Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
التقيت الآنسة بورجير للمرة الأولى في حفلة شاي في بلدة را…، بينما كنت أحضر محاضرات طبية. كانت فتاة طويلة، ليست بالفاتنة، ولم يكن هناك ما يميز وجهها سوى ما تبديه عيناها من تقلقل غريب. لم تكن عيناها براقتين ولا معبرتين، لكنها أبقتهما في حركة مستمرة لدرجة أنهما بدتا كما لو كانتا تلتقطان الضوء وتعكسانه من مصادر متعددة. وكلما صوبتهما نحو شيء ما ولو حتى لبضع ثوان — وهو أمر نادرا ما كان يحدث — سرعان ما يختفي منهما ذلك الذكاء المصطنع، وتغدوان باهتتين وناعستين. وإنني لعاجز حتى عن تحديد لون عينيها.
بعد احتساء الشاي، كنت واحدا من مجموعة أشخاص سعى مضيفنا، القس الموقر السيد تينكر، لتسليتهم بإطلاعهم على مجموعة من صور الأماكن في الأرض المقدسة. وبينما كنت أحاول إظهار اهتمامي بأوصافه وتوضيحاته، التي كنت قد سمعتها كلها من قبل، لاحظت أن الآنسة بورجير كانت تكرمني بنظرها المستمر إلي. ولما نظرت إليها والتقت أعيننا، وجدت أنني لم أستطع بأي حال من الأحوال إبعاد عيني عن هذه المواجهة. كانت تلك التجربة فريدة، وقد لاحظت ظواهرها بدقة مهنية؛ إذ شعرت حينها بانقباض طفيف في عضلات وجهي، وتنميل في الأعصاب مثل ذلك الذي يسبق فقدان الوعي الناجم عن عملية التخدير. وعلى الرغم من أنني اضطررت إلى مقاومة الشعور البدني بالنعاس، فإن قدراتي العقلية كانت أكثر نشاطا من المعتاد. بدا أن عينيها تخدران جسدي بينما تحفزان ذهني، تماما كما يفعل الأفيون. كنت واعيا تماما بما يحيط بي، ومنتبها على وجه الخصوص إلى سرد السيد تينكر لقصة انتقاله من يافا، وقد رافقته في تلك الرحلة، لا كمستمع إلى حكاية مسافر، ولكن كمن خاض غمار الرحلة بنفسه. وعندما وصلنا أخيرا إلى النقطة التي يتقدم فيها حمار السيد تينكر نحو المنعطف الحاد الأخير حول الصخرة التي حالت دون رؤية ما يوجد أمامنا، حيث امتلأت عيون السيد تينكر بالفرحة والدهشة من المنظر البانورامي المهيب للقدس، رأيت كل ذلك بوضوح استثنائي. رأيت القدس في عيون الآنسة بورجير.
شكرت — في صمت — الحظ عندما استأنفت عيناها تقلبهما المعتاد في أرجاء الغرفة، فأطلقتا سراحي مما صار نوعا من الأسر المهين. وما إن تحررت من تأثيرهما الغريب، حتى ضحكت متعجبا من ضعفي، وقلت لنفسي: «يا لك من هدف جيد للتدريب من قبل امرأة شابة ساحرة.»
سألت زوجة السيد تينكر، عندما أتيحت لي أول فرصة: «من الآنسة بورجير؟»
أجابت المرأة الطيبة، مع بعض المفاجأة: «حسنا، إنها ابنة ديكون بورجير.»
«إنه إنسان رائع، وهو من أهم رعايا أبرشية زوجي. يسخر الشباب مما يسمونه خموله، ويقولون إنه كان يمشي في البلدة في نومه لمدة عشرين سنة. لكنني أؤكد لك أنه من أكثر المخلصين والمتحمسين اﻟﻤﺴﻴﺤ…»
استدرت فجأة، تاركا السيدة تينكر أكثر دهشة من أي وقت مضى؛ لأنني كنت أعرف أن من أقوم بالاستعلام عنها كانت تنظر إلي مرة أخرى. لقد جلست في أحد أركان الغرفة، بمعزل عن بقية الرفاق. ذهبت على الفور وجلست إلى جانبها.
قالت الآنسة بورجير: «هذا جيد. تمنيت أن تأتي. هل استمتعت برحلتك إلى القدس؟»
«ربما. لكن يمكنك رد الجميل. قيل لي إنك مساعد الدكتور ماك في الجراحة في الكلية. وهناك محاضرة إكلينيكية غدا، وأنا أريد أن أحضرها.»
ضحكت ثم قالت: «لا، كمشاهدة. يجب أن تجد طريقة لتنفيذ طلبي.»
