Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
على مدار مسيرته المهنية الناجحة في منصب وزير الداخلية، أجرى السيد الرفيع المقام توبام فينسون الكثير من الإصلاحات ونال نصيبه من المدح والقدح على ذلك؛ شأنه شأن بقية المصلحين. وانتهج طرائق تخالف طرائق الوزراء الدائمين؛ وبينما جعلته شجاعته البالغة محبوبا لدى الشباب، كان ذا شخصية قوية جدا ومؤثرة أثارت ردود فعل قوية لدى كل من حلفائه وخصومه، ولم تترك مجالا للفتور تجاهه. اتصف بازدرائه الدائم للتقاليد؛ ما أثار حفيظة كلا الحزبين على حد سواء، إلى جانب أن ذلك قاده إلى العديد من المغامرات الشخصية التي كانت مثل النفس الذي لا يستغني عنه الوزير العنيد، غير أنها كلما خرجت إلى العلن كانت تعرضه لنقد شبه جماعي. ولحسن حظه أن غالبية تصرفاته الطائشة لم يكشف الغطاء عنها في أثناء تقلده هو وأفراد حكومته مناصبهم؛ إذ كان في أقصى حالاته غير التقليدية أثناء تنفيذه تكتيكاته المبتكرة التي ترتكز عليها شهرته، أو حينما يكون بصحبة ذلك الرجل ذي الروح المشابهة له في الميول والتفكير، والذي كان له دور كبير في إنشاء هذه التكتيكات في الأساس.
كان فصل الخريف في أوله عندما تعارف هذان الرفيقان الاستثنائيان. وامتاز الطقس باعتداله في تلك الليلة؛ وهو ما أغرى السيد فينسون بالعودة من وستمنستر إلى ميدان بورتمان سائرا على قدميه. وما إن بلغ عتبة بابه حتى سمع أحدا يهتف باسمه من مسافة غير بعيدة. كان الصوت أجش يفيض إثارة خفف التحفظ حدتها؛ إذ كانت الساعة منتصف الليل والهدوء يسود الميدان؛ فدار السيد فينسون على عقبيه ليجد شابا يركض نحوه، عابرا الطريق، وتتدلى من يده الممدودة سلسلة ذهبية.
قال الشاب لاهثا: «ساعتك، يا سيدي، ساعتك!» وأظهر ساعة جيب بغطاء، بصلية الشكل، في أحد جانبيها حروف منقوشة، وفي الجانب الآخر شارة عائلة فينسون.
هتف وزير الداخلية، وهو يتحسس جيب صدريته الفارغ قبل أن يصدق ما تراه عيناه: «يا إلهي! أين عثرت عليها بحق السماء؟ كنت أضعها في جيبي عندما غادرت مبنى الوزارة.»
أجاب الرجل الشاب فيما يتروح بقبعة الأوبرا الخاصة به كالمروحة: «لم أعثر عليها. لقد أخذتها للتو ممن سرقها منك.»
سأل وزير الداخلية بإثارة لا تناسب رجلا سياسيا: «من؟ أين؟»
أجاب الشاب: «شقي مسكين، في شارع نورث أودلي، حسبما أظن.»
قال فينسون بانفعال: «هذا صحيح! لقد اعترض طريقي هناك، عند منعطف ميدان جروسفينور تحديدا. وقد أخذتني الشفقة بذلك الوغد وأعطيته نصف كراون!»
رد الشاب: «على الأرجح سرق ساعتك بينما كنت تتفقد محفظتك.»
وربت الشاب على جبهته الجذابة، التي التمعت في الضوء المنبعث من فتحة الباب، بمنديل حريري أبيض، أخرجه لتوه من جيبه.
سأل فينسون وهو يفحص الشاب من رأسه إلى أخمص قدميه: «لكن أين كنت أنت؟»
أجاب: «كنت قد أتيت توا إلى الميدان. آنذاك كنت أنت قد غادرت المكان. ووجدت النشال يتفقد غنيمته فيما يودعك بمباركاته.»
