Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
سواء لدي أقرأت كتابي هذا أم مزقته، خلو من كل شيء يهمك العلم به أو النظر إليه.
كل ما يمكنني أن أطرفك به من الأخبار أن أقول لك: إن أشجار الربيع قد بدأت تبتسم عن أزهارها، وإن النسيم العليل يجمع إلي في غرفتي في هذه الساعة التي أكتب إليك فيها شذى أول زهرة من زهرات البنفسج وأول عود من أعواد الزنبق.
ويمكنني أن أخبرك أيضا — وإن كنت لا أعرف لمثل هذه الأخبار معنى — أن الغرفة التي كانت خالية في الدور الأعلى من منزلنا قد سكنها اليوم فتى اسمه «استيفن»، غريب الأطوار في وحشته ونفوره وانقباضه عن الناس، حتى يكاد يظن الناظر إليه أنه بائس أو منكوب، فهو ينزل في صبيحة كل يوم إلى الحديقة وبيده كتاب واحد لا يغيره، فإذا جلس للقراءة فيه علق نظره بأول سطر يمر به ثم لا ينتقل عنه بعد ذلك، فهو في الحقيقة مطرق إلى الأرض من حيث يظن الرائي أنه يقرأ في كتاب، فإذا رآني مارة أمامه رفع رأسه إلي وحياني تحية وجيزة، ثم انتقل من مكانه وانساب بين الأشجار، أو صعد إلى غرفته؛ لذلك لم تصل بيني وبينه معرفة حتى اليوم، وربما لا يقع شيء من ذلك فيما بعد؛ لأني لا ألتمس السبيل إلى التعرف به ولا أحب أنه يلتمسه، فإن كنت لا بد سائلة عما يتساءل عنه النساء في مثل هذا الموقف فأقول لك: إن الفتى ليس بجميل ولا جذاب، بل إن في منظره من الخشونة والجمود ما ينفر نظر الناظر إليه، وأحسن ما فيه أني سمعته ليلة — وكانت نافذة غرفتي مفتوحة — يغني غناء شجيا مؤثرا، وإن كان لا يجري فيه على قاعدة من قواعد النغم، فهو يطرب البؤساء والمحزونين، ولا يعجب الموسيقيين المتفننين، ولقد تمكن أبي من مجالسته هنيهة فحدثني عنه أنه من المتعلمين الأذكياء، وبعد: فأحسب أني أمللتك يا سوزان بحديث يتعلق أكثره بإنسان لا شأن لي ولا لك معه، فلا تعتبي علي، فهذا كل ما تستطيع أن تملأ به صفحات كتابها فتاة تعيش في قريتها الصغيرة عيشا متشابه الصور والألوان، لا فرق بين ليله ونهاره، وصبحه ومسائه، لا تطلع الشمس فيه على مرأى جديد، ولا تغرب عن منظر غريب.
الجو رائق، والسماء مصحية، وقرص الشمس يلتهب التهابا، والأرض تهتز فتنبت نباتا حسنا، والأشجار تنتفض عن أوراقها اللامعة الخضراء، والهواء الفاتر يترقرق فينبعث إلى الأجسام فيترك فيها أثرا هادئا لذيذا، وكل ذلك لا قيمة له عندي، ولا أثر له في نفسي، فإني أشعر أن الحياة مظلمة قاتمة، وأن هذا الفضاء على سعته وانفراج ما بين أطرافه أضيق في عيني من كفة الحابل، وأن منظر العالم قد استحال إلى شيء غريب لا أعرفه ولا عهد لي بمثله، فأظل أنتقل من مكان إلى مكان، وأفر من الحديقة إلى المنزل ومن المنزل إلى الحديقة، كأنني أفتش عن شيء، وما أفتش إلا عن نفسي التي فقدتها ولا أزال أنشدها، فإذا نال مني التعب أويت إلى أشجار الزيزفون في الحديقة لأستريح في ظلالها قليلا، فلا يكاد يعلق نظري بأول زهرة يروقني منظرها من بين أزهارها حتى أشعر كأني أنتقل من هذا العالم شيئا فشيئا إلى عالم جميل من عوالم الخيال، فأتغلغل فيه كما يتغلغل الطائر المحلق في غمار السحب وتمر بي على ذلك ساعات طوال لا أعود من بعدها إلى نفسي إلا إذا شعرت بسقوط الكتاب من يدي، فإذا استفقت وجدتني لا أزال في مكاني، ولا يزال نظري عالقا بتلك الزهرة الجميلة التي وقفت عليها.
