أن أطلق زفرة من صدره: إنك لشديد الغرور يا صديقي، ولو تبصرت قليلا لرأيت أن المدرسة أم تسقي ولدها لبان العلوم التي لا غنى له عنها.
آه! لو يتسع لي أن أتعلم! ولكن المدارس لم تشيد لمثل فريد! لأنه بائس يا صديقي!
فأجاب لبيب: إني أعرف ذلك؛ فأنت فقير لا مال لديك، ولو لم يكن والدي شديد العطف على أبيك لكنت أكثر فقرا مما أنت عليه … أبلغك ما حدث الأحد الماضي؟
فاستطرد لبيب قائلا: لقد أبصر والدي والدك سكران حتى الموت، منطرحا على السلك الحديدي بالقرب من مفتاح القطار، وكان من واجب والدي أن يطرده من الشركة، إلا أنه لم يفعل! … أتفهم؟ إن التصرف السيئ الذي يتصرفه والدك لمما يدعو إلى خطر عظيم، ومن الجهل أن تستبقي الشركة عاملا سكيرا في عداد عمالها.
فخفض فريد رأسه إلى الأرض، فأكمل لبيب حديثه فقال: غير أن والدي عفيف الضمير شفيق، ففكر فيما تئول إليه عائلة سالم لو طرد سالم من العمل، وما لبث أن غفر له زلته، ولكن إذا عاد والدك إلى مثلها! …
فقاطعه فريد قائلا: سوف يعود إلى ما كان عليه ولا أرى مندوحة من طرده، وسوف نشقى طويلا يا صديقي.
فأثر هذا الكلام في نفس لبيب تأثيرا عظيما، حتى إنه لم يملك نفسه من ذرف دمعة على خده، فقال: هل ذقت طعاما في هذا النهار يا فريد؟ سمعت والدي يقول مرارا: إن امرأة أبيك ستميتك جوعا. قال هذا وأخرج من جيبه قطعا من «الشوكولاتة»، فقال فريد بلهجة تتخللها عزة النفس: أجل، لقد أكلت؛ فالأم سالم لا تمنع الطعام عني ولكنها تقدم لأولادها ما لا تقدمه لي، أتجد غرابة في ذلك؟
في تلك الساعة دخل القطار إلى المحطة، فأسرع الولدان إلى الرصيف ليتفرجا على القادمين.
كان سالم ورفاقه يشحنون البضاعة وينزلونها، في حين كانت عجلات النقل قادمة لتقل الأحمال إلى أماكنها، أما بطرس موزع البريد فقد كان يذهب ويجيء مستشيرا بنظره الأوراق التي بيده، وأما المدير فقد كان يلح على العمال في الإسراع بما عهد إليهم، مسترئيا من وقت إلى آخر ساعته الذهبية، عند هذا تقدم منه أحد المسافرين حاسرا وقال له بصوت تراوده اللكنة: أنا رهين إشارتك يا سيدي المدير!
– أنا عزيز الذي عينت موزعا للبريد مكان داود. فقطب المدير حاجبيه وقال: ولكن داود لا يود أن يستعفي؛ لأن له مصالح تضطره إلى البقاء في الشركة، فقد اشترى أرضا وبعض كروم في هذه الجهة استوطن فيها مع امرأة له هي أبرع خياطة في جونية. كان الأحرى بك ألا تعجل في قدومك قبل الاطلاع على هذا الأمر.
فأجاب عزيز بعظمة: إن من كان مثلي موظفا قديما في الشركة لا يجد بدا من النزول عند إشارة مديره، فعندما قال لي المدير: يجب أن تذهب لم أجد مندوحة من الإطاعة، فهيأت أمتعة منزلي بأسرع ما يمكن وامتثلت للأمر. ففتل المدير شاربيه متذمرا ودمدم قائلا: إن هذا لأمر مضجر فرأيي هو ألا يستقر أمرك قبل أن تنتظر النتيجة التي يئول إليها أمر داود، فأبق أمتعتك في عجلة السكة وانزل موقتا في فندق المحطة عند يوسف …
فقاطعه عزيز قائلا: واحسرتاه، إنني لم أجئ وحدي يا حضرة المدير … قال هذا وبسط ذراعيه نحو غرفة الانتظار؛ حيث كان ثلاثة أشخاص ينتظرون بفروغ صبر، ثم استطرد قائلا: هو ذا ولدي آدم وابنتي حواء وامرأتي … وأمتعتي …
فحول المدير نظره إلى غرفة الانتظار، فرأى قرني معز بارزين بين أخشاب صناديق أربعة، وآذان أرانب عديدة تنصب فوق أعراف جماعة من الديوك والدجج، وأبصر فوق ذلك خرطوم خنزير ينشق بين طرفي قطعتين من الخشب الصلب كتب على إحديهما بحروف سوداء: خنزير محزم.
فقال في نفسه: هذا حوش للحيوانات، لا بل حديقة للوحوش! ثم بدر منه التفاتة فرأى ابن عزيز عاكفا بعناية على خمس شجيرات من الورد غرست في خمسة براميل من الخزف، فقال عزيز: إن البهائم عون للإنسان في حياته، والأزهار هي زينة البؤساء، أليس كذلك؟
عندما دخل الرجلان إلى غرفة الانتظار كانت ابنة عزيز، وهي فتاة في السادسة عشرة من عمرها، قد ركضت إلى النافذة المشرفة على فسحة المحطة وصرخت بصوت مذعور: أين هي بلدة جونية؟ أراني هنا في سهل مقفر لا مأوى فيه ولا منزل.
فأجابها المدير: إن المآوي لكثيرة عند «أديب» ثم إن الذي يجر وراءه أمتعة كثيرة العدد كهذه لا يجب عليه أن يبطئ في إيجاد مسكن يأوي إليه، إني أبصر وراء هذه الألواح الزجاجية سحنة معتر لا أشك في أنه يقودكم جميعا إلى حيث تجدون مأوى لكم. ونادى فريدا فامتثل أمامه خجلا ينظر خلسة إلى قدميه العاريتين، فقال المدير: اذهب يا فريد ودل السيد عزيزا إلى منزل أديب. فتقدم الولد قبيلة عزيز واجتاز بها الفسحة، فالطريق. وفيما هم سائرون سأل الموظف الجديد فريدا عمن هو أديب، فأجاب الولد أنه زراع في البلدة بنى منزلا كبيرا أجر معظم غرفه لعمال السكة الحديدية حتى أطلق عليه اسم «منزل عملة السكة».