سأل السيد: «وأين هو الآن؟ هل سمحت له بالإفلات من قبضتك؟»
رد الشاب: «يخجلني أن أقول إنه أفلت من قبضتي؛ لكن دون أن يهرب بساعتك!» بذلك ذكر مالكها بحماسة زائدة. أضاف: «استطعت أن أخمن هوية مالك هذه الساعة من الشارة والأحرف الأولى المنقوشة، وقررت التحقق من ذلك بدلا من ملاحقة اللص.»
أعرب وزير الداخلية عن امتنانه لما فعله الشاب، في استحسان جاء متأخرا، وقال: «أحسنت صنعا. الصحف تأتي على ذكري كثيرا بحكم منصبي، ولا داعي لأن تظهرني أيضا بمظهر ساذج خارج أوقات العمل. تعال وادخل، من فضلك، ودعني أكرمك حسبما يسمح هذا الوقت المتأخر من الليل.»
أمسك السيد فينسون بالشاب الذي أعاد إليه ساعته من ذراعه، وأرشده إلى ردهة داخلية أنيقة؛ حيث انتظرتهما مرطبات ووجبة خفيفة معدة بعناية على طاولة جانبية، وبدت نيران المدفأة المتوهجة مغرية مثل المقاعد المريحة القابعة بجوارها. وكانت زجاجة وكوب كبير من شامبانيا عالية الجودة موضوعين جانبا بالإضافة إلى المحار والكافيار؛ وبعد أن شرح السيد فينسون لمضيفه بأنه لم يسمح مطلقا لأي أحد بأن يجلس مستيقظا في انتظاره إلى وقت متأخر من الليل، فتح الزجاجة بيد متمرسة، وقاد عملية الانقضاض على الطعام والشراب بحماسة صبي صغير ومزاج رائق.
في الوقت نفسه كان السيد وضيفه قد انهمكا في دراسة أحدهما الآخر. تبين أن الوزير— الذي كانت شخصيته المفعمة بالقوة مادة مناسبة لأقلام رسامي الكاريكاتير المعاصرين الحذرين — كان مثلما قدمته الرسوم المتحركة المعاصرة تماما؛ ولم يكن هناك شيء غير متوقع في شخصيته؛ لأن حيويته الصبيانية كانت صفة أفرطت الصحافة في استغلالها. كما اتسم بصراحة شديدة، تخففها نظرة طويلة عادة ما تكون ثاقبة، لكنها لا تخفي صراحته تماما، وكان بوسعه تعديل طريقته في الحديث لتكون بلهجة رسمية رنانة أو عفوية عامية حسب الحاجة. لكن ما أدهش ضيفه هو منزله لا شخصيته. فقد جمع منزله بين الفخامة والذوق الرفيع في مزيج مثالي غير مألوف بالمرة ممن يجاهرون بانغماسهم في الملذات ولم ينالوا من ذلك سوى ادعائهم فحسب؛ فهذه الصفة في الرجال العمليين والسياسيين المنضالين لهي علامة أخرى على ما يتمتعون به من طاقات هائلة. وربما كانت قطع الأثاث القديمة الثمينة، وزجاجة الشامبانيا القديمة المتلألئة من كل الزوايا، والأواني النحاسية التي تلمع في ضوء المدفأة، والنقوش القليلة والدقيقة في جدارية موريس ستنال استحسان طالب في كلية الفنون، وربما كانت وسائل الراحة ستحوز رضا فتى مدلل حديث العهد بالرفاهية.
أشبعت هذه المظاهر رضا الشاب الغريب من كل النواحي؛ لكنه بدا داخل منزل السيد فينسون أكبر سنا مما أوحى به مظهره. كان قد نزع معطفه الطويل فيما كان مضيفه يفتح زجاجة الشامبانيا، وأبرزت حلته المسائية نحافة في الجسد والأطراف لرجل في منتصف العمر. أما شعره الداكن المجعد فكان الشيب قد بدأ يزحف إليه عند الصدغين؛ وعلت إحدى أذنيه منطقة دائرية صغيرة من الشعر الفضي تشبه عملة فلورين جديدة. كان وجهه الحليق شاحبا ومتلهفا وجادا. واتقدت عيناه الداكنتان كشعلتين تحت حاجبيه الكثين، ولم يؤثر في تميزهما أو حدتهما حول لا تخطئه العين رغم ضآلته. هكذا على الأقل بدا لتوبام فينسون، الذي كان يتميز حقا بقدرة رائعة على الحكم على الوجوه، لكنه نادرا ما رأى وجها أصعب في قراءته من هذا الوجه.