يقولون إن فصل الربيع فصل الحب، وإن العواطف تضطرم فيه اضطراما فتأنس النفوس بالنفوس، وتقترب القلوب من القلوب، وتمتلئ الحدائق والبساتين بجماعات الطير صادحة فوق زواهر الأغصان وجماعات الناس، سانحة بين صفوف الأشجار، أما أنا فلا أصدق من كل هذا شيئا، فإن أجمل الساعات عندي تلك الساعة التي أخلو فيها بنفسي فأناجيها بهمومي وأحزاني، وأذرف من العبرات ما أبرد به تلك الغلة التي تعتلج في صدري.
وأعجب ما أعجب له من أمر نفسي أنني أبكي على غير شيء، وأحزن لغير سبب، وأجد بين جنبي من الهموم والأشجان ما لا أعرف سبيله ولا مأتاه، حتى يخيل إلي أن عارضا من عوارض الجنون قد خالط عقلي، فيشتد خوفي واضطرابي.
إن الذين يعرفون أسباب آلامهم وأحزانهم غير أشقياء؛ لأنهم يعيشون بالأمل ويحيون بالرجاء، أما أنا فشقية؛ لأني لا أعرف لي دواء فأعالجه، ولا يوم شفاء فأرجوه.
كل أسباب العيش حاضرة لدي، وأبي لا يعرف له سعادة في الحياة غير سعادتي، ولا هناء غير هنائي، ولا يعجبه منظر من مناظر الجمال في العالم سوى أن يراني باسمة، ويرى أزهار حديقته ضاحكة، بل ربما أغفل أمر حديقته أحيانا حتى تذبل أوراقها وتموت زهراتها في سبيل قضاء مرافقي وحاجاتي، فأنا إن شكوت فإنما أشكو بطرا وأشرا وكفرانا بأنعم الله التي يسبغها علي ويسديها إلي، فغفرانك اللهم ورحمتك، فإني ما اعترفت بجميلك، ولا أحسنت القيام بشكر أياديك.
إني لأذكر يا سوزان تلك الأيام التي قضيناها معا، وتلك السعادة التي كنا نهصر أغصانها، ونجني ثمارها، ونطير في سمائها بأجنحة من الآمال والأحلام؛ فأندبها وأبكي عليها، وأحن إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر، والجدب إلى ديمة القطر.
الآن عرفت أنك لا تثق بي ولا تعتمد علي، وأنك لا تزال تنظر إلي بالعين التي تنظر بها إلى أولئك الذين أثرت مغاضبتهم والتبرم بهم من أفراد أسرتك، فقد كتمت عني ما كنت أرجو أن تقضي به إلي من ذات نفسك فيما اعتزمت عليه من رحلتك لأعرف ماذا تريد وأين تريد، ولكني لم أوثر أن أنزل بك في الود إلى المنزلة التي نزلت بي إليها، فلم أر بدا من أن أكتب إليك.
إنا نبتنا معا يا استيفن في تربة واحدة، تحت سماء واحدة، يغدونا ماء واحد وجو واحد، وما زلنا كذلك حتى شببنا فاختلفنا كما تختلف الشجرتان المتجاورتان في منبتهما ثمرة وشكلا؛ لذلك أنت تفر مني الفرار كله وتنقبض عني، ولا تراني أسألك فجا من فجاج الأرض إلا سلكت فجا غيره؛ لأنك أصبحت تسعد بحياة غير التي أسعد بها، وتهنأ بعيش غير الذي أهنأ به، وتطرب لنغمة غير التي تسمعها مني، ولا تستطيع أن ترى في وجهي تلك المرآة التي تحب أن ترى فيها صورتك واضحة جليلة لا غموض فيها ولا إبهام.
