Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
قصر راسخ القواعد، شامخ الذرا، رسا أصله فوق شرف عال من الأرض، وارتفعت قبابه في الجو كأنها تطلب شيئا في السماء، وقد موهت بالنضار، وسطع عليها الأصيل، فأرسلت شعاعا كان أجمل من الأصيل، وأبهى من خالص النضار، وامتدت حول القصر البساتين الفيح تجري بها الجداول بطيئة متعثرة، كأنها تخشى أن تلتقي بنهر بردى، فيلتقمها زخاره الخضم، ويدور بها كالمذعور فيقتحم كل دار، وينفذ من كل حائط، ورفت بها الأزهار رائعة الألوان، مسكية الشذا، وقد عبث بها النسيم فراحت تختبئ في أكمامها كأنها الغيد الحسان خافت خائنة الأعين، وفضول العاشقين، وماست أشجار الحور كأنما شجاها تغريد الطير فوقها، فأخذت تسارق الأنغام، وتساير رنين الإيقاع.
ذلك مشهد يجب أن يرى حتى يعرف، ويجب أن تراه عين فنان لتدرك بعض ما به من جمال وروعة. أما القلم، وأما اللسان، فأعجز من أن يصلا فيه إلى صورة، أو شبه صورة، تقر بها العيون، أو تطمئن لها النفوس، يقولون: إن اللغة أداة البيان، ويقولون: إن اللغة بريد العقول، فهل هي أداة البيان حقا؟ وهل هي بريد صادق يحمل ما في نفسك إلى نفس غيرك؟ إن من ضروب الأحاسيس ما يدق عن متناول اللسان، ويستعصي على سنان القلم، وإن من الصور الغريبة الألوان الغريبة التركيب ما يعجز الوصف، ويخرس البيان، ولن يملك المرء إذا رآها إلا أن يصيح: هذا باهر! هذا جميل! هذا فاتن! وكأنه يريد أن يقول شيئا آخر فلا يستطيع. وستبقى الإنسانية هكذا عجماء حتى توفق إلى وضع كلمات جديدة تترجم عن كل ما تراه العين، ويجيش به الوجدان. ويكفي أن أقول: إن هذا المنظر كان بربوة الوادي بالجانب الغربي من دمشق، وإن هذه الربوة تزدان بأبدع ما طرزته يد القدرة على هذه الأرض من حلل، وإنها إلى جنة الخلد أشبه بالمطلع إلى القصيدة، أو بالمقدمة إلى الكتاب، وهي التي حينما رآها عمر بن الخطاب عند قدومه إلى الشام قرأ قوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك ۖ وأورثناها قوما آخرين.
هذه هي ربوة دمشق، وهذا هو قصر الوليد بن يزيد، وكان يسمى قصر «حبابة»، بناه يزيد بن عبد الملك الخليفة الأموي لجاريته «حبابة»، وأنفق فيه كثيرا من كنوز الدولة، وقام على بنائه وزخرفته كبار مهندسي الروم، فجاء صورة للفن الرائع، ومظهرا لفخامة الملك، وصولة السلطان.
وفي أحد أيام شوال من سنة ثلاث وعشرين ومائة جلس ببعض أبهاء هذا القصر يزيد بن الوليد، ويزيد بن عنبسة، ومحمد بن شهاب الزهري، ويزيد السلمي، وقد طال بهم الإطراق، ودلت أسارير وجوههم على ما تنطوي عليه أنفسهم من أمر عظيم، وهم دفين، وبعد لأي رفع الزهري رأسه، وكان من كبار المحدثين، وأعلام التابعين، عظيم المنزلة في الدولة لعلمه وورعه، وقال: لست أدري لم بعثنا الخليفة هشام إلى هذا الرجل، وهو يعلم أن انتقال جبل «قايسون» من مكانه أهون وأيسر في إدراك العقول من هدايته، وزحزحته عما هو فيه من عبث؟ لقد حدثته مرارا، وسقت إليه كثيرا من أقوال الرسول الكريم، ووعظته فأطلت الوعظ، فما كان يزيده كل هذا إلا تماديا، حتى كأنني كنت أغريه بلومي، وأثير فيه شيطان الغرور بمواعظي،ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ۖ ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، صدق الله العظيم.
