Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
لم يكن الأب براون في حالة مزاجية ملائمة لخوض مغامرات جديدة؛ إذ كان يمر بوعكة صحية مؤخرا بسبب إرهاق العمل الزائد، وحين بدأ يتعافى، اصطحبه صديقه فلامبو في رحلة بحرية على متن يخت صغير مع السير سيسيل فانشو، الذي كان إقطاعيا كورنيا شابا، وأحد أشد المعجبين بالمناظر الطبيعية في ساحل مقاطعة كورنوال. لكن براون كان لا يزال واهنا نوعا ما؛ فهو لم يكن من محبي الرحلات البحرية. ومع أنه لم يكن من النوع الذي يتذمر أو ينفعل قط، لم تتح له حالته المزاجية سوى الصبر والكياسة والملاطفة؛ فحين أبدى الرجلان الآخران إعجابهما بمنظر غروب الشمس البنفسجي المترامي الأطراف أو الصخور البركانية المثلمة، اتفق معهما. وحين أشار فلامبو إلى صخرة قائلا: إنها تشبه التنين. نظر إليها وأكد أنها تشبه التنين جدا. وعندما أشار فانشو بحماس أكبر إلى صخرة أخرى قائلا: إنها تشبه الساحر ميرلين. نظر إليها براون وأشار بالموافقة. وحين تساءل فلامبو عما إذا كان هذا المدخل الصخري للنهر الملتوي هو مدخل أرض الجنيات، قال براون: «نعم.» كان يسمع أهم الأشياء وأتفهها بالإدراك الفاتر نفسه، فسمع أن الساحل مقبرة للجميع باستثناء البحارة الحذرين، وأن قطة السفينة نائمة، وأن فانشو لا يستطيع العثور على حامل سيجاره في أي مكان، وسمع الربان وهو يردد نبوءة الأوراكل: «ما دامت العينان يلمع فيهما الضوء، فأنت على الدرب الصحيح، أما إن غاب الضوء عن إحداهما برهة، فإلى الغرق سيكون مصيرك.» وسمع فلامبو يشرح لفانشو أن هذه المقولة تعني بالتأكيد أن الربان يجب أن يظل منتبها ومتيقظا، ثم سمع فانشو يقول لفلامبو: إن المقولة، وللغرابة الشديدة، لا تعني ذلك، بل تعني أنهم يبحرون في المسار الصحيح ما داموا يرون ضوءين من أضواء الساحل؛ أحدهما قريب والآخر بعيد، جنبا إلى جنب بالضبط، أما إذا اختفى أحدهما خلف الآخر، فهذا يعني أنهم سيصطدمون بالصخور. وسمع فانشو يضيف أن بلاده كانت مليئة بمثل هذه الأساطير والأمثال العجيبة، وأنها الموطن الأصلي للرومانسية، وأنه حرض ذلك الجزء من مقاطعة كورنوال على مقاطعة ديفونشير، بدعوى أنهم أصحاب أمجاد البحرية الإليزابيثية. وحسبما قاله فانشو، كان هناك ربابنة بين هذه الخلجان والجزر الصغيرة لم يكن فرانسيس دريك يفقه شيئا عن الإبحار مقارنة بهم. وسمع فلامبو يتساءل ضاحكا عما إذا كان اسم «ويستوارد هو!» (وتعني «إلى الغرب!») الذي تحمله قرية في ديفونشير يعني أن جميع سكان ديفونشير يتمنون العيش في كورنوال. وسمع فانشو يطلب من فلامبو الكف عن السخرية، وأن المآثر البطولية لربابنة كورنوال لا تقتصر على الماضي، بل تمتد إلى الحاضر كذلك؛ وأنه بالقرب من هذه المنطقة نفسها، كان هناك أدميرال سابق، أصبح متقاعدا الآن، أصيب بندوب من جراء خوض رحلات بحرية مثيرة مليئة بالمغامرات، وهو من اكتشف، في شبابه، آخر مجموعة من جزر المحيط الهادئ الثمانية أضيفت إلى خريطة العالم. كان سيسيل فانشو، على المستوى الشخصي، من ذلك النوع الذي عادة ما يستحث ذلك الحماس الممتع رغم سذاجته؛ كان شابا صغيرا أشقر ذا وجه متورد وملامح حماسية مندفعة ولديه روح صبيانية تتظاهر بالجرأة، ولكن برهافة شبه أنثوية طباعا وشكلا؛ فيما كان فلامبو ذو الكتفين العريضتين والحاجبين الأسودين وخيلاء الفرسان الفرنسيين وهم على صهوة خيولهم السوداء على النقيض من ذلك تماما.