إنك لا تبغضني يا استيفن، ولكنك لا تحب أن تراني؛ لأنك تعلم أن لي في الحياة رأيا غير رأيك، وطريقا غير طريقك، فأنت تخاف أن تسمع مني ما يفجعك في تصوراتك وأحلامك، ويكدر عليك لذائذك التي تجدها في العيش في ذلك العالم الخيالي المظلم، وتقنع بها فيه قناعة الشعراء المحزونين بالعيش بين أشباح خيالاتهم السوداء.
كن كما تشاء، وعش كما تريد، فستنقضي أيام شبابك وستنقضي بانقضائها أمانيك وأحلامك، وهنالك تنزل من سمائك التي تطير فيها إلى أرضي التي أسكنها، فنتعارف بعد التناكر، ونتواصل بعد التقاطع، ونلتقي كما كنا.
لا بد أن نفترق اليوم لأننا غير متفقين، ولا بد أن نجتمع بعد اليوم لأننا سنتفق، فلا بأس أن تكتب إلي وأكتب إليك، وأن نتواصل على البعد إبقاء على تلك الصلة التي بيننا، واحتفاظا بها، ورعاية لها، حتى يأتي ذلك اليوم الذي تجلو فيه عن نفسها، وتبرز من مكمنها.
إن أهلك يعجبون لأمرك كثيرا، ويرون أنك قد مكرت بهم، وأضللتهم عن مقاصدك وأغراضك، فسافرت خفية من حيث لا يعلمون بأمرك ولا بنيتك التي انتويتها، ويقولون: إنك ما سافرت على هذه الصورة إلا لأنك عدلت عن رأيك في الزواج من تلك الفتاة التي أعدوها لك، وعندي أنهم أصابوا فيما يقولون، وأنك مخطئ فيما فعلت؛ لأنك تعلم أن والدك فقير لا يملك من المال أكثر مما يتسع لأيام حياته؛ ولقد كان لك في هذا الزواج من تلك الفتاة التي اختارها لك حظك من سعادة العيش وهنائه لولا أنك شاعر، والشعراء يفهمون من معنى السعادة غير ما يفهمه الناس جميعا.
أخوك يحبك كثيرا، ولا يزال يحدثني عنك كما أحدثه، فاذكرنا كما نذكرك، واكتب إلينا بكل شيء.
مضى الليل إلا أقله، ولم يبق إلا أن تنفرج لمة الظلام عن جبين الفجر، ولا أزال ساهرا قلق المضجع، أطلب الراحة فلا أجدها، وأهتف بالغمض فلا أعرف السبيل إليه.
إن إدوار يسخر مني في كتابه ويهزأ بي، وينذرني بيوم أرى فيه أوهاما كاذبة وأحلاما باطلة ما كنت أحسبه أماني وأمالا، ويرى أن جميع ما أقدره لنفسي من سعادة في الحياة وهناء أشبه شيء بالخيالات الشعرية التي يسعد الشعراء بتصورها، ولا يسعدون بوجودها؛ فلئن كان حقا ما يقول فما أمر طعم العيش، وما أظلم وجه الحياة.
لا لا، إن الذي غرس في قلبي هذه الآمال الحسان لا يعجز عن أن يتعهدها بلطفه وعنايته حتى تخرج ثمارها، وتتلألأ أزهارها، وإن الذي أنبت في جناحي هذه القوادم والخوافي لا يرضى أن يهيضني ويتركني في مكاني كسيرا لا أنهض ولا أطير، وإن الذي سلبني كل ما يأمل الآملون في هذه الحياة من سرور وغبطة، ولم يبق لي منها إلا حلاوة الأمل ولذته لأجل من أن يقسو علي القسوة كلها فيسلبني تلك الثمالة الباقية التي هي ملاك عيشي، وقوام حياتي.
على أنني ما ذهبت بعيدا، ولا طلبت مستحيلا، فكل ما أطمع فيه من جمال هذا العالم وزخرفه رفيق آنس بقربه وجواره، وأجد لذة العيش في الكون معه، والسكون إليه، وما الرجال كما يقولون إلا أنصاف ماثلة تطلب أنصافها الأخرى بين مخادع النساء، فلا يزال الرجل يشعر في نفسه بذلك النقص الذي كان يشعر به آدم قبل أن تتغير صورة ضلعه الأيسر حتى يعثر بالمرأة التي خلقت له فيقر قراره، ويلقي عصاه.
