Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
منذ نحو ١٢ عاما، كانت هناك انتخابات مرتقبة في البلدة «إن». وهي مكان سيئ السمعة يشتهر بالرشوة، وأنا أعرف هذا الأمر جيدا؛ نظرا إلى أنني كنت مهتما على نحو مهني بمتابعة العديد من الانتخابات. كما أنها مدينة غير اعتيادية. لقد كانت فيما مضى مكانا مزدهرا للغاية. حيث تختص بصناعة المشابك المعدنية، وتنفرد بها عن أي مكان آخر؛ ولكن روحا شريرة تتسم بالرقة الزائفة اجتاحت كيانها في تلك الأيام.
كان بإمكان عبقرية اثنين أو ثلاثة من رجال الأعمال المشهورين أن تستفيد من الموقع المحايد والآفاق المستقبلية لتلك البقعة والمنطقة المجاورة لتأسيس صناعة جديدة هناك، وتوفير فرص عمل لعدد هائل من الحرفيين المهرة. لكن عمل هؤلاء الناس يعتمد من أوله إلى آخره على الدخان المتصاعد من فوهات مداخن المصانع. وقد قرر عمدة البلدة والمجلس المحلي بها، عملا بما يخدم المصلحة المزعومة لسكانها، التخلص من جميع المداخن داخل بلدتهم. واستصدروا قانونا من البرلمان يقر مثل هذه اللوائح البلدية ويمكن هؤلاء الحكماء من إبعاد الإبداع المهدد بالاندثار، الذي يقوم في الأساس على الدخان الذي ينتج ذهبا. ومن ثم، كان على الصناعة الجديدة أن تستقر في منطقة مجاورة خارج سيطرة المجلس المحلي للبلدة. وبعد أن حدث هذا الإنجاز بنجاح، استمرت المنطقة المحيطة في الازدهار بسرعة حتى وصلت إلى مكانتها الحالية المرموقة في هذا المجال، وتدهورت تجارة البلدة حتى وصلت إلى حالتها الحالية البائسة أو المتردية. في هذه الأثناء أيضا، اندثرت حافلات النقل، التي كانت تسير باستمرار في شوارعها جالبة معها قليلا من الثروة للسكان؛ نظرا إلى أن البلدة كانت تقع على المسار الشمالي الكبير لطريق رئيسي، وقد حدث ذلك بسبب المنافسة غير المتكافئة مع خط السكك الحديدية؛ وهكذا أصبحت البلدة بمرور الوقت على ما هي عليه الآن؛ مكانا خاليا رثا وذا أهمية مصطنعة وغارقا في الفقر. أضحت تتسم بالركود وسط النشاط. حيث ينمو العشب في شارعها الرئيسي وكذلك في سوقها. ويسير ما تبقى من الأشخاص المستقلين — أي الأشخاص الذين يتمتعون باستقلال مالي — في تعال معتقدين أنهم أناس رفيعو المقام. وبهذا المعنى فإن السكان غير المستقلين ماليا هم جبناء ومهانون وفقراء وفاسدون. ومع ذلك، فإن البلدة هي دائرة برلمانية؛ ومن ثم، يوفر وضعها الحالي المتهالك والبائس فرصة جيدة للسياسيين المغامرين — سواء أكانوا أذكياء أم أغبياء، لا يهم — الذين لديهم محافظ ممتلئة بالمال ووكلاء ماهرون وآليات جيدة تحت إمرتهم.
وقبل أن أصف الأحداث الخاصة للقضية التي أنا على وشك أن أعرضها على القارئ، اسمحوا لي أن أقدم بعض التفاصيل الإضافية حول الضمير الانتخابي لهذه البلدة العتيقة غير العادية. حيث يوجد بها ثلاث فئات من الناخبين، صنفهم وكيل حملات انتخابية محافظ معروف (وهو محام مقيم هناك)؛ ومما لا شك فيه أن هناك تصنيفا مشابها، أو على وجه الدقة مناقضا، قام به الجانب الآخر. في القائمة أو التصنيف الأول، يوجد الناخبون الحقيقيون والنزيهون بالفعل، وهم رجال يعتبرون الرشوة المعروضة إهانة ويستاءون منها، كما أنهم موقرون وجديرون بالاحترام والتقدير، وسيقاومون تقريبا، أو ربما تماما، حتى الموت، أي محاولة لإكراههم على التصويت بخلاف ما تمليه ضمائرهم.