سمع براون كل هذه التفاهات ورآها، لكنه سمعها كرجل متوعك ينصت إلى نغمة رتيبة في صوت عجلات القطارات، أو رآها كرجل مريض يتفحص النقش المطبوع على ورق الحائط في منزله. لا يمكن لأحد أن يحسب عدد التغيرات المزاجية في فترة النقاهة، ولكن لا شك في أن اكتئاب الأب براون كان له علاقة كبيرة بعدم اعتياده الرحلات البحرية؛ فحين ضاق مصب النهر مثل عنق زجاجة، وأصبحت حركة المياه أهدأ وصار الهواء أدفأ وأشبه بهواء البر، بدا أن براون بدأ يستفيق وينتبه كطفل رضيع. وقد وصلوا إلى هذه المرحلة بعد غروب الشمس مباشرة، حين بدا الماء والسماء ساطعين، بينما كانت الأرض بجميع نباتاتها وأشجارها النامية تبدو شبه معتمة. ولكن كان ثمة شيء استثنائي في هذا المساء بالذات؛ إذ شهد واحدا من تلك الأجواء النادرة التي يبدو فيها أن لوحا من الزجاج المعتم ينزلق حائلا بيننا وبين الطبيعة، لدرجة أن الألوان الداكنة نفسها في ذلك اليوم بدت أجمل من الألوان الفاتحة في الأيام الأشد غيما. ولم تكن الأرض المنهرسة لضفتي النهر ولا التربة الخثية في برك المياه تبدو رمادية باهتة بل بنية محمرة زاهية، ولم تكن غصون الأشجار الداكنة التي تتمايل مع هبات النسيم تبدو زرقاء باهتة من بعيد كالمعتاد، بل كانت أشبه بمجموعات من زهور البنفسج الزاهية تتراقص مع الرياح. ويبدو أن شيئا ما رومانسيا، بل وسريا، في شكل الطبيعة نفسه، قد فرض هذا الوضوح وهذه الشدة الساحرين الكامنين في الألوان فرضا على حواس براون التي كانت تسترد عافيتها ببطء.
كان النهر لا يزال واسعا وعميقا بما يكفي لاستيعاب قارب ترفيهي صغير مثل قاربهم، لكن منحنيات ضفتيه الريفيتين كانت تشير إلى أن إحداهما تقترب من الأخرى، فيما بدا أن الأشجار تبذل محاولات خاطفة ومنقوصة لبناء جسر فوق النهر، وبدا القارب كما لو كان ينتقل من الأجواء الرومانسية لواد، إلى نظيرتها في غور، ثم إلى نظيرتها الأكثر بروزا في نفق. أما فيما وراء هذه المناظر البسيطة، فلم يكن ثمة الكثير ليتغذى عليه خيال براون الذي كان في سبيله إلى التعافي؛ إذ لم ير أي إنسان، باستثناء بعض الغجر المتسكعين على ضفة النهر حاملين حزما من الحطب وأغصان صفصاف السلال التي قطعوها من أشجار الغابة، ومشهدا آخر لم يعد غريبا، لكنه ما زال غير مألوف في مثل هذه الأماكن النائية؛ سيدة مكشوفة الرأس ذات شعر داكن تجدف في زورقها. لو أن الأب براون قد أعطى أيا من هذين المشهدين أهمية من قبل، فمن المؤكد أنه قد نسيهما في المنعطف التالي من النهر الذي قاده إلى رؤية شيء فريد من نوعه.