أبلغتها، بكل أدب، عن دهشتي من هذا الاهتمام غير المعتاد من جانب سيدة شابة، وألمحت إلى الفضيحة التي سيخلفها ظهورها في المدرج. عرضت على الفور أن تتخفى في ملابس الرجال. لكنني أوضحت أن طبيعة العلاقات بين كلية الطب والمرضى الذين وافقوا على الخضوع للعلاج الجراحي أمام طلاب الطب ستجعل الأمر شائنا بالنسبة إلي بالتستر على إدخال أي شخص غير مخول له الدخول، سواء من الذكور أو الإناث. لم تجد هذه الحجة صدى عندها، مما اضطرني إلى القطع بعدم استطاعتي أن أساعدها في هذا الشأن. قالت الآنسة بورجير: «حسنا، يجب أن أجد طريقة أخرى.»
بذلت جهدا كبيرا في مكان المحاضرة في اليوم التالي لأتأكد أن الآنسة بورجير لم تتسلل إلى المكان خلسة. لقد جاء الطلاب في الوقت المناسب، صاخبين ولا مبالين كالمعتاد، وجلسوا في صفوف الكراسي الموجودة حول طاولة العمليات. ثم أخرجوا دفاترهم وشرعوا في بري أقلام الرصاص الخاصة بهم. لم تكن الآنسة بورجير من بين هؤلاء بالتأكيد. كان كل وجه في قاعة المحاضرة مألوفا بالنسبة إلي. أغلقت الباب الذي يفتح على الردهة، ثم فتشت غرفة الانتظار الموجودة على الجانب الآخر من المدرج. كان هناك اثنا عشر مريضا أو أكثر، كانوا عصبيين ومكتئبين، ينتظرون العلاج ومعهم أصدقاؤهم الذين هم بالكاد أقل منهم خوفا. ولكن لم تكن الآنسة بورجير ولا أي شخص يشبهها من بينهم.
دخل الدكتور ماك بنشاط من بابه الخاص، وألقى نظرة متفحصة على الطاولة التي رتبت عليها أدواته، بحيث صارت جاهزة للاستخدام، وبعد أن تأكد بنفسه أن كل شيء في مكانه، بدأ المحاضرة الإكلينيكية. أجرى عمليات بسيطة معتادة؛ اثنتين أو ثلاثا للحول، وواحدة لإزالة المياه البيضاء، واستئصال العديد من الأكياس والأورام، الكبيرة والصغيرة منها، وبتر إصبع يد محطم لعامل مكابح بالسكك الحديدية. وبعدما عولجت الحالات، أرجعت المرضى إلى غرفة الانتظار وتركتهم في رعاية أصدقائهم.
في النهاية، جاء الدور على سيدة مسنة فقيرة تدعى السيدة ويلسون، وقد كانت تعاني من مشكلة روماتيزمية جعلت ساقها تنثني لسنوات؛ مما أدى إلى تحجر مفصل الركبة. كانت واحدة من تلك الحالات التي يكون فيها العلاج اللازم قاسيا رغم بساطته؛ إذ كان يجب تقويم الطرف المصاب عن طريق استخدام قوة اليد. رفضت السيدة ويلسون بعناد الخضوع للتخدير، وسجيت على ظهرها على طاولة العمليات، مع وجود وسادة تحت رأسها. أظهرت الركبة المصابة انحرافا يبلغ عشرين أو خمسا وعشرين درجة عن الخط المستقيم. وكما ذكر من قبل، كان يجب تصحيح هذا الانحراف عن طريق الضغط المباشر والقهري إلى أسفل باتجاه الركبة.
بمساعدة جراح شاب يتمتع بقوة بدنية كبيرة، شرع الدكتور ماك في تنفيذ هذا الضغط. كانت هذه العملية واحدة من أكثر الأشياء التي لا يمكن تخيلها ألما. كنت متمركزا عند رأس المريضة، لكي أمسك بكتفيها إذا أبدت أي مقاومة. لكنني لاحظت أن تغيرا بارزا طرأ عليها منذ أن وضعناها على الطاولة. لقد كانت مهتاجة جدا في البداية، ثم أصبحت هادئة تماما. وبينما كانت مستلقية بلا حراك، مصوبة عينيها إلى أعلى بنظرة ثابتة، وجفونها متثاقلة كما لو كانت تقترب من النوم، بينما يغمر وجهها الهدوء، كان من الصعب إدراك أن هذه المرأة قد بدأت لتوها تجربة من الألم القاسي.
ومع ذلك، لم يكن لدي الوقت الكافي لأتأمل أكثر شجاعتها الرائعة؛ فقد بدأت العملية القاسية، وكان الجراح ومساعده يضغطان بنحو مطرد وبقوة متزايدة على الركبة المتصلبة. لعل محاكم التفتيش الإسبانية لم يخطر لها قط على بال طريقة للتعذيب الجسدي أكثر قسوة مما تمر به هذه المرأة الآن، ومع ذلك لم تتقلص عضلة واحدة من وجهها. كما أنها كانت تتنفس بسهولة وبانتظام، وما زالت ملامحها تعبر عن حالتها الهادئة. وفي أشد لحظات معاناتها وأكثرها تعقيدا، رأيت عينيها مغلقتين، كأنما تغط في نوم هادئ.