وبعد؛ فأي مقدور من المقدورات تضيق به قوة الله وحكمته؟ وأي عقل من العقول الإنسانية يستطيع أن يبدع في تصوراته وتخيلاته الذهنية فوق ما تبدع يد القدرة في مصنوعاتها وآثارها؟ وهل الصور والخيالات التي تمتلئ بها أذهاننا وتموج بها عقولنا إلا رسوم ضئيلة لحقائق هذا الكون وبدائعه، ولو أن سامعا سمع وصف منظر الشمس عند طلوعها، أو مهبط الليل عند نزوله، أو جمال غابة من الغابات، أو شموخ جبل من الأجبال، ثم رأى بعد ذلك عيانا ما كان يراه تصورا وخيالا، لعلم أن جمال الكائنات فوق جمال التصورات، وحقائق الموجودات فوق هواتف الخيالات؛ لذلك أعتقد أني ما تخيلت هذه السعادة التي أقدرها لنفسي إلا لأنها كائن من الكائنات الموجودة، وأنها آتية لا ريب فيها.
إن اليوم الذي أشعر فيه بخيبة آمالي، وانقطاع حبل رجائي، يجب أن يكون آخر يوم من أيام حياتي، فلا خير في حياة يحياها المرء بغير قلب، ولا خير في قلب يخفق بغير حب.
نزل استيفن صبيحة يوم من الأيام إلى حديقة المنزل فرأى «مولر» والد ماجدولين واقفا على رأس بعض الجداول متكئا على فأسه، فلم ير بدا من أن يحييه، فحياه بتحية حيي بأحسن منها، ثم أراد أن يستمر أدراجه فرآه ينظر إليه نظرة المستوقف، ورأى كأن كلاما يتحير في شدقيه فاستحى أن يمضي لسبيله، فوقف على كلمة يصل بها الحديث بينه وبينه، فلم ير شيئا أقرب إلى ذهنه من أن يسأله على ابنته، ثم بدا له أنه إن فعل أرابه وألقى في نفسه أمرا غير الذي يريد، وهي المرة الأولى التي خطر له فيها أن في سؤال الرجل الرجل عن حال ابنته شيئا غريبا، أو أمرا مريبا، ثم استمر «مولر» في حديثه يقول: إن منظر الطبيعة في هذه الساعة جميل جدا لا يكدره علي إلا تلك الرعدة التي أشعر أنها تتمشى في أعضائي، فما أمر مذاق الشيخوخة وما أثقل مئونتها، وسلام على الشباب وعهوده الزاهرة، أيام كنت لا أحفل بنكباء ولا رمضاء، ولا أبالي أن أبكر في صبيحة كل يوم تبكير الغراب إلى قمم الجبال وشواطئ الأنهار عاري الرأس حافي القدم، أمرح وألعب، وأتأثر طرائد الصيد في مسارحها وملاعبها، فأصبحت ولم يبق لي من تلك الذكريات إلا وقوفي في هذه الضاحية تحت هذه الشمس المشرقة أنسج من خيوطها البيضاء كساء أتقي به هذه الرعدة، وأمتع نظري برؤية الفتيات الصغيرات صواحب ماجدولين وهن يلعبن معها فوق تلك الهضبة الثلجية.
وهنا وجد «استيفن» مكان القول ذا سعة فقال: إن ماجدولين لم تنزل اليوم كعادتها فلعلها بخير، قال: نعم، هي بخير ولكن ضيفا من أقربائنا نزل بنا أمس فلم أر بدا من أن أكل إليها أمره والعناية به، فتركتهما وذهبت لشأني، وإن كنت أعلم أن ماجدولين ليس في استطاعتها الصبر على النزول إلى الحديقة، ولا يقنعها من الشمس تلك الخيوط البيضاء التي تنحدر إليها من نافذة غرفتها، ثم ذهبا في الحديث بعد ذلك مذاهب مختلفة، وإنهما لكذلك إذ فتح باب المنزل، وإذا ماجدولين وأرشميد مقبلان، يحدثها فتهلل، وتحدثه فيبتسم، وكأن منظرهما منظر عاشقين يتغازلان، لا قريبين يتسامران، فخيل لاستيفن أن هذا المشهد الذي يشهده غير مستحسن ولا مستعذب، ثم اقتربا منه، فصدف عنهما يتلهى بالنظر إلى بعض الزهرات، وود لو وجد السبيل إلى الهرب منهما لولا أنهما اعترضا طريقه، فسلما عليه، فرد ردا فاترا، ثم تركهما مكانهما وانحدر إلى خميلة من الخمائل، فما خطا فيها بعض خطوات حتى سمع الفتى يغرب في الضحك، فما شك أنهما في شأنه، وأنه قد أصبح موضع هزئهما وسخريتهما، وأنهما ما ضحكا إلا للعبث به والزراية عليه، فأحس في قلبه بدبيب البغض لذلك الفتى، وود بجدع الأنف لو وجد السبيل إلى منازلته في ميدان خصام يضربه فيه ضربة تهشم أنفه وتخضب الذي فيه عيناه ليقنعه أنه ليس سخرية الساخر، ولا أضحوكة الضاحك.
