Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
كان مدير التحرير في صحيفة «نيويورك آرجوس» يجلس على مكتبه وعلى وجهه عبوس شديد، وأخذ ينظر من تحت حاجبيه الكثيفين إلى الشاب الذي ألقى لتوه بمعطف كبير من الفراء على ظهر أحد الكراسي، بينما جلس هو على كرسي آخر.
بدأ مدير التحرير الحديث قائلا: «لقد تلقيت برقيتك. هل لي أن أفهم منها أنك قد فشلت في مهمتك؟»
أجاب الشاب، دون أدنى تردد: «نعم، يا سيدي.»
«ألم تحصل حتى على فكرة عن أهم ما يوجد بداخل المستندات؟»
ازداد عبوس مدير التحرير. وأخذ ينقر بأطراف أصابعه بعصبية على المكتب.
وقال في النهاية: «يخيل إلي أنك لست خجلان من فشلك.»
«وما فائدة أن أفعل؟ أنا على يقين من أنني قمت بكل ما في وسعي.»
«حسنا. إن في ذلك تعزية كبيرة، بلا شك، ولكن ذلك لا قيمة له في عالم الصحافة. أخبرني ماذا فعلت.»
«لقد تلقيت برقيتك في مونتريال، وعلى الفور ذهبت إلى بيرنت باين التي تعد أبعد بقعة على وجه الأرض. ووجدت أن كينيون وونتوورث يقيمان في الفندق الوحيد الموجود في المكان. حاولت أن أعرف منهما محتوى تقريريهما، لكنني لم أنجح في مهمتي رغم أنهما كانا مهذبين للغاية. حاولت بعد ذلك أن أرشوهما، لكنهما طرداني من الغرفة.»
«ربما لم يكن مبلغ الرشوة الذي عرضته عليهما كبيرا بما يكفي.»
«لقد عرضت عليهما ضعف ما كانت ستدفعه لهما لندن سينديكيت لتقديم تقريريهما، وعرفت المبلغ منهما. ولم يكن بإمكاني أن أعرض مبلغا أكبر لأنهما في ذلك الوقت كانا قد أغلقا باب النقاش بطردي من الغرفة. حاولت الحصول على الأوراق في تلك الليلة، سرا، من حقيبة ونتوورث، لكنني لم أستطع للأسف. شعر الشابان بالقلق، وفي صباح اليوم التالي، ذهبا لأوتاوا لإرسال التقريرين، كما فهمت لاحقا، إلى إنجلترا. لقد نجحت في الحصول على التقريرين، لكنني لم أستطع الاحتفاظ بهما؛ فهناك عدد كبير من رجال الشرطة في أوتاوا يمكن أن يلاحقني.»
قال مدير التحرير: «هل تقصد أن تقول لي إنك قد حصلت بالفعل على التقريرين وإنهما قد أخذا منك؟»
«لقد حصلت بالتأكيد عليهما؛ أما فيما يتعلق بمسألة أنهما أخذا مني، فلم يكن أمامي سوى أن أفعل هذا أو أسجن. إن رجال الشرطة في كندا، كما تعرف، لا يتفاهمون كما يحدث في الولايات المتحدة.»
«لكنني أعتقد أن رجلا بحنكتك كان سيتمكن من أن يحصل حتى على الأقل على فكرة عما بداخل التقريرين قبل أن ينتزعا منه.»
قال الصحفي بغضب شديد: «سيدي العزيز، إن الأمر كله مكتوب في مجموعة من الصفحات الفولسكاب، لا أتذكر كم عددها، وكان يمثل أعقد مسألة صادفتها في حياتي. لقد حاولت قراءة ما فيها؛ حيث جلست في غرفتي في الفندق وبذلت كل ما في وسعي للتعرف على التفاصيل. لكن الأوراق كانت مليئة بالتفاصيل الفنية ولم أستطع تبينها. كان الأمر يتطلب خبيرا في المناجم لفهم العبارات والأشكال المذكورة؛ لذا، ظننت أن أفضل شيء يمكن فعله هو إرسال الأوراق بالتلغراف إلى نيويورك. أعرف أن الأمر كان سيتكلف الكثير من المال، لكنني كنت أعرف أيضا أنك لن تبالي؛ واعتقدت أنه ربما يكون شخص هنا يمكنه فهم ما استغلق علي؛ هذا بالإضافة إلى أنني كنت أريد أن أتخلص من المستندات بأسرع ما يمكن.»
قال مدير التحرير بعد أن تنحنح: «عفوا! ولكن ألم تدون أي ملاحظات؟»
«نعم، لم أدون. لم يكن لدي وقت. كنت أعرف أن المحققين سيتعقبونني في اللحظة التي يدرك فيها هذان الشابان ضياع المستندات. وكما هو متوقع، قبض علي بمجرد دخولي مكتب التلغراف.»