بدا أن عرض النهر يزداد، وينقسم إلى مسارين عند وتد بري داكن متفرع من جزيرة صغيرة مليئة بالأشجار على شكل سمكة. وفي ظل السرعة التي كانوا يبحرون بها، بدت الجزيرة وكأنها تسبح نحوهم كسفينة؛ سفينة ذات مقدمة شاهقة، أو بالأحرى مدخنة شاهقة؛ فعند أعلى وأقرب نقطة لهم، كان ثمة مبنى غريب الشكل مختلف عن أي شيء استطاعوا تذكره أو ربطه بأي غرض. لم يكن المبنى مرتفعا في حد ذاته، لكنه كان مرتفعا أكثر من اللازم بالنسبة إلى عرضه، لدرجة أنه لم يكن من الممكن أن يوصف بخلاف أنه برج. ومع ذلك، كان يبدو مبنيا بالكامل من الخشب بطريقة غير منتظمة وغير متجانسة على الإطلاق؛ فقد كانت بعض الألواح والعوارض مصنوعة من أخشاب شجر البلوط المجففة الجيدة، بدا بعضها مقطوعا من الأشجار مؤخرا دون تشذيب، وكان بعضها من خشب الصنوبر الأبيض، بينما كانت ثمة كمية كبيرة من أخشاب من النوع نفسه مطلية بالقطران الأسود. كانت هذه العوارض السوداء منصوبة بوضعيات ملتوية أو متقاطعة بزوايا مختلفة، مما أضفى على المبنى كله شكلا غير متجانس ومحيرا للغاية. وكانت هناك نافذة، أو اثنتان، بدت ملونة ومعشقة بقضبان الرصاص على طراز قديم لكنه أكثر تعقيدا. نظر المسافرون إلى المبنى بذلك الشعور المتناقض الذي ينتابنا حين يذكرنا شيء ما بشيء آخر، لكننا على يقين من أنه شيء مختلف تماما.
كان الأب براون، حتى حين يكون متحيرا، ذكيا في تحليل حيرته. ووجد نفسه يفكر في أن عنصر الغرابة الأساسي يكمن في وجود شكل معين مصنوع من مادة غير متجانسة مع بقية المواد المحيطة بها، كما لو أنك ترى أمامك قبعة رسمية مصنوعة من الصفيح، أو معطفا رسميا مصنوعا من صوف الطرطان. كان متيقنا من أنه رأى أخشابا ذات ألوان مختلفة مرتبة بهذه الطريقة في مكان ما، ولكن ليس بمثل تلك النسب المعمارية على الإطلاق. وبعد ذلك بلحظة واحدة، أخبرته نظرة خاطفة عبر الأشجار الداكنة بكل ما أراد معرفته، ما جعله يضحك؛ فمن خلال فجوة بين أوراق الأشجار، ظهر لبرهة واحد من تلك المنازل الخشبية القديمة المكسوة بعوارض سوداء، والتي ما زالت موجودة في بعض الأماكن في إنجلترا؛ لكن معظمنا لا يرى إلا نماذج محاكية لها في بعض المعارض مثل معرض «لندن القديمة» أو معرض «إنجلترا في عصر شكسبير». وقد ظل المنزل في مرمى البصر طويلا، ما أتاح للقس أن يرى أنه منزل ريفي مريح ومعتنى به جيدا، مع أنه ذو طراز قديم، وأمامه حديقة بها أحواض زهور. لم تبد عليه أي من ملامح المنظر المرقط الجنوني للبرج، الذي بدا مصنوعا من نفاياته.
قال فلامبو الذي كان لا يزال يحدق في البرج: «ما هذا بحق السماء؟»
حينئذ، لمعت عينا فانشو وقال بنبرة انتصار: «أها! أظن أنك لم تر مكانا كهذا من قبل؛ لذا أحضرتك إلى هنا يا صديقي. الآن ستكتشف بنفسك ما إذا كنت أبالغ في كلامي عن بحارة كورنوال. إن هذا المكان تعود ملكيته إلى بحار قديم من آل بندراجون، نسميه الأدميرال، مع أنه تقاعد قبل الحصول على هذه الرتبة. إن روح والتر رالي وجون هوكينز تمثل ذكرى لدى أهل ديفونشير، لكنها حقيقة معاصرة حية بين آل بندراجون. لو بعثت الملكة إليزابيث من قبرها وخاضت رحلة في هذا النهر على متن سفينة مطلية بالذهب، لاستضافها الأدميرال في منزل مماثل تماما للمنازل التي اعتادتها، في كل ركن وكل نافذة، وكل لوحة معلقة على الحائط أو كل طبق موضوع على الطاولة. ولوجدت ربانا إنجليزيا لا يزال يتحدث بحماس شديد عن أراض جديدة يمكن اكتشافها عبر رحلات على متن سفن صغيرة، كما لو كانت تتناول العشاء مع فرانسيس دريك.»