ثم عاد إلى نفسه يسائلها عن السبب في انقباضه ووحشته، وعن تلك الحال الغريبة التي ألمت بفؤاده منذ الساعة ويقول: ما لي ولهذا الفتى؟ وبأي حق أحمل له بين جنبي ما أحمل من الضغنة والموجدة؟ فما أنا بعاشق للفتاة فأغار منه عليها، ولا هو بمزاحم لي على هوى فأبغضه فيه!
ولم يزل يسائل نفسه أمثال هذه الأسئلة فلا تجيبه، ويراجع عقله فلا يهديه، حتى عرف أنه لا يسمع خارج الخميلة صوتا، فبرز من مكمنه فلم ير أمامه أحدا، فخرج من الحديقة هائما على وجهه بين الغابات والأحراش حتى أدبر النهار، فعاد إلى المنزل وصعد إلى غرفته، وإنه ليمر أمام باب غرفة ماجدولين؛ إذ سمع صوت حديث، فذكر ما كان قد نسيه، وعلم أنها تسمر مع قريبها أرشميد، وأنه لا بد أن يكون سعيدا بهذا الحديث وهذه الخلوة، فنفس عليه ذلك، ولا ينفس الإنسان على صاحبه شيئا يكون في نظره حقيرا، فتريث في مشيته قليلا حتى علم أنه إن دنا من باب الغرفة لا يشعران بموقفه، فدنا منها وأنشأ يتسمع حديثهما، فلم يفهم كلمة مما يقولان، ثم انقطعا عن الحديث.
وأنشأت ماجدولين تغني غناء شجيا قد كان يكون عذبا لذيذا في نفس استيفن لولا أن أذنا أخرى غير أذنه تزاحمه على سماعه، ثم انقطع الغناء أيضا فسمع خفق نعال تتقدم نحو الباب، فابتعد عن مكانه حتى خرج الفتى وخرجت ماجدولين وراءه تشيعه في غلالة رقيقة بيضاء لا تلبسها الفتاة إلا بين يدي عشيقها أو من لا تحتشمه من ذوي قرباها، فرأى في وجهها صورة جديدة غير التي كان يراها من قبل، وأحس في نفسه بشيء غير الذي كان يحس به عند رؤيتها، ثم عادت إلى الغرفة وأغلقت الباب وراءها، فعاد إلى موقفه الأول، وما زال راكعا أمام بابها حتى مشت جذوة النهار في فحمة الليل، فصعد إلى غرفته وقد علم أن الذي قام بنفسه منذ اليوم ليس الهذيان ولا الجنون، ولا الوسواس ولا حرارة الحمى كما كان يظن، وإنما هو الحب!