قال، فيما يقطع طرف السيجار الذي كان عبثا قد أشاد بنوعه الفاخر: «من المؤسف أنك لا تدخن. وزجاجة الشامبانيا تلك أيضا! لم تلمسها، ولو كنت مكانك ما تركتها.»
حينها هب الشاب واقفا. وقال بانفعال: «لا أدخن أبدا، ولا أعاقر الخمر إلا فيما ندر؛ لكني أمام ضيافتك السخية هذه لا يسعني إلا أن أكون صادقا معك يا سيد فينسون كما لم أكن من قبل. لم أفقد أثر النشال عن طريق الخطأ أو لأنه يفوقني سرعة. بل أنا … أنا من صرفته عن عمد.»
استرخى السيد فينسون في مقعده المريح للغاية، بابتسامة على محياه، غير أن عينيه لم تتخليا عن حذرهما. كانتا صارمتين على عادة قومه، لكنهما تتقدان بذكاء شديد، بما يتناسب مع وضعه كزعيم جماعته الفكرية وأهم عضو فيها.
سأل السيد بنبرة تخمينية: «هل اختلق صديقنا قصة مأساوية ليفلت من قبضتك؟» وأقر أنه لم ير رجلا بائسا لهذه الدرجة من قبل.
أجاب الشاب: «لا يا سيد فينسون. كنت سأسمح له بالذهاب إلى حال سبيله على أي حال، بعدما أسترد ما سرقه، تماشيا مع مبادئي.»
هتف وزير الداخلية: «مبادئك!» لكنه لم يتخل عن رباطة جأشه السياسية؛ وإنما اكتفى برفع حاجبيه كما كانت عادته المعروفة.
واصل ضيفه بنبرة أكثر صراحة: «كل ما في الأمر أن لدي آرائي الخاصة فيما يتعلق بالجريمة والعقاب، إن أذنت لي أن أشرحها، ولو على سبيل الإيجاز، فقد تجد فيها مسوغا لتصرفي على الأقل. وإن وجدت سلوكي غير مسوغ بالمرة، وإن كنت قد وضعت نفسي تحت طائلة القانون، فها هي ذي هويتي يا سيدي؛ وها أنا ذا أمامك على استعداد لأتحمل عواقب ما فعلته.»
انحنى وزير الداخلية إلى الأمام وتناول البطاقة من اليد الممدودة الحساسة، القوية كالصوت الذي كان يستمع إليه للتو، ولكنها خلت هي وصوته من أي توتر. مرة أخرى رفع عينيه وتطلع في الوجه الذي ازداد شحوبا فوق شحوبه والعينين الداكنتين المتأججتين من حماستهما المكبوتة. لم تكن حماسة متولدة من رحم المعاناة؛ بل بدا للسيد فينسون أن أمامه صنفا جديدا لمتعصب غريب الأطوار؛ لذا حمل نفسه حملا على المحافظة على أسلوبه الدبلوماسي وابتسامته.
قال: «حسبما أرى، أيها الطبيب دولار، فإنك أحد جيراني، وتسكن على بعد مسافة قريبة في شارع ويلبيك. هل لي أن أعتبر أن خبرتك بصفتك طبيبا استشاريا هي منشأ الآراء التي ذكرتها؟»
رد الطبيب دولار: «لا، من خبرتي كطبيب نفسي، إذا أمكنني أن أعطي نفسي هذا اللقب، على سبيل التجوز.»
سأل السيد فينسون: «إلى أي مدى يمكن أن تصدق مقولتك أيها الطبيب؟»
أجاب الطبيب: «من منطلق أن كل الجرائم ما هي إلا شكل من أشكال الجنون.»