وهناك قائمة أو تصنيف آخر يدرج فيه الرجال الذين يميلون إلى المحافظة (مثلما ينبغي أن يكون الجميع في مكان عتيق كتلك البلدة؛ ربما يظن القارئ الساخر ذلك)؛ وهؤلاء الرجال سيأخذون من الداعم الحقيقي لمؤسساتنا الموقرة نصف ما يمكن أن يحصلوا عليه من مغامر بدين يدعي مبادئ راديكالية متطرفة، ويرغب في تكوين سوق لنفوذه السياسي، أو ربما يكون حريصا على إشباع الرغبة الشديدة في التميز لدى زوجته، بصفته هو شخصيا أحد كماليات الحياة الزوجية، عن طريق الحصول على مقعد في البرلمان، ولقب نائب الشعب بعد اسمه.
تشمل القائمة أو التصنيف الثالث أولئك الناخبين الذين ليس لديهم مبادئ سياسية أو شخصية أو ضمير على الإطلاق. هؤلاء هم من يريدون أقصى ما يمكنهم الحصول عليه من مال سواء من المحافظين أو الراديكاليين أو الإصلاحيين الدستوريين. وهم قمامة الحياة السياسية وحثالتها؛ وهذا العنصر البغيض للوجود السياسي في البلدة ليس بأي حال من الأحوال الجزء الأصغر من التصنيفات الثلاثة.
والمنظم، أو الوكيل، كما يحب أن يطلق عليه — على الرغم من أن لقب «الوكيل» هو للمجاملة، كما يعلم مسئولو الشرطة وغيرهم من جميع الأشخاص الذين يتعاملون مع الجريمة — يعرف بدقة الأشياء التي يجب أن يتعامل بها. إنه يعرف كيف «يلعب أوراقه»، وهو الوصف الذي يصف به أحيانا أعماله الصعبة المقلقة، ولا يهدده سوى خطر واحد. يقال إن الصدق وحسن النية بين اللصوص بعضهم وبعض هما من سمات حياة اللصوصية. وقد أوضحت، في كتاب سابق، أن هذه الفكرة ليست صحيحة. حيث يقدم السياسيون دليلا إضافيا على دقة كلامي.
عندما يجري المنظم أو الوكيل — على سبيل المثال، قبل يومين من الانتخابات — جميع ترتيباته للتصويت، ويشعر بالثقة تماما في أنه، كممثل للسيد هيفي بيرس، مرشحه — وهو رجل ذو جبين مسحوب، ورقبة غليظة، ودماغ صغير، كثير الكلام وقليل الفعل، ليس لديه شخصية سياسية أو مبدأ أو عاطفة أو أفكار من أي نوع — قد جعل كل شيء على ما يرام بفضل الأموال التي وزعها بالفعل، وتلك التي وعد بتوزيعها وهي أكثر وأكثر، فإنه يخلد إلى النوم في سريره الناعم الوثير المغطى تماما بالستائر، ثملا تماما من النبيذ الوردي والجرعات الروحية العميقة، فقط ليوقظه في الصباح مساعد يقظ، يخبره أنه قبل فترة وجيزة من ساعة السحر خلال الليل حضرت إلى البلدة عربة تجرها أربعة خيول، لا يبدو أنها مرهقة من طول رحلتها؛ لأنها أتت فقط من البلدة «زد» القريبة، لكنها كانت تجر حمولة موضوعة على أرضية العربة، ما أعاق حركتها ورغبتها في الانطلاق بسرعة. ومن ثم يعرف المنظم أو الوكيل أن بعض المضاربين السياسيين الأثرياء قد جاءوا بمبالغ جيدة من العملات الذهبية. وهو لا يعتقد أن العملية قد جرى التخطيط لها بالمهارة التي بدت عليها، والتي كانت لتبدو عليها من الوهلة الأولى، لكنه لا يزال قلقا بعض الشيء؛ لأنه يعلم أن مسألة النجاح يمكن حسمها بسهولة عبر اليد التي يمكن أن تستخدم الحل الذهبي الأكبر أو الأثقل. كما يعلم أيضا أن سحر الذهب لا يمارس تأثيرا قويا على الروح في أي مكان أكثر من البلدة «إن»؛ وسيشعر بالفعل أنه يميل إلى التخلي عن المنافسة إذا تأكد أن الوافد الجديد لديه كم من الذهب أكبر من مرشحه. على الرغم من حقيقة أنه يعتقد أن مرشحه رجل متفوق، وأن الدائرة الانتخابية ستحبه مؤكدا، إذا أمكن جعل المنافسة نزيهة؛ وعلى الرغم من أنه، أيضا، قد حصل على الصدارة خلال ثلاثة أسابيع في استطلاع الأصوات، وحصل على وعود من أغلبية كبيرة من الناخبين أكثر من المرشح الليبرالي المتأخر نسبيا، الذي كان حتى الآن معارضا للسيد هيفي بيرس؛ لكن في حقيقة الأمر كان الوافد الثالث يزعج المنظم.