دخل «مولر» على ابنته ذات يوم فقال: يا بنية، إني دعوت اليوم جارنا الذي يسكن في الغرفة العليا من منزلنا إلى العشاء عندنا في الساعة السابعة، فأعدي له الطعام، واعلمي أنك ستغنين في هذه الليلة، فقد وعدته بذلك، وقد لقيت من كرم هذا الفتى وعلو همته، وشدة عارضته، وكثرة ذكائه، وسعة علمه بالنبات، وطبائعه، ما حببه إلي، وأنزله من نفسي المنزلة العليا، ولا بد أن أتخذه صديقا، وأن تكون تلك الدعوة فاتحة تلك الصداقة، ثم تركها وخرج إلى الحديقة، وظل مشتغلا بشأنه فيها حتى مالت الشمس إلى مغربها، فعاد إلى المنزل وجلس إلى نافذة غرفته المطلة على الحديقة ينتظر ضيفه، وإنه لكذلك إذ رآه خارجا من باب الحديقة يعدو عدوا شديدا وفي يده رسالة مفضوضة، فهتف بابنته يقول: يا ماجدولين! ما أحسب إلا أن جارنا قد حيل بينه وبين الوفاء بوعده، فقد رأيته الساعة خارجا يعدو من باب الحديقة، ثم رأيته قد سلك تلك الطريق التي لا ينتهي فيها السائر إلى غرض إلا بعد سفر عشرة أميال، فقالت: لا بد أن يكون قد عرض له شأن ما كان يقدره في نفسه، فلا بد أن ننتظره حتى يعود، ثم جلسا صامتين، هذا يدخن لفافته، وتلك تخيط ثوبها، حتى علما أنه لن يعود، فقاما إلى العشاء ثم إلى المنام.
جلس «مولر» إلى ابنته، فنظر نظرة في النجوم وقال: ما أحسب إلا أن السماء ستمطرنا في هذه الليلة مطرا غزيرا يبلل هذه التربة الظامئة، ويملأ هذه البقاع الجرداء، فما أجمل الربيع وما أجمل غيوثه المنهلة، وما أجمل أرضه بعد أن يكسوها الغمام من نسج يده تلك الغلائل الخضراء! فقالت ماجدولين: لا تنس يا أبت أن كثيرا من ضعفاء السابلة وطرائد الليل يعانون في مثل هذه الليلة الماطرة من تدفق الغيوث فوق رءوسهم، واعتراض الوحول في طريقهم، وبعد الشقة عليهم ما لا طاقة لهم باحتماله، فوا رحمتاه لهم إن الشقاء كامن لهم في كل شيء حتى في الشئون التي يسعد بها غيرهم، فاكتأب «مولر» وقال: نعم يا ماجدولين، إنهم أشقياء بؤساء ولا بد أن يكون «استيفن» واحدا منهم، فقد مر الهزيع الأول من الليل ولم يعد إلى المنزل حتى الساعة بعد ما قضى ليلة أمس خارجه.
أخذت هذه الكلمة مكانها من نفس ماجدولين، فأطرقت برأسها تقلب صحائف كتابها ولا تقرأ منه شيئا، وإنهما لكذلك إذ طارق يخفق الباب خفقا ضعيفا، فاضطربت ماجدولين ودهش «مولر» وقامت «جنفياف» إلى الباب ففتحته، فإذا «استيفن» ماثل بعتبته، فاستأذن ودخل وهو يقول: عفوا يا سيدي إن كنت ترى أنني لم أف لك بوعدي، فقد أرسل إلي أخي كتابا يدعوني فيه إلى مقابلته على الحدود لتوديعه قبل سفره إلى الحرب، فأعجلني كتابه عن كل شيء حتى عن الاعتذار إليك، فمشيت إليه عشرة أميال لا أتريث ولا أتئد حتى بلغته، فودعته وداعا بين السرور له والحزن عليه، أما السرور فلأني رأيته فرحا مغتبطا برحلته يغني أنشودة الحرب مرة، ويلاعب جواده أخرى، ويمشي مشية الخيلاء بين ريش قبعته وحمائل سيفه، وأما الحزن فلأني أخاف أني يسبقني القدر إليه فيحول بيني وبينه، فأصبح في هذه الحياة غريبا منفردا، لا أجد بين هذه القلوب الخافقة حولي قلبا يحزن لحزني، ولا بين هذه العيون الناظرة إلي عينا تبكي لبكائي، وهنا ذرفت من عينه دمعة كادت تبكي لها ماجدولين، ولكنها لم تفعل ذلك حياء وخجلا، وألقت عليه نظرة عطف ورحمة من حيث لا يشعر، حتى إذا التفت إليها استردت نظرتها وألقتها على صفحة كتابها فقال له «مولر»: لا تجزع يا بني، فالله أرحم بك من أخيك وأرحم بأخيك من نفسك.