Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
مضت خمسة أشهر قبل أن يجرؤ على عبور ذلك الشارع مشيا على قدميه.
وليس الشارع مقفرا أو مخيفا؛ لأنه محاط بالعمار مزدحم في جوانبه بالسابلة والسكان.
وليس هو بالبعيد عن طريقه؛ لأنه يوشك أن يحتاج إليه في ذهابه وإيابه إلى حيث يقيم في ضاحية المدينة.
ولكنه كان شارعا يلتقيان فيه عند ذهابهما إلى دار الصور المتحركة، ثم يلتقيان فيه عند خروجهما منها.
وكانا يجلسان إذا دخلا تلك الدار في مكانين متجاورين، ولكنهما لا يدخلان إليها ولا يخرجان منها متجاورين، بل يرسل هو إلى نافذة التذاكر من يبتاع التذكرتين لكرسيين في مكان قلما يتغير، ثم يلقاها في ذلك الشارع، فتأخذ إحدى التذكرتين وتسبقه إلى الدار، ويظل هو بضع دقائق في بعض الأندية العامة، ثم يلحق بها إلى المكان المعروف.
وكان من عادتها أن تقارن بينها وبين بطلة الرواية إذا أحست منه إعجابا بها أو ثناء عليها، وتسأله في ذلك أسئلة ذكية خبيثة لا تسهل المغالطة في جوابها، إلا على سبيل المزاح والمداعبة.
سألته مرة وقد لمحت منه اهتماما بالروايات التي تظهر فيها إحدى الممثلات: إذا سمحت لك هذه الممثلة بقبلة … أتقبلها منها؟
فعلم أن الجواب الجد عن هذا السؤال غير سليم العواقب، وعمد إلى العبث والمرواغة.
قال: وهل من الأدب أن أرفض قبلة تعرضها سيدة؟
قالت: دعنا من حديث الأدب فما عن هذا أسأل … أنا أسألك عن دخيلة نفسك، أسألك عن رغبتك … فهل ترحب بتلك القبلة إذا وجدتها؟
فعاد ثانية إلى العبث والمرواغة، وطفق يقول: أما إن كنت أمثل معها على الستار الأبيض فأنت تعلمين أن القبلة لا غنى عنها … تلك واجبات الفن يا صديقتي، ولا تتم الفنون إلا ببعض التضحية!
قال: نعم، كل قبلة غير قبلة المرأة التي يحبها الرجل هي تضحية، بل هي — إن شئت — سخرة!
فرضيت وهي تعلم أنه يغالط ويراوغ في الجواب، وأحبت أن تشعر أنه لا يقبل تلك الممثلة الجميلة إذا أتيح له تقبيلها … وهي تعلم أنه لا يقول صدقا ولا يعمد إلى الصراحة! … وقالت وهي تضحك: لقد نجوت! إن قبلة تتمناها لهي خيانة في الضمير، ولا فرق بين خيانة الضمير وخيانة الواقع إلا التنفيذ.
وإذا خرجا للرياضة بعد الفراغ من الصور المتحركة فكثيرا ما كانت تمد يدها إلى مفكرته في جيبه فتكتب فيها كلمة تناسب رواية الليلة، أو تناسب الرياضة التي خرجا لها إن كانت مناسبة ملحوظة.
فكتبت مرة وقد شهدا رواية المرأة المترجلة: «هل أعجبتك رواية المرأة المترجلة؟ أما أنا فسأكون لك امرأتك فقط.»
وكتبت مرة أخرى وقد شهدا رواية المرأة المحتالة: «أرجو ألا ترى المرأة المحتالة إلا في السينما، أما في الحياة فحسبك المخلصة … فلانة.»
وربما مضت سنة أو سنتان على مشاهدة الرواية وهي تذكر كل كلمة قالها في التعليق عليها أو في انتقادها، فاتفق يوما أنهما حضرا الصور المتحركة في إحدى الضواحي الصيفية، حيث تعرض المشاهد القديمة بعد سنة أو سنتين من عرضها في المسارح الكبيرة، وشهدا هناك رواية هزلية عن صياد فاشل يستعيض من فشله في الصيد بالمبالغة في الوصف والحكاية، فكان يرفع البندقية ويطلق الطلقة الواحدة في اتجاه واحد فيقع الطير على يمينه وشماله من جميع الجوانب، ويظل يتساقط من هنا وهناك إلى ما بعد إطلاق البندقية بلحظة غير قصيرة.