حقيقة أخرى مميزة اكتشفتها في هذه المدينة. آمل ألا يفاجأ القارئ بها. وأنا أرويها كحقيقة. وأقرها كحكم لا يمكن إنكاره. كما لا أمانع في أن يقنعني أحد إذا كنت مخطئا؛ لكن إذا كنت محقا، فهذا أمر يجب أن يعرض على البرلمان، كحجة كبيرة لصالح شيء ما أو ضد شيء آخر. فكل حقيقة تؤدي بالتأكيد إلى استنتاج. وكل حقيقة لها عبرة. وأنا أعرض هذه الحقيقة أمام كل من يهمه الأمر، وأعلنها صراحة. إن من يحدد تمثيل البلدة «إن» في البرلمان هم أصحاب بيوت الدعارة في المدينة. فجميع الرجال الذين سبق أن مثلوا تلك البلدة في البرلمان منذ إقرار قانون الإصلاح نجحوا بسبب هذه الكائنات البشرية الحقيرة، الذين يستمدون وسائل الحفاظ على وجودهم من أكثر الشرور بغضا، على الرغم من أنه قيل لنا إنه أمر لا يمكن علاجه. كيف أثبت حقيقتي وعبرتي؟ هذا سؤال قد يطرحه القارئ. وسأثبتها هكذا: عندما تستطلع آراء جميع الناخبين الشرفاء حقا، يستنفد المنظمون أو الوكلاء القسم المناسب نسبيا من الجزء القابل لأن تدفع إليه الرشاوى من المدينة، وتعطى نتيجة الكل للمرشح المحافظ، قد تكون أغلبية أربعة، أو قد تكون أغلبية للمرشح الليبرالي صاحب الأربعة، أو قد تكون خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة أو أحد عشر، وفقا للظروف. قد نتصور أن هذا يحدث بعد فوات الأوان. ولكن لا يزال هناك ما بين ثلاثة وعشرين وخمسة وعشرين من أصحاب المنازل غير النظيفين أخلاقيا، الذين يبيعون الصوت الانتخابي بعشرة جنيهات، أو مسئولي المحليات في شارع معين من البلدة «إن»، الذين يدفعون ضرائبهم بانتظام في غضون التاريخ المحدد للاستبعاد من السجل، ومن ثم، فهم ناخبون مؤهلون كما ينبغي. ولن يخسر المرشح الليبرالي ولا المرشح المحافظ أي انتخابات إذا اشترى تلك الأصوات. ففي حالة الطوارئ في الوقت الذي أتحدث عنه، فإن الليبرالي الذي يجد نفسه في أقلية من أربعة، يذهب إلى «ستو ستريت» ويشتري ما يصل إلى ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين من أصوات سكان هذه المنازل الموبوءة بالجذام، ويدفع أي ثمن يرون أنه يناسبهم. وهكذا تحتسب أصواتهم في الاقتراع مثل الناخبين الأحرار والمستقلين والنزهاء والشرفاء. ومن ثم يقلبون الميزان. وينتخبون العضو. وبقية العملية ما هي إلا مهزلة. طباعة عناوين المرشحين المنافسين، وإشراك غرف اللجان، وكل شيء في طريق الآلات أو المبدأ، حتى زيارة المنظم أو الوكيل إلى ستو ستريت، كل ذلك عديم الفائدة. أكره الدجل. وأمقت السخرية. لماذا لا يترك لستو ستريت عملية انتخاب الرجل المحترم أو الحقير الذي سيلقب بعضو البرلمان عن البلدة «إن»؟
وبخصوص هذا، أو لاختتام خطابي عن النزاهة والأخلاق، اسمحوا لي أن أبلغ القارئ أن وزيرا في الحكومة قد انتخب ليمثل البلدة «إن»، وأن شارع ستو ستريت وحده، بلا أدنى شك، أو ناخبيه، وأموال الوزير، هي ما أوصلته إلى البرلمان على النحو الذي أشرت إليه.