فرفع إليه يزيد بن الوليد بصره، وقد نم وجهه عن ضجر واشمئزاز، وقال: إن الأمر يا أبا بكر لو اقتصر على فتى سادر لهان وقلت نوازله، وخفت أوزاره، ولكنه أمر أسرة كريمة المنبت في الجاهلية والإسلام، وشأن دولة تحمل أعباء الخلافة، وتحمي صخرة الدين أن تنهار، بعد أن بذلت جهود وعقول في إرسائها، وحطمت سيوف في توطيد أركانها. والشيخ يرى ما تنهض به دولة بني أمية كل يوم من أعباء، وما تشهد من عزائم، فجيوشها لا تكاد تقفل من العراق وخراسان، حتى تسير إلى أرمينية وأرض الروم، فهي أبدا صائفة شاتية. وسيوفها لا تكاد تقر في أغمادها، حتى تستل من جديد، ولا تكاد تجف دماؤها من قهر خارجي، حتى ينبع لها خارجي من أقاصي الأرض، كأن الأرض أجدبت من كل نبات إلا من هؤلاء المناكيد. وإذا أسكتنا زئير أهل خراسان، أطلت علينا ثورة في المدينة، ومدت رأسها فتنة بالعراق، فإذا لم تكن أزمة الدولة في يد جريئة حازمة، ولم يصرف شئونها رجل داهية باقعة لم تستعبده الدنيا، ضاعت الدولة بددا، وكانت حرضا، وهذا الوليد بن يزيد الذي بعثنا اليوم هشام لنصحه ودعوته إلى الكف عن لهوه، لو كان فتى من فتيان بني أمية لا يرتبط بالخلافة، ولا يتصل بسياسة الحكم بسبب، لصرفنا عنه وجوهنا آسفين محزونين، ولقلنا: شاب أطغاه المال، والشباب، والحسب، فراح ينتهب لذات الحياة، وإن له لغاية هو مدركها، وأجلا هو موفيه، ولحظة ندم يهم أن يعتصم فيها بالتوبة، فلا تنفعه التوبة، ولكن يأبى القدر إلا أن يكون الوليد هذا ولي عهد الخلافة، وتأبى الأيام السود إلا أن تعده ليجلس حيث كان يجلس عبد الملك ابن مروان، وعمر بن عبد العزيز. يا ويل الخلافة، ويا ويل الإسلام إذا ألقيت مقاليد الحكم في يد هذا الرجل! وإننا إذا جئنا اليوم لنكفه عن شهواته، أو لنصلح من نفسه — إن كان ذلك الإصلاح مستطاعا — فإنما إلى صون الخلافة نقصد، وحماية الملك نريد.
فتحرك يزيد بن عنبسة في قلق المغيظ المحنق، وقد كان قبل ذلك يعتمد برأسه على قائم سيفه حزينا واجما، وقال: إن الله يريد لهذا الملك أمرا هو قاضيه، فإننا ما كدنا نبتهج بموت أبيه يزيد بن عبد الملك، وقيام خلافة هشام بعده، حتى دهمتنا المقادير فحتمت علينا أن يكون هذا الفتى ولي عهد هشام. لقد كان يزيد مسرفا على نفسه، قسم أيامه وأمواله بين سلامة القس المغنية، وحبابة اللعوب، وبنى لحبابة هذا القصر الشامخ الذي نجلس فيه اليوم، وأنفق عليه من الأموال ما كان يكفي لغزو الصين، وكل ما وراء البحر الأخضر من ممالك، ولكنا نحمد الله على أن عهده لم يطل، وأن هلاكه كان وشيكا، وكثيرا ما يكون الموت علاجا إذا أعضل الداء، وعز الدواء. كانت خلافته أربع سنين كادت تهوى فيها الدولة إلى الحضيض، لولا قوة فيها كامنة من عزمات صلاب وطدت أساسها من عهد قديم، وكأنه أراد أن يصل حباله بحبال ابنه فلم يمت حتى عهد بالخلافة بعده إلى هشام، ثم من بعد هشام إلى هذا الفتى، وإن أخشى ما نخشاه بعد أن أعاد هشام إلى الخلافة عظمتها، وغرس في القلوب الرهبة منها، وأقام عمودها، وحرص على جمع الأموال لسد مفاقرها أن يأتي بعده هذا الوليد فيمحو آثارها، ويبدد قوتها، ويمكن منها أعداءها القاعدين لها كل مرصد، والمتربصين لها الدوائر، والمتحرقين إلى فرصة يمزقونها فيها أشلاء، ويأتون على بنيانها من القواعد، وليس لدينا من الرجال اليوم ما كان لنا والدولة في عنفوانها، والملك في قوة اكتماله، فليس لنا مثل مسلم بن عقبة، وليس لنا مثل الحجاج بن يوسف، وليس لنا مثل قرة بن شريك، فإذا وقعت الواقعة، وحلت الفادحة، وتركت الدولة في أيد خائرة لم تجد بين الدافعين عنها إلا بنانا مخضبا، ومعصما أدماه السوار، وويل لدولة تحميها النساء!