قال الأب براون: «ولوجدت شيئا غريبا في الحديقة ما كان ليسر عينيها اللتين اعتادتا مشاهد عصر النهضة. صحيح أن العمارة المحلية على الطراز الإليزابيثي لها جاذبيتها الخاصة، لكن انتشار الأبراج على هذا النحو مناف لطبيعتها تماما.»
رد فانشو: «ومع ذلك، فهذا المبنى هو الجزء الأكثر رومانسية والأكثر صلة بالطراز الإليزابيثي في القصة كلها. لقد شيده آل بندراجون في أيام الحروب الإنجليزية الإسبانية، ومع أنه كان بحاجة إلى الترميم أو إعادة البناء لسبب آخر، كان دائما ما يعاد بناؤه بالطريقة القديمة. تقول القصة إن زوجة السير بيتر بندراجون شيدته في هذا المكان وبهذا الارتفاع؛ لأن المرء يمكن أن يرى من قمته الزاوية التي تنعطف فيها السفن إلى مصب النهر، وكانت تريد أن تكون أول من يرى سفينة زوجها، وهو عائد إلى دياره من البر الرئيسي الإسباني.»
سأله الأب براون: «وماذا تقصد بالسبب الآخر الذي كان يحتاج إلى إعادة البناء من أجله؟»
قال الإقطاعي الشاب بتلذذ: «أوه، ثمة قصة غريبة بشأن هذا أيضا. أنت حقا في أرض مليئة بالقصص الغريبة؛ فكما كان الملك آرثر هنا، ومن قبله ميرلين والجنيات، تقول القصة إن السير بيتر بندراجون، الذي (وللأسف) ارتكب بعض أخطاء القراصنة مثلما كان يتمتع بفضائل البحارة، كان عائدا إلى الوطن ومعه ثلاثة أسرى إسبان مأسورين أسرا شريفا، وكان يعتزم مرافقتهم إلى بلاط قصر إليزابيث. لكنه كان رجلا ذا مزاج شرس سريع الغضب، ودخل في مشادة لفظية حامية مع أحد الأسرى، فأمسكه من حلقه وألقى به، سواء عن قصد أو غير قصد، في البحر. وسرعان ما استل الإسباني الثاني، الذي كان شقيق الأول، سيفه وهجم على بندراجون، وبعد قتال قصير، لكنه محتدم، أصيب فيه كل منهما بثلاثة جروح في دقائق معدودة، غرس بندراجون نصل سيفه في جسد الإسباني، فأرداه قتيلا. وفي أثناء ذلك، كانت السفينة قد انعطفت بالفعل داخل مصب النهر، وكانت قريبة من مياه ضحلة نسبيا، فقفز الإسباني الثالث من فوق جانب السفينة، ثم اتجه نحو الشاطئ وسرعان ما اقترب منه لدرجة أن مستوى الماء أصبح في مستوى خصره وهو واقف على قدميه. التفت مرة أخرى إلى السفينة، ورفع ذراعيه نحو السماء — كنبي يدعو ربه بإنزال الهلاك على بلدة فاسدة — وصاح مناديا بندراجون بصوت ثاقب مرعب ليخبره بأنه ما زال على قيد الحياة الآن على الأقل، وأنه سيظل حيا الآن وإلى الأبد، وأن الأجيال المتعاقبة من آل بندراجون لن يروه ولن يروا أي شيء أو شخص مرتبط به، لكنهم سيعرفون من علامات مؤكدة للغاية أنه ما زال حيا وأن انتقامه سيظل يطاردهم، ثم غاص تحت الأمواج، فإما غرق وإما ظل يسبح تحت الماء لفترة طويلة جدا لدرجة أن شعر رأسه لم ير بعد ذلك.»
قال فلامبو في سياق آخر غير متصل بحديثهما؛ إذ كانت الفتيات الفاتنات دائما ما يشتتن انتباهه عن أي موضوع: «انظرا إلى تلك الفتاة في الزورق مرة أخرى. يبدو أنها منزعجة من هذا البرج الغريب مثلنا تماما.»
كانت الشابة ذات الشعر الأسود بالفعل تترك زورقها يطفو ببطء وفي صمت بجوار الجزيرة الغريبة، وكانت تنظر بتمعن إلى البرج الغريب، بينما ظهرت لمعة فضول قوية على وجهها البيضاوي ذي السمرة الخفيفة.
