Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان الهواء يهب عاصفا، والغيث يهطل منهمرا، وقد ثارت عاصفة تحطم — لشدتها — زجاج النوافذ في قصر روشربيم في بيكارديا، وهو القصر الذي تبدأ فيه حوادث هذه الرواية.
وكان هذا القصر على بضع مراحل من طريق أميانس، وهو قديم يتصل عهد بنائه بأيام الصليبيين، ولكنه هجر نحو مائة عام لم يسكنه أحد، حتى رويت عنه الأحاديث الخرافية المزعجة، وبات الناس يخافونه ولا يدنون منه؛ لكثرة ما روي عنه من الحوادث المخيفة؛ وأخصها أنه مسكون من الجان!
وكان ينتقل من وريث إلى وريث، فلا يقيم به، ولا يجد من يستأجره. إلى أن جاء يوما سائحان من الإنكليز إلى تلك الجهة وسمعا ما يروون من الخرافات عن ذلك القصر فزاراه وتفقداه، ثم اشترياه من صاحبه وأقاما فيه، وذلك منذ ٥ أو ٦ أعوام.
وكان أحد السائحين امرأة يبلغ عمرها نحو الخامسة والثلاثين، عصبية المزاج بارعة الجمال، غير أن آثار الهم والتفكير كانت بادية بين ثناياها وجميع ظواهرها تدل على أنها من الأعيان.
أما السائح الآخر؛ فقد كان أبيض الشعر مصفر الوجه، إلا أن آثار القوة كانت تبدو من اتقاد عينيه، وخفة حركاته، وكان يدعوها بلقب ميلادي، ويخاطبها بلهجة الاحترام، وهي تدعوه باسم بب دون كلفة مما يدل على أنها مولاته وأنه وكيلها.
وقد حاول هذا الوكيل حين إقامتها في هذا القصر أن يجد خداما من أهل القرية فلم يلق من يجسر على المبيت فيه؛ لكثرة ما تداول على الأسماع من سمعته السيئة، فاضطر إلى إحضار الخدم من باريس.
وكان من عادة ميلادي أن تخرج في صباح كل يوم ممتطية جوادا فتتنزه ساعة وتعود، لكنها تجتنب الحقول والمزارع والمنازل والقرى المجاورة فلا تكلم أحدا من الناس، حتى سكان القصر، ولا يأتي إلى هذا القصر أحد حتى الشحاذين.
وأغرب من هذا أن الخدم أنفسهم لم يكونوا يكلمون أحدا كأنما الأمر قد صدر إليهم بهذا السكوت، غير أنهم كانوا يحدثون بعضهم بأسرار هذا القصر كما تراه من هذه المحادثة الآتية:
فقد اجتمع في المطبخ السائق وخادم والطباخة فقال الخادم: مسكينة هذه السيدة؛ فقد كانت ليلتها أمس من أسوأ الليالي.
فقالت الطباخة: هو ما تقول؛ فقد سمعناها تصيح وتطلب العفو.
وقال السائق: حبذا لو كنت أعرف اللغة الإنكليزية؛ فإني كنت أفهم حديثها حين تصيح في الليل.
فقال الخادم: لا شك أن الأرواح مقيمة في هذا القصر، وأنها ستعود هذه الليلة.
فقال السائق: إنها تأتي كل ليلة منذ حين غير بعيد.
فقالت الطباخة: ولكن أتعلمون في أية غرفة من غرف القصر تنام ميلادي؟
فقال خادم الغرفة: ذلك يستحيل معرفته؛ فإن غرف القصر كثيرة وهي تنام كل ليلة في غرفة؛ راجية أن لا تهتدي الأرواح إليها كأنما الأرواح تخفاها خافية!
فقالت الطباخة: أظن أن سيدتنا لا تهبط إليها الأرواح ولا تناجيها، وأنها قد تكون أذنبت ذنبا عظيما ندمت عليه، وما نسمعه منها إنما هو مما يصيبها من تقريع الضمير.
فقال السائق: وأي تقريع هذا؟! بل أي ذنب يمكن أن تجترمه مثل هذه الحسناء؟!
فقالت الطباخة: إني عقدت كلامي على الظن، ومع ذلك فإني أعتقد أنها ارتكبت جريمة وعندي برهان!
لكنها قبل أن تتم حديثها وتذكر ذلك البرهان، قرع باب القصر الخارجي قرعا شديدا فتوقفت عن الحديث.
وانذهل جميع الخدم؛ لأنهم لم يتعودوا قدوم الزائرين فشغلهم الانذهال عن فتح الباب، ثم توالى القرع بشدة، فأسرع بب إلى المطبخ وأمر أحدهم أن يفتح الباب وينظر من الطارق.
فذهب أحدهم وعاد بعد هنيهة، فقال للوكيل: إنهما يا سيدي اثنان؛ أحدهما: رجل، والآخر امرأة صبية، وقد ابتلت ثيابهما بمياه المطر.
فسأله الوكيل: ماذا يريدان؟
– إن مركبتهما قد انكسرت على الطريق وهما لا يعلمان أين يذهبان، فقلت لهما: إن سكان القصر لا يضيفون أحدا!
– كلا، فإنهما لا يزالان يلحان بالدخول.
فلم يجبه الوكيل بحرف، ولكنه قطب حاجبيه وغادر المطبخ، فذهب إلى السيدة وعاد إلى الخادم كي ينفذ الأمر، وبقي الخادمان الآخران في المطبخ ينتظران.
بعد ذلك بساعة كان الضيفان جالسين في قاعة من قاعات القصر يتدفئان قرب النار، وقد مضت عليهما ساعة دون أن تحضر ميلادي أو وكيلها بب؛ فلم يريا غير الغلام.
ولم يكن هذان الضيفان إلا السير جمس نيفلي وفاندا، وقد كانا قادمين إلى باريس للانتقام من روكامبول بعد أن خدعت فاندا السير نيفلي، كما تقدم في الرواية السابقة (ضحايا الهند).
فلما وصلت المركبة القادمة بهما إلى أميانس سقطت في هوة في ذلك الوادي الذي كان يشرف عليه قصر روشربيم، فلم يصب ركابها بأذى إلا أن المركبة انكسرت ولم تعد صالحة للسير …
وكانت الساعة العاشرة من الليل، والأمطار تنهمر غزيرة، فحارا في أمرهما ولم يعلما أين يسيران. فقال لهما السائق: إنه لا يوجد هنا ملجأ قريب غير قصر روشربيم، لكنه روى لهما جميع ما كان شائعا من الخرافات عن ذلك القصر، فلم يحفلا بها، وقالت فاندا: ما زال سكان القصر من الإنكليز؛ فإني أرجو أن يأذنوا لنا بالمبيت في هذه الليلة.