فأسرع الزهري يقول: لقد حاول يزيد بن عبد الملك أن يخلع هشاما من ولاية العهد، وأن يقدم ابنه عليه لولا أن أدركه الموت من حيث لم يكن يتوقع، ولو أنه فعل لكان للمسلمين اليوم حال غير تلك الحال. وهنا اتجه يزيد بن عنبسة إلى السلمي وقال: مالك لا تنازعنا الحديث أبا مساحق؟ إن أكبر الظن أن كلامنا يثقل عليك، فلقد رأيت سحابة غيظ تركد على وجهك منذ دخولنا، ولعلك لم تكن تتوقع أن يزور صاحبك اليوم قوم غلاظ شداد يصارحونه القول، ويدعونه في عنف إلى تقوى الله، ومخالفة نفسه. فقال الزهري: إن السلمي كان معلم الوليد ونصيحه، وكان الأجدر به، وقد قضى في الإشراف على تهذيبه سنوات، أن يقوم قناته، وأن يصرف عنه شياطين الفتنة، فإنه لو فعل لأغنانا اليوم عن لقاء هذا الفتى، وجبهه بما يكره، ووالله لولا أن ألح علي الحقيقة، وألحف في وجوب القيام بنصحه، ما نقلت إلى داره قدما.
فقال يزيد بن الوليد: ومن لهذا الأمر سواك يا ابن شهاب، وأنت اليوم مناط هذه الأمة في أمور دينها؟ ولقد كان عمر بن عبد العزيز ناصحا للمسلمين حين كتب إلى عماله في الآفاق يدعوهم إلى الأخذ بآرائك في الدين، ويقول لهم: إنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية من ابن شهاب؛ فمد الزهري يده إلى يزيد كالمتوسل إليه أن يكف عن هذا المديح، ثم قال: أرسل إلي الخليفة إبراهيم المخزومي بعد أن انفتلت من صلاة الغداة، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك إليه الساعة، فذهبت معه على تثاقل وكره، فلما حضرت مجلسه أقبل علي كاسف النفس حزينا، وكان ولداه مسلمة والعباس واقفين في خدمته، ثم قال: اقرب مني قليلا يا أبا بكر. فقربت وسادتي من وسادته، فاتجه إلي وقال: إني نظرت يا ابن شهاب في أمري، وأمر هذا الملك الذي أسوسه، والأمة التي أرعاها، فرأيت أني أسير إلى الفناء وثبا، وأعدو نحو الموت عدوا، فإن هذه الذبحة ما زالت تعتادني بين الحين والحين، وقد استطعت حتى الساعة أن أنجو منها بذلك الدواء الذي أتجرعه، ولكن نوباتها أخذت تتقارب وتطول، وأخشى أن أكون مائتا بعد أيام أو أشهر، وقد بذلت كل ما في قدرة رجل مثلي لإنهاض الدولة، وتمكين سلطانها، ولو كنت أعلم أن الذي يلي هذا الأمر من بعدي رجل حمال للأعباء، شديد على اللأواء، كامل الرجولة، طاهر النفس، نقي الجيب، يخاف ربه، ويخافه عدوه، لهان علي الأمر واستقبلت الموت سعيدا رضيا، ولكن الخلافة ستنتقل إلى ابن أخي الوليد، وهو — كما علمت، وعلم أهل الحضر والمدر — قد نسي نفسه، ونسي حسبه، وانصرف إلى جلساء السوء، فماذا يكون من أمر هذه الأمة إذا وليها هذا الفتى؟ وماذا يكون من أمر أطراف الدولة، والثورات فيها لا تنطفئ نيرانها، ولا يركد قتامها؟ وماذا يكون من أمر ملك بقي إلى اليوم أكثر من ثمانين عاما تؤثله جبابرة الأمويين بآرائهم وسيوفهم؟ لن يبقى من ذلك شيء، وستتمزق فلول بني أمية في البلاد حيارى مطاردين، يحسدون رعاة الإبل في الصحاري الجرد على ما هم فيه من رخاء ونعمة. لقد بذلت كل ما في وسع البشر لإصلاح هذا الرجل، فلم ألق نجحا؛ وكان من آخر أمري أن وليته الحج بالناس لأصلح من سيرته، وأغريه بتقوى الله إغراء، فكان منه ما علمت وعلم الناس، والآن وقد ضاقت بي الحيلة، أدعوك لتذهب إليه أنت ويزيد بن الوليد وابن عنبسة؛ لتبصروه بما يجب عليه إزاء الله، وإزاء الخلافة، وإزاء نفسه، ولتخبروه بأن صلاحه لن يكون له وحده، بل لهذه الأمة التي نخشى أن تذهب ضياعا، وتصبح نهبا مقسما، هذا يا أبا بكر آخر سهم في كنانتي، فإن أجاب وأطاع هدأت نفسي، وإلا فلله أمر هو فاعله، اذهب الآن مباركا موفقا، وقد أمرت يزيد بن الوليد وابن عنبسة أن ينتظراك لدى الباب.
وكأن طول الحديث قد أجهد الزهري، فأخذ يرسل أنفاسا قصارا متلاحقة، ثم قال وهو ينظر إلى السلمي: وهكذا جئنا أبا مساحق لنروض هذا المهر الحرون؛ حتى يسلس قياده، وإني أرى في ملامحك ما يدل على الاستنكار والمخالفة، فهل لديك من شيء يقال؟
– لقد أطلتم الحديث، وسلكتم فيه فنونا، ولكنكم اتجهتم اتجاها واحدا، ونظرتم إلى الرجل من ناحية واحدة، فصورتموه كما شاءت نفوسكم لاهيا مرحا، تسلب من صفات الرجولة، وقطع كل صلة بينه وبين الخلق الكريم، وهذا تصوير مائن أيها البررة الأتقياء، إني خالطت الوليد منذ كان غلاما في الحادية عشرة، وهو الآن يجاوز الثلاثين، خالطته خلاط معاشرة واختبار، وسبرت غور نفسه، وعرفت ظاهر أمره وباطنه، فرأيت أنه سر آبائه جميعا، ففيه دهاء مروان بن الحكم وشغفه بالانتقام، وفيه تيه عبد الملك وكبرياؤه، وصدق عزيمته، وفيه عناد أبيه، وضعف نفسه، ثم إن به عرقا من أخواله بني هاشم أمده بالبلاغة، وإجادة الشعر، وذلل له سبيل التمكن من اللغة، ومعرفة الأخبار، إنه ابن آبائه حقا، ورثهم في الجاه والمال والخلافة، كما ورثهم في الجبلة والخلق، وفيما يزين وفيما يشين، إنه حقيبة من وراثات مختلفة متباينة: فيها الخير، وفيها الشر، وفيها ما يسوء، وفيها ما يسر، وأشهد إني ما رأيته يقرأ القرآن، أو يدرس أحاديث النبي الكريم إلا متطهرا متطيبا جالسا على ركبتيه في خشوع ورهبة، وأشهد أنه طالما حدثني عن نفسه، وما ينساق إليه من هفوات الشباب، والدموع تنهمر من عينيه، والحزن يملأ جوانب نفسه، وكثيرا ما كان يقول وهو في تلك الحال: وماذا أفعل وقد خلقت ريشة في مهب الأهواء، وقصبة جوفاء في بحر مائج بالفتنة والإغراء؟ ثم يرفع رأسه إلى السماء في رعب وضراعة وهو يردد: اللهم إنك إنما سميت الغفور لأنك تغفر لمثلي. وسمعته مرة وقد اجتمع بفتية من بني أمية وهو يقول لهم: يا بني أمية، إياكم والغناء؛ فإنه ينقص الحياء، ويزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، ويثور ثورة الخمر، ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء؛ فإن الغناء رقية الشيطان، إني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة، وأشهى إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال.