قال فانشو بنفاد صبر: «لا تهتم بالفتيات أبدا؛ فما أكثرهن في الدنيا، ولكن لا يوجد الكثير من أمثال برج بندراجون.» ثم استأنف قصته قائلا: «ومثلما قد تتصور ببساطة، ظهرت الكثير من الخرافات والفضائح في أعقاب لعنة الإسباني، وكما ستعتقد، أصبح أي حادث يصيب هذه العائلة الكورنية ينسب إلى تلك اللعنة بلا شك بسبب سذاجة القرويين. لكن الشيء الصحيح تماما أن هذا البرج أحرق مرتين أو ثلاثا، ولا يمكن وصف العائلة بأنها محظوظة؛ وذلك لأن أكثر من اثنين، على ما أظن، من أقرب أقرباء الأدميرال لقوا حتفهم في حادثي تحطم بين سفينتين، وأحدهما على الأقل غرق في المكان نفسه تقريبا الذي ألقى فيه السير بيتر الرجل الإسباني الأول في البحر، على حد علمي.»
صاح فلامبو بحسرة: «وا أسفاه! إنها راحلة.»
أما الأب براون، فسأل فانشو: «ومتى أخبرك صديقك الأدميرال بتاريخ هذه العائلة؟» وفي تلك الأثناء كانت الفتاة في الزورق تجدف مبتعدة عن الجزيرة دون إظهار أدنى نية لنقل اهتمامها من البرج إلى اليخت، الذي جعله فانشو يرسو بجوار الجزيرة.
فأجاب فانشو: «منذ سنوات عديدة؛ فهو لم يخرج في أي رحلة بحرية منذ فترة، مع أنه ما زال مولعا بها، مثلما كان دائما. أعتقد أن السبب هو ميثاق عائلي أو شيء من هذا القبيل. حسنا، ها هو رصيف الإرساء. لنهبط إلى الشاطئ ونلتق البحار القديم.»
تبعاه إلى الجزيرة، وساروا جميعا تحت البرج مباشرة، وبدا أن نشاط الأب براون قد تحسن على نحو غريب، إما لمجرد أن وطأت قدمه البر، وإما لاهتمامه بشيء ما على الضفة الأخرى من النهر (التي ظل يحدق إليها بشدة لبضع ثوان). دخلوا طريقا مشجرا بين سياجين من خشب رقيق مائل إلى الرمادي، مثل تلك الأسيجة التي عادة ما تحيط بالمتنزهات أو الحدائق، بينما كانت أغصان الأشجار الداكنة تهتز جيئة وذهابا أعلى الطريق مثل ريشات سوداء وأرجوانية فوق عربة موتى تحمل جثمان عملاق. وبينما واصلوا السير تاركين البرج خلفهم، بدا أشد غرابة؛ لأن مثل هذه المداخل عادة ما يحدها على الجانبين برجان؛ لذا بدا هذا المدخل مائلا، ولكن بسبب هذا، كان هذا الممر المشجر يغلب عليه الشكل المعتاد لمدخل عزبة أحد السادة، ولأنه كان منحنيا للغاية لدرجة أن المنزل توارى عن أنظارهم، بدا على نحو ما كحديقة أكبر بكثير مما يمكن أن تكون عليه أي مزرعة في جزيرة كهذه. ربما كان الأب براون يتوهم بعض الأشياء بسبب تعبه، لكنه كان يعتقد أن المكان برمته ينمو ويتضخم حتما، مثلما تبدو الأشياء في الكوابيس. على أي حال، كانت الرتابة الغامضة هي الطابع الوحيد لمسيرتهم، حتى توقف فانشو فجأة، وأشار إلى شيء بارز من خلال السياج الرمادي، شيء بدا للوهلة الأولى مثل قرن حبيس لحيوان ما، ولكن حين نظروا إليه عن كثب، تبين أنه نصل معدني مقوس قليلا له لمعة خافتة في الضوء المتلاشي تدريجيا.