فقال لها: أليس الأحسن والأبرع أن يسقط هذا الطير مشويا على الأطباق؟
فضحكت طويلا وقالت: أتذكر؟ إنك قلت هذه الكلمة بعينها عندما شهدنا هذه الرواية في البلد للمرة الأولى!
ولا يندر أن يسمع منها أثناء التمثيل كلمات سريعة وتعليقات مبتدرة تكشف بها — على غير قصد منها — عن أعمق أعماق المرأة، وتهزأ فيها بالرياء الأنثوي الذي يبدو في خجل المرأة وامتناعها.
من ذلك أنهما شهدا رواية من روايات الثورات يبدو فيها طريد جريح مهدد الحياة بجراحه، ومهدد الحياة بمطاردة أعدائه، وقد لاذ بأحد البيوت فأكرمه أهل البيت وكتموا أمره، وتعهدته بالعلاج فتاة فيما دون العشرين من العمر سليمة القلب وسيمة الطلعة ممشوقة القوام، فمالت إليه شفقة ثم مالت إليه حبا، ثم تمالك نفسه بعد طول العلاج، حتى انفردا في بعض الجلسات فبلغ من سرورها به وسروره بها أن نظر إليها ونظرت إليه، وعيونهما تومض بالمحبة، ثم اعتنقا في قبلة طويلة جارفة …
وكان بين المتفرجين على مقربة منهما سيدة نصف في نحو الأربعين، وفتيات ناهدات في مثل سن الفتاة، فصاحت السيدة: انظرن إلى الخائن! … إنه خدعها!
فمالت صاحبتنا وهمست ساخرة … أتقول خدعها؟ إنه كافأها أحسن مكافأة يستطيعها!
وهكذا كانت دار الصور المتحركة عندهما شيئا أكثر من ملهى الفراغ وموعد اللقاء، كانت محور حياتهما الغرامية، وهل كانت لهما من حياة في ذلك الحين غير الحياة الغرامية؟ وكانت ملتقى الذكريات ووسيلة التقارب والتفاهم فيما يشعران به وما يلاحظانه من أحوال المحبين والمحبات، وكانت ذخيرة من المناظر التي يقترن كل منظر منها بكلمة، أو بخاطرة، أو بمناقشة، أو بأمنية يملكان تحقيقها، أو بأمنية يكتفيان منها بالحلم والخيال.
فلما وقعت الجفوة بينهما وانقطع طريقهما إلى تلك الدار كانت كل خطوة في تلك الطريق كأنما تثقل النفس بآكام فوق آكام من الذكريات والآلام، وكانت كل زاوية من الزوايا كأنما تخفي فيها رصدا من الشياطين الثائرة والعقبان الكاسرة، وكان اجتناب تلك الطريق أسلم الأمور وأهون المحذورات.
ثم مضت الأشهر وخيل إلى صاحبنا أنه لم يعد يخشى أو يذكر، فاجترأ على العبور بالطريق مرة بعد مرة، وعبر بها ثلاث مرات أو أربعا على الأكثر، وكانت الرابعة هي التي فوجئ بها هذه المفاجأة التي لم تكن في الحسبان.
إنه لم ير صاحبته بعد اللقاء الأخير في أثناء تلك الأشهر الموحشة؛ لأنه اجتنب الأماكن التي عساه أن يراها فيها، ولزم بيته في معظم الأيام وقد علم أنه ما من مرتاد أو متنزه يقصد إليه إلا وهو خليق أن يعاوده ببعض الذكريات، إن لم يعاوده ببعض ما يسوءه أن يراه.
فلما عبر الشارع المهجور تلك الليلة مطرقا كعادته حين يسير على غير قصد إلى مكان معلوم، سمع من جانبه صوتا يناديه، صوتا يعرفه بين ألف صوت، بل بين جميع ما خلق الله من الأصوات والأصداء، صوتها هي بعينها يهتف به: أهو أنت؟