فأسرع ابن عنبسة يقول: أخشى يا أبا مساحق إذا طال بنا المجلس أن تزعم أن صاحبك من الملائكة الأطهار.
– لا يا ابن أخي، إنه ليس من الملائكة الأطهار، إنه قد يكون أحيانا عبد نفسه، إذا جمحت به أرخى لها العنان، وتركها تسير به إلى حيث تريد، ولكني أقول: إنه رجل له جانبان: جانب للخير، يظهر فيه نبله، وكرم عنصره، وطهارة عرقه، وجانب للشر يرحل فيه العقل، وتنحل العزيمة، ويختفي الوليد الشريف الكريم، ويأتي الوليد الظريف المرح، وربما كان في انقياده إلى وازع نفسه لا يزيد عن أمثاله من الفتيان الذين خلقوا على غرار فطرته، ولكن الوليد أضاف إلى ما فيه من ضعف العزيمة ما طبع عليه من العناد، والتحدي، والتباهي بازدراء آراء الناس، وعدم المبالاة بلوم اللائمين، فلم يراء كما يراءون، ولم يخف الرقباء كما يخافون، بل قال ما يقول في علانية وسخرية، وكشف ذات نفسه لأعدائه وأصدقائه في غير خوف أو حذر، ومما أكثر فيه القالة شغف الناس بالأقاصيص، وغرائب الأخبار، فهم إذا نقل إليهم كاذب أنه شرب كأسا لم يرقهم أن ينقلوا الخبر كما هو، وأي طرافة في أن يشرب شاب كأسا محرمة بعد أن فسد الزمان؟ فراحوا يقولون: إنه شرب باطيتين حتى انتفخ بطنه، وهنا ابتدره ابن عنبسة فقال: إن الناس لا ينقلون إلا ما يسمعون من غلمان القصر وجواريه، وقد بلغني أنه اصطنع بركة في هذا القصر، وملأها خمرا، وأنه إذا استخفه الطرب ألقى فيها نفسه، وأخذ يكرع؛ حتى يبين النقص في أطرافها.
– هذا اختلاق مائن، وإفك كاذب، فالوليد أبغض الناس للقذر، أو ما فيه احتمال القذر، وهو لحرصه على النظافة لا يشرب من إناء شرب منه غيره، ثم كيف يستساغ في العقل أن يشرب من البركة حتى يظهر النقص فيها؟ إنه لو فعل لكان اليوم من الهالكين، واسترحنا من الجدل في شأنه؛ وهذه الفرية البلقاء لا تقل في بشاعة كذبها عما يتناقله الناس من أنه أراد يوما أن يتفاءل، ففتح القرآن، فكانت أول آية تقع تحت عينيه قوله تعالى:واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد. فقد قالوا إنه غضب عند ذلك وعربد، ومزق المصحف، وقال:
ويكفي لتفنيد هذا الهراء أني أعلم، وأنكم تعلمون أن العرب على ولوعها بالتفاؤل لا تتفاءل بالمصاحف، ولا بما يدون في الكتب، فإن ذلك لم يكن من عاداتها منذ خلق الله الصحراء والجمل.