انحنى فلامبو، الذي كان جنديا مثله مثل جميع الرجال الفرنسيين، نحوه وقال بصوت مرتعب: «يا إلهي، إنه سيف! أعرف هذا النوع، إنه ثقيل ومقوس، لكنه أقصر من سيوف سلاح الفرسان، عادة ما كانوا يستخدمون هذا النوع في سلاح المدفعية واﻟ…»
وبينما كان يتكلم، انتزع النصل من الشق الذي كان قد أحدثه في السياج، ونزل مرة أخرى بضربة أشد قوة، قاسما السياج القابل للانقسام بالفعل من أعلاه حتى أسفله محدثا صوت انشطار قوي، ثم سحب مرة أخرى، وارتفع لامعا فوق السياج ببضع أقدام أكثر من المرة السابقة، وقسمه مرة أخرى من أعلاه إلى منتصفه مع أول ضربة، وبعدما اهتز قليلا ليخلص نفسه من السياج (مصحوبا بألفاظ نابية في الظلام)، قسمه من منتصفه حتى أسفله بضربة ثانية، ثم ركل المربع الخشبي الرقيق المقطوع من السياج بركلة شيطانية أطاحت به إلى الممر المشجر، ونشأت فجوة مظلمة كبيرة في السياج ظهرت من خلالها أجمة من عدة شجيرات متقاربة.
حدق فانشو إلى الفتحة المظلمة وأطلق صيحة ذهول، ثم صاح في دهشة: «عزيزي الأدميرال! هل … هل من عادتك أن تصنع بابا أماميا جديدا في السياج كلما أردت الخروج للتمشية؟»
أطلق الصوت المنبعث من وسط الظلام ألفاظا نابية مرة أخرى، ثم ضحك ضحكة مبتهجة. وقال: «لا، بل يجب أن أقطع هذا السياج بطريقة أو بأخرى؛ فهو يدمر جميع النباتات، ولا يمكن لأي شخص آخر هنا قطعه، لكنني فقط سأقطع قطعة أخرى من الباب الأمامي، ثم سأخرج وأرحب بكم.»
وكما هو متوقع، رفع سيفه مرة أخرى، وهوى به على السياج بضربتين، مسقطا قطعة أخرى من السياج مشابهة للأولى، ليصبح عرض الفتحة الإجمالي حوالي أربع عشرة قدما. ثم خرج إليهم عبر هذه الفتحة الأوسع المؤدية إلى الغابة، ليظهر في ضوء الغسق وقد التصقت رقاقة من الخشب الرمادي بنصل سيفه.
للوهلة الأولى، يبدو أن مظهر الرجل يثبت صحة الحكاية التي سردها فانشو عن أدميرال قديم يحمل بعض سمات القراصنة، ولكن بدأت بعد ذلك التفاصيل التي جعلته يبدو كذلك تتحلل إلى أشياء عادية عابرة؛ فعلى سبيل المثال، كان يعتمر قبعة ذات حافة عريضة لحماية رأسه من الشمس، لكن طرفها الأمامي كان مثنيا إلى الأعلى باتجاه السماء، بينما كان جانباها يغطيان الأذنين؛ مما جعلها تبدو كهلال على جبهته على غرار القبعة المطوية القديمة التي كان نيلسون يعتمرها. وكان يرتدي سترة زرقاء داكنة عادية ذات أزرار تبدو عادية أيضا، لكن ارتداءها مع سروال من الكتان الأبيض أضفى عليه مظهر البحار بطريقة ما. كان طويلا مترهل الأطراف، ويسير بنوع من التبختر، صحيح أنه لم يكن أشبه بتبختر البحارة، لكنه كان يوحي به بشكل أو بآخر، وكان يحمل في يده سيفا مقوسا قصيرا أشبه بالسيف القصير الثقيل المستخدم في سلاح البحرية، لكنه كان في ضعفي حجمه تقريبا. كان وجهه الشبيه بوجه النسور يبدو متحمسا أسفل حافة قبعته؛ وكان ذلك لأنه لم يكن حليق الوجه فحسب، ولكن كان بدون حاجبين؛ فقد بدا كما لو أن الشعر كله قد سقط عن وجهه بسبب إقحامه في فتحة ضيقة وسط كومة من الأشياء المتكدسة. كانت عيناه بارزتين وثاقبتين. وكان لون بشرته استوائيا إلى حد ما، لكنه كان يحمل جاذبية غريبة؛ إذ كان يذكر من يراه بالبرتقال الأحمر لسبب غامض؛ فقد كان وجهه الدموي المحمر يحمل لونا أصفر، لكنه لم يكن اصفرارا ينم عن مرض بأي حال من الأحوال، بل بدا متوهجا نوعا ما مثل التفاح الذهبي في حدائق هيسبيريديس، حتى إن الأب براون اعتقد أنه لم ير في حياته شخصية معبرة للغاية عن جميع التفاصيل الرومانسية المتعلقة بالبلاد الحارة مثله.