في تلك اللحظة أتى الضغط الهائل الذي مارسه الجراح ومساعده على ركبتها بالأثر المرجو؛ فلقد بدأ المفصل المتصلب يتحرك، وصاحب ذلك صوت يبعث على الغثيان؛ صوت لا يوصف من الطحن والصرير الصادر من عظام شخص حي، وهو صوت مرعب جدا لدرجة أنني رأيت جراحين قدامى، من ذوي المشاعر المتصلبة بفعل الخبرة الطويلة، وقد شحبت وجوههم عند سماعه. وفي النهاية، أصبح الطرف المصاب مستقيما تماما كنظيره الآخر.
بعيد سماع هذا الصوت المروع، سمعت دوي ضحكة مجلجلة.
تتوسط طاولة العمليات صحن المدرج، وهي مضاءة من السقف. ومباشرة فوق الطاولة، هنالك فتحة مربعة، طول كل جانب فيها خمس أو ست أقدام، وهي مغطاة بنحو وثيق في جوانبها الأربعة، وكانت تؤدي إلى الجزء العلوي للمبنى منتهية إلى كوة في السقف. كانت الفتحة عميقة وضيقة جدا لدرجة أن فوهتها العلوية لم تكن مرئية من أي جزء من القاعة باستثناء مساحة محدودة حول الطاولة مباشرة. يبدو أن الضحك الذي شدهني يأتي من أعلى. وإذا سمعه أي من الحاضرين، فربما يخيل له أنه صرخة هيستيرية أطلقتها المريضة. ولكنني كنت في وضع يمكنني من إدراك الأمر على نحو أفضل. وبصورة غريزية، صوبت بصري لأعلى بالاتجاه الذي تسمرت نحوه عينا السيدة ويلسون.
وهناك، وفي إطار رباعي من زرقة السماء، رأيت رأس وعنق الآنسة بورجير. فلقد أزيل غطاء الكوة، لتوفير التهوية. كان من الواضح أن المرأة الشابة مائلة بجسدها بالكامل على السقف. لقد حظيت برؤية مثالية لكل ما حدث على طاولة العمليات. لقد توهج وجهها من الشغف وبدت عليها أمارات الاندهاش البريء الخالي من البهجة. عندما نظرت إليها أومأت لي بمرح واضعة إصبعها على شفتيها، وكأنها تخبرني ألا أشي بها. وسرعان ما أشحت ببصري عن عينيها في اشمئزاز. في الواقع، وبعد تجربتي في الليلة الماضية، لم أعد أثق في قدرتي على ضبط نفسي من تأثير نظرتها.
بينما كان الدكتور ماك يقطع بمقصه الحاد نهاية ضمادة كتانية، همس لي قائلا: «هذه سابقة لا مثيل لها. لا وجود لأي علامة على الإغماء، ولا أثر للاضطراب الوظيفي. لقد راحت بهدوء في نوم صحي أثناء تعرضها لألم شديد من شأنه أن يدفع رجلا قويا إلى الجنون.»
حالما انتهيت من مهامي في قاعة المحاضرة، شققت طريقي إلى سطح المبنى. وعندما اقتربت من الكوة، انتصبت الآنسة بورجير واقفة على قدميها وتقدمت للقائي دون إظهار أي اضطراب. وارتسمت — بشدة — البهجة على محياها.
سألتني بابتسامة، وقد مدت يدها لتسلم علي: «ألم يكن ذلك جميلا؟ لقد سمعت العظام وهي تطحن وتسحق ببطء!»
لكنني لم أسلم عليها. وسألتها، متحاشيا نظرة عينيها: «كيف أتيت إلى هنا؟»
قالت بضحكة رنانة: «أوه! لقد جئت مبكرا، قرب شروق الشمس؛ فقد ترك البواب الباب مواربا وتسللت أثناء وجوده في القبو. وقضيت طوال الصباح في المكان الذي يشرحون فيه. وعندما بدأ الطلاب في القدوم إلى الطابق السفلي، هربت إلى السطح.»
سألتها بمنتهى الجدية: «هل تعلمين، آنسة بورجير، أنك ارتكبت فعلا طائشا وخطيرا، ويجب أن تخرجي من المبنى بمنتهى السرية وبأسرع ما يمكن؟»
لم يبد أنها فهمت ما قلته. أجابتني قائلة: «حسنا، أعتقد أنه لا يوجد شيء آخر يمكن رؤيته. سأذهب إذن.»