قال مدير التحرير: «حسنا، يبدو لي أنني إن كان لي أن أحصل على الأوراق، فما كنت لأدعهم يأخذونها مني حتى أعلم أهم ما جاء فيها.»
رد الصحفي بالأسلوب المتحرر وغير المتكلف الذي يتحدث به أي صحفي أمريكي مع رئيسه: «أوه، إنه لمن الجيد منك أن تثير نقطة كهذه، لكنني أستطيع أن أؤكد لك أنه من الصعب عليك أن تقرر أفضل شيء يمكن أن تفعله عندما تجد أن هناك احتمالا لأن تتعرض للسجن في كندا. لم يكن باستطاعتي الخروج من المدينة قبل ثلاث ساعات، وقبل نهاية ذلك الوقت، كان سيكون في يد كل رجل شرطة في المكان وصف لي. إنهم يعرفون جيدا من أخذ الأوراق؛ لذا كان أملي الوحيد يتمثل في إرسالها بالتلغراف إليك، ولو تحقق ذلك، لكان كل شيء على ما يرام. كنت سأسجن عن طيب خاطر لو أرسلت التفاصيل إلى نيويورك.»
سأل مدير التحرير قائلا: «حسنا، ماذا علينا أن نفعل الآن؟»
«أنا لا أدري على وجه التحديد ما الذي علينا فعله. سيأتي الرجلان إلى نيويورك قريبا جدا. إنهما، كما فهمت، سيبحران على متن سفينة «كالوريك» التي ستغادر في خلال أسبوع. إن كنت تعتقد أن لديك صحفيا يمكنه معرفة تفاصيل الأمر من هذين الرجلين، فسأكون سعيدا جدا إن عرفت أنك أرسلته إليهما. أستطيع أن أؤكد لك أنه ليس من السهل معرفة ما لا يريد رجل إنجليزي أن تعرفه.»
قال مدير التحرير: «حسنا، ربما يكون هذا صحيحا. سأفكر في الأمر. بالطبع، أنت فعلت ما في وسعك، وأنا أقدر جهودك؛ لكنني حزين لأنك فشلت في مهمتك.»
قال ريفرز، بينما كان يلتقط معطفه الكندي الكبير المصنوع من الفراء ويخرج من الغرفة: «إنك لست حزينا نصف حزني على الأمر.»
فكر مدير التحرير بالفعل في الأمر. فكر فيه لمدة ساعتين كاملتين. ثم كتب ملحوظة على قطعة من الورق وسحب لأسفل المقبض الصغير الذي سيرن جرس الساعي المكلف بنقل الرسائل، وعندما ظهر الساعي المرتدي زي العمل، أعطاه الملحوظة، قائلا:
«أوصل هذه بأقصى سرعة ممكنة.»
ذهب الساعي وسرعان ما اتضحت نتيجة مشواره بوصول شابة أنيقة جدا إلى غرفة التحرير. كانت ترتدي ملابس مفصلة ملائمة لها تماما، وكانت شديدة الجمال، وتبدو في نحو التاسعة عشرة من عمرها، لكنها كانت، في الحقيقة، أكبر سنا بعض الشيء. كانت تمتلك عينين زرقاوين كبيرتين جذابتين توحيان بالثقة والرقة مما يجعل الرجل العادي يقول: «كم هي جميلة وبريئة نظرة تلك الفتاة!» لكنها كانت تعرف الكثير والكثير عن نيويورك. لقد كانت تتفاخر بأنها تستطيع الحصول على أسرار البلاد من أعضاء الحكومة الموقرين، وكانت تنظر إلى أي سيناتور أو عضو بالكونجرس باعتباره هدفها الطبيعي. وكان ما يقال لها خلف الأبواب المغلقة يثير ضجة كبيرة في اليوم التالي في الصحيفة التي تمثلها. لقد كانت تكتب تحت اسم مستعار، وجربت تقريبا الكتابة عن كل شيء. لقد كانت تتفاعل مع الإعلانات وتكشف عن المحتالين والغشاشين، وذهبت ذات مرة إلى فندق للعمل عاملة غرف، حتى تكتب عن تجاربها في هذا الشأن. وقد قبض عليها وحبست، حتى تستطيع أن تكتب تقريرا على ثلاثة أعمدة، لصالح طبعة الأحد من صحيفة «آرجوس» عن «طريقة التعامل مع النساء في مقرات الشرطة». وكان مدير التحرير ينظر إليها باعتبارها واحدة من أهم أعضاء فريق عمله، وكانت لهذا تحصل على مقابل كبير.
دخلت الغرفة بثقة صاحب المكان، ثم جلست، بعد أن أومأت برأسها لمدير التحرير تحية له، وقالت له: «ما الأمر؟»