حسنا، كما قلت للقارئ بالفعل، رأيت فرصة للمشاركة ونسج خيوط حيلتي؛ لذلك ذهبت إلى شخص ما، وهذا الشخص اتصل بشخص — يمكن أن نشير إليه بالسيد «فلان» — حقق ثروة من التجارة، وكان لديه زوجة أقنعته بأنه رجل ذكي للغاية، وأن عليه دخول البرلمان.
والسيد فلان ليس لديه مبادئ سياسية. لقد كان دائما يصوت، كناخب، بالطريقة التي أوصى بها أكبر زبائنه؛ الذي — للمصادفة البحتة — كان دائما ذا انتماء ليبرالي. وبطريقة أو أخرى، ظنت زوجة السيد فلان من خلال تفكيرها الأنثوي أن زوجها قد سلك الطريق الخطأ، وأنه «ليس شيئا يحترم» أن تكون ليبراليا، وأن «الشيء المهذب للغاية» هو الوقوف إلى جانب المحافظين؛ ولذلك قررت أنه حينما يدخل زوجها البرلمان، يجب أن يكون محافظا، وهو الرأي الذي استجاب له، مثل أي زوج محب، وعقب قائلا: «سأفعل.» وهذا لم يكن يهمني كثيرا. فالسيد فلان سيفعل للبلدة «إن» ولأجلي أنا، مثلما سيفعل أي رجل آخر. لم أكن حريصا على الآراء السياسية، ومن ثم لم أتردد في تقديم خدماتي له.
من المستحسن دائما اتباع الإجراءات المعتادة. فمن حين لآخر، تصبح الإجراءات المعتادة العديمة الفائدة في حد ذاتها أساسية بحكم العرف. لذلك، وظف رجل يجيد الكتابة ليكتب عنوانا لمرشحنا، كما استعين برجل أو اثنين من أجل تعريفه أو تدريبه على الخطابات التي سيلقيها. وهي لم تكن خطابات جيدة. كانت الخطابة، في رأيي، مسهبة ومتكلفة وغير منطقية؛ أو، كما يمكن أن يقول السيد بارنوم الشهير، وسآخذ حريتي في القول، كانت «دجلا».
وهكذا سافرنا من لندن مباشرة إلى البلدة. وقد تألف الجمع مني، وشريكي (الذي كان الوكيل)، والمحامي، والمرشح، الذي تأكدت الآن من اسمه وعنوانه وصفته. يمكن للقارئ الآن أن يعرف هذا الرجل على أنه السيد جوليفات، وهو تاجر زيوت متقاعد، يقيم في ميلبومين لودج، كلابهام، ومن المفترض أنه شريك خامل في المنزل القديم الذي ظل يقشط فيه قدور الشحم المغلي على نحو مثير للإعجاب لأكثر من ثلاثين عاما.
وعند وصولنا، وضعنا عنوان مرشحنا. وبدأنا حملة انتخابية شخصية. حيث فعلنا كل ما كان معتادا باستثناء الرشوة — فلما يحن الوقت لذلك بعد — لكن كل ما فعلناه لم يؤد إلا إلى تثبيط عزيمة كل شخص سواي.
قال شريكي لمرشحه إنه يعتقد أن ألفين من الجنيهات أو ما يقرب من ذلك ستكون كافية، في حين أنني أخبرته أن الأمر سيتطلب خمسة آلاف جنيه على الأقل، لكن يجب أن يكون مستعدا بسبعة أو ثمانية آلاف جنيه إذا كان يريد حقا أن يفوز بالمقعد. إذ يجب أن يعلم المرشح في البلدة أنه ليس لديه فرصة بمبلغ ألفي جنيه أو حتى ثلاثة آلاف جنيه. وقد اندهش للغاية، وأرسل برقية إلى زوجته، التي جاءت دون الكشف عن هويتها، الأمر الذي أثار انزعاجنا، وكان له تأثير أكبر من مجرد الإعلان عن اسمها وعلاقتها بالمرشح.