وبينما كان فانشو يقدم صديقيه إلى مضيفهم، تطرق في حديثه مرة أخرى إلى نبرة تسخر من ذلك الأخير بشأن تحطيمه السياج وتفوهه الغاضب الواضح بألفاظ نابية. قلل الأدميرال في البداية من شأن ما كان يفعله، واصفا إياه بأنه عمل بستاني ضروري لكنه مزعج، لكن مع امتداد الحديث اكتست ضحكته مجددا حيوية حقيقية، وصاح بمزيج من نفاد الصبر والحس الفكاهي، قائلا:
«حسنا، ربما أفعل ذلك بسرعة بعض الشيء، وأشعر بمتعة ما في تحطيم أي شيء. وهذا ما كنت ستفعله أيضا لو كانت متعتك الوحيدة تكمن في خوض رحلة بحرية استكشافية للعثور على بعض جزر آكلي لحوم البشر الجديدة، ثم وجدت نفسك مضطرا إلى البقاء في هذه الحديقة الصغيرة الوعرة الموحلة في مكان أشبه بمستنقع ريفي. حين أتذكر كيف أنني كنت أقطع ميلا ونصف الميل وسط أدغال خضراء خطرة بسيف قصير قديم أقل حدة من هذا بكثير، ثم أتذكر أنني مضطر إلى البقاء هنا وتقطيع هذه الشظايا الخشبية بسبب اتفاق قديم لعين مكتوب بخط عشوائي ركيك في كتاب مواثيق عائلي أشبه بالكتاب المقدس، يا إلهي! إنني …»
ثم رفع سيفه الفولاذي الثقيل مرة أخرى، وهوى به على السياج الخشبي قاسما إياه من أعلاه إلى أسفله بضربة واحدة هذه المرة.
وقال ضاحكا بينما كان يطوح السيف بغضب لبضع ياردات عبر الطريق: «إنني أستمتع بذلك. والآن هيا لنصعد إلى المنزل. يجب أن تتناولوا العشاء.»
كان المنزل أمامه مرج على شكل نصف دائرة يحتوي على ثلاثة أحواض دائرية من الزهور المتنوعة؛ حوض من زهور التوليب الحمراء، والثاني من زهور التوليب الصفراء، والثالث من زهور بيضاء ذات مظهر شمعي لم يكن الزائرون يعرفونها وافترضوا أنها مجلوبة من منطقة أخرى. كان هناك بستاني بدين كثيف الشعر متجهم الوجه يعلق لفة ثقيلة من خرطوم الحديقة. كان البصيص الأخير المتبقي من ضوء الغروب الذي بدا وكأنه يتشبث بزوايا المنزل الخارجية يعطي لمحات متفرقة خاطفة عن ألوان بعض أحواض الزهور التي تقع على مسافة أبعد، وفي مساحة خالية من الأشجار على جانب من جانبي المنزل كان مفتوحا مباشرة على النهر، كان هناك حامل ثلاثي نحاسي مرتفع يحمل تلسكوبا نحاسيا كبيرا مائلا. وخارج درج الشرفة مباشرة، كانت هناك طاولة حديقة خضراء مطلية طلاء خفيفا، وبدت كما لو كان شخص ما قد احتسى الشاي عندها للتو. وعلى جانبي المدخل، كان هناك تمثالان حجريان غير مكتملي الملامح بهما ثقوب مخصصة للعيون يقال إنهما من الأصنام التي كان يعبدها سكان منطقة بحر الجنوب، وعلى العارضة البنية المصنوعة من خشب البلوط والمعلقة بعرض المدخل من الأعلى، كانت هناك بعض النحوت المشوشة التي بدت شبه بربرية.
عندما دخلوا المنزل، قفز القس الضئيل الجسم فجأة فوق الطاولة، ووقف عليها محدقا بثبات عبر نظارته إلى الرموز المنحوتة على العارضة الخشبية. أبدى الأدميرال بندراجون دهشة بالغة حيال تصرفه هذا، لكنه لم يكن منزعجا منه، بينما كان فانشو مستمتعا جدا بما بدا أشبه بفقرة استعراضية يؤديها قزم على طاولة صغيرة، لدرجة أنه لم يستطع كتم ضحكته، لكن الأب براون لم يكن من الممكن أن يلاحظ ضحكة فانشو أو دهشة الأدميرال.