هذه السيدة، على عكس زوجة السير بالدبيت بيلي، في ظل الظروف المماثلة، أصبحت متغطرسة وغير عملية. وقالت إنها تعتقد أن ثلاثة آلاف جنيه ذهبي هو مبلغ ضخم للغاية. لقد استغرق زوجها الصالح وقتا طويلا جدا لكسب هذا المبلغ الضخم من المال، وعلى الرغم من أنها لا تمانع في إنفاقه لأمواله مثل مواطن بريطاني أو رئيس وزراء، قالت إنها تعتقد أن ثلاثة آلاف جنيه يجب أن ترضي الجميع، وإذا لم يكن الأمر كذلك، وهو ما يثير العجب، فلن تدفع المزيد، وليفعلوا ما في وسعهم.
قالت السيدة جوليفات أيضا إنها تحب أن تتأكد من خطواتها قبل أن تخطوها. فإذا لم يكن من الممكن إنجاز المهمة على نحو مؤكد مقابل هذا السعر، فلن توافق، وهي تفضل عدم خوضها على الإطلاق. إذ إن ثلاثة آلاف جنيه ذهبي، كما كررت كثيرا، هو مبلغ كبير من المال، ولا يصح رميها في نهر التيمز. هذا ما سيقولونه في لندن، وكانت تعني أنه لا يصح أن ننفق مالا دون جدوى.
لقد اندهشت قليلا، خاصة عندما أخبرها شريكي بجرأة أنه، وبشرفه، سينجز المهمة بهذا المبلغ. بالطبع لم أتمكن من معارضته حينها، وفي الواقع أقول إنه كان دجالا بدرجة كبيرة لاحتياله على امرأة حريصة وزوجها في مثل هذا الوضع، لذلك التزمت الصمت حتى انفردت به؛ ثم اعترضت على ما فعله. فأجاب: «دعنا نخدعهما! دع هذين العجوزين ينفقا. لن يفعلا ما يفيد بأموالهما إذا لم يضيعاها هنا؛ وفي نهاية الأمر، اعتمد علي، فسأجعلهما ينفقان ثلاثة أو خمسة آلاف جنيه إضافية إذا تطلب الأمر.» فجادلت ودحضت؛ لكن شريكي كان حازما. وقال: «لقد قطعنا شوطا كبيرا في الأمر ومن الصعب أن نتراجع. سيحدث ضرر كبير في مهنتينا إذا هربنا في خضم المعركة. وفي رأيي، يجب أن نواصل ونفوز، وأن نجعل العجوز يدفع.»
يقال إن الحاجة أم الاختراع. وأعتقد أن هذا المثل مألوف لمعظم قرائي. وسأقدم توضيحا آخر له.
لقد أنبني ضميري بشأن السيد والسيدة جوليفات ونقودهما لبقية اليوم. وشعرت أنه يجب علينا أن نخوض المعركة الانتخابية وننتصر، أو يجب ألا نخوضها على الإطلاق، وأن نهرب. إذن يجب على شريكي أن يظل بجوار المرشح، وربما ينجح حقا فيما وعد به؛ أي إسعاد قلبي المرشح وزوجته بالفوز في الانتخابات، ومن ثم الحصول منهما على أتعابه. لم أكن متأكدا على الإطلاق من الجزء السابق من المهمة، لكن إذا فشل، من ناحية أخرى، وهو الأرجح، هل يمكنني تخليص نفسي من المسئولية بمجرد الانسحاب في المرحلة الحالية؟ لقد عقدت العزم على المضي قدما والاستفادة المثلى من المعرفة القانونية القليلة التي حصلت عليها، وذلك للابتعاد عن طريق الأذى. وقد تمكنت في النهاية من ابتكار ما فكرت فيه وما زلت أفكر فيه؛ حيلتي الكبرى للحملة الانتخابية.
قمت بجولة في البلدة من أجل استجماع أفكاري؛ وبعدما فكرت مليا لمدة ساعة أو ساعتين، توصلت إلى الحيلة التالية، التي نفذتها بالطريقة الموضحة فيما يلي.
أسرعت إلى لندن في قطار منتصف الليل، واستقللت عربة أجرة من محطة يوستون، وذهبت إلى زميل بارع في مجال عملي نفسه، فأعطيته تعليماتي، وكان يتصرف بموجب توجيهاتي نصا ومضمونا، لذلك كانت الحيلة، كما سيرى القارئ، ناجحة تماما. وبقدر ما أستطيع، بالطبع، أشرفت إشرافا مباشرا على تفاصيل مخططي.
وقد علمت أن هناك رجلا يقيم في حي سوهو يتمتع بقدرة خاصة، كما أخبروني، وقد أصبحت لدي الآن أسباب وجيهة لتصديقهم؛ إذ يمكنه التحدث والكتابة بسهولة كبيرة وبراعة هائلة. لا أعرف ما هي مبادئه السياسية، ولم أكن أهتم آنذاك مثلما لم يفعل هو نفسه. لكنه كان على استعداد لقبول المشاركة في المهمة التي عرضتها عليه. ومقابل ثمن ما وافق على أن يصبح المرشح الثالث لتمثيل البلدة «إن» في البرلمان.
ومن ثم ذهبت مع المرشح الجديد بعد أن تركنا مسكنه السابق، إلى فندق مجاور، حيث استأجرت له غرفة خاصة، وطلبنا أقلاما وحبرا وورقا وسجائر وزجاجة من الشراب، ثم أعددنا خطابا إلى الناخبين الأحرار والمستقلين في المدينة التي سنمارس الدجل على أهلها. ثم أخذنا الخطاب إلى مطبعة، وفي مقابل ما يزيد قليلا عن الأجر العادي، طبعنا خمسمائة نسخة في غضون ثلاث ساعات.
بعد ذلك زرنا متجر تاجر ملابس مشهور يقع في الجوار، يحمل اسمه لمحة عبرية في تهجئته، حيث زورنا مظهر مرشحنا بأسلوب مثير للإعجاب؛ على الرغم من أن التكلفة كانت عالية، بل أعتقد أنها باهظة بعض الشيء. وهكذا بعد أن ارتدى زيا يشبه أزياء النبلاء، أصبح بالفعل يبدو كواحد منهم؛ وهكذا تحت تأثير الازدهار الخارجي، وكذلك أفترض، تحت سحر عشرين جنيها في جيبه (وهو مبلغ لم يكن بحوزته، كما أتخيل، منذ مدة طويلة جدا)، تبددت آثار الفقر والعوز من ملامحه. وأصبح يتحدث بطلاقة زائدة، وزادت بلاغته للغاية، لدرجة أنني اعتقدت أن من المؤسف أنه ليس المرشح الحقيقي بدلا من عديم الكفاءة الطامح إلى الحصانة البرلمانية.
أعترف بالذنب إذ استحوذت علي فكرة عابرة آنذاك، واقترحت مقارنة بغيضة. واعتقدت أنه كان سيتناسب مع شخصية عضو البرلمان أفضل بكثير من مرشحنا السيد جوليفات، الذي كان سفيها بالفعل.
بعد ذلك، ذهبنا إلى مطعم في ريجنت ستريت، حيث طلبت لنا عشاء فاخرا ودفعت ثمنه.
وبينما نتناول الشراب تطورت خطتنا تطورا رائعا. أصبحت مدينا بالعديد من التلميحات القيمة لصديقي الجديد وصديقه الذكي. ثم أخذنا ندخن ونحن نتجاذب أطراف الحديث، وبعد ذلك تجولنا في سانت جيمس بارك حتى حان وقت رحيلنا إلى البلدة المنشودة.
كان لا بد من إجراء زيارة أخرى لمتجر صانع صناديق الأمتعة لشراء حقيبتين أو ثلاث من حقائب السفر الجيدة، وقد فضلت شراء حقائب مستعملة، على الرغم من أن المصاريف لم تكن ذات أهمية كبيرة، حيث اعتقدت أن المظهر الرث أو المتسخ على الأقل سيخدم خطتنا على نحو أفضل.
يجب أيضا أن أخبر القارئ أنني قد وعدت المرشح صاحب الشعبية الذي ما زلنا في طور تكوينه بمكافأة قدرها خمسون جنيها إذا لعب دوره بمهارة وحافظ على الإتقان؛ لكنني لم أعطه أي ضمان بخلاف كلمة شرف (التي لم أخل بها أبدا في حياتي) من أجل الوفاء بالجزء الخاص بي من العقد. ولم يندم أي منا آنذاك أو بعد ذلك على الطريقة التي أبرم العقد ودفع ثمنه بها.