وأكبر الظن عندي أن هناك ثلاث طوائف تعمل على الكيد لبني أمية كلهم لا للوليد وحده، وأنها تبذل الجهد ناشطة لإسقاط الدولة ومحو آثارها، وهذه الطوائف هي: طائفة الناقمين من غير العرب بعد أن أذلهم بني أمية، وقضوا على عزمهم ومجدهم، وأنزلوهم بدار الهوان والإتعاس، وطائفة بني العباس الذين يدعون «لمحمد بن علي»، والذين ربضوا بخراسان متربصين، يتحينون الفرصة للوثبة، وينشرون جواسيسهم وعمالهم في البلاد؛ ليبثوا في الناس كراهية الخلافة ورجال الدولة، ويذيعوا عنهم خروجهم عن الدين، واحتجانهم الأموال وتبديدها في اللهو والنعيم، وهناك شيعة علي بن أبي طالب الذين يجتذبون الناس بزهدهم، ويستدرون عطفهم بما أوقع بهم بنو أمية من القتل والتشريد، هؤلاء جميعا يعملون كادحين لإسقاط عرش الأمويين، وقد وجدوا في الوليد منبعا فياضا لإشاعة الأكاذيب، وابتداع الأخاليق، وراحوا يهولون من كل ما يبدو منه من لهو، فإذا لم يصدر عنه شيء رسم خيالهم أبشع الصور، ولفق لهم أسوأ الأحاديث، وهنا التفت إليه الزهري وقال: عجيب أمرك يا ابن مساحق، تعترف بعبث صاحبك، ثم تدفع عنه، وحينما ترى أن حجتك لا تنهض بجناح تحاول أن تنقل الأمر من الوليد إلى بني أمية عامة، ثم ما يحيط بهم من أحداث وأعداء.
– لا يا أبا بكر إنني إنما أنكر على الناس تعصبهم عليه، وتألبهم للكيد له، وأخشى أن يكون من أسباب ذلك أنه ولي العهد، وأنه يسد الطريق على أبناء هشام، ولعله لو تخلى عن هذه الولاية لارتدت عنه سهامهم، ولعاش كما يعيش غيره، ولسكتت عنه ألسن السوء.
وبينما هم في الحديث إذ بدت لهم من النافذة عن بعد جماعة من الفرسان، تثب الكلاب من حولهم ومن خلفهم، وقد سار في المقدمة فارس معتدل القامة، كأنه عامل الرمح، وهو يعبث بسوطه في الهواء، فقال السلمي: هذا هو الوليد ومعه فتيانه، وقد قدموا من الصيد، وسيكونون بيننا بعد قليل.
فتمكن الزهري في مجلسه، وتمتم بكلمات ربما كانت تسبيحا، وربما كانت استنكارا، وومضت عينا ابن عنبسة بالشر، وتنحنح يزيد بن الوليد وقال في حزن وأسى: وهكذا تدور حياة هذا الشاب بين مرح ولهو، وغناء وطرب! يا لضيعة بني أمية!
ويصل الوليد إلى القصر، ومعه من ندمائه كاتبه عياض بن مسلم، وابن سهيل، والمنذر بن أبي عمر، وعبد الصمد بن عبد الأعلى، فيسرع إليه غلامه رستم الفارسي، وخادمه سبرة، فيخبرانه بكل ما دار بين القوم من أحاديث، فيعبس وجهه قليلا، ثم ينبسط عن ابتسامة ماكرة، فيها عناد، وفيها تشف، وفيها انتقام وعبث، ثم يقول: أبعثهم إلي هشام لينصحوني، أم يمهدوا السبيل إلى خلعي من ولاية العهد وتولية ابنه مسلمة؟ والله لن أخلع ما وضعه الله في عنقي، أو أموت دونه! يقولون: إني لاه عابث، سأريهم يا سبرة كيف أعبث بهم، وكيف ألهو بأشياخهم، وسأريهم أني لا أبالي بما يذيعون عني من كذب وبهتان، ادع عمر الوادي وأبا كامل، وادع جميع المغنين، فسوف يعرفون اليوم من هو الوليد بن يزيد؟ وانطلق سبرة يطيع أمر مولاه، وما هي إلا لحظات حتى سمع رنين العيدان، ونقر الدفوف، وأقبل المغنون، ومشى أمامهم الوليد نحو زواره، فلما دخل عليهم كان أبو كامل يغني:
وكانت القيان تدق بالكفوف والدفوف، ويمشين في خفة ومرح، كأنهن الحمائم ترف رفيفا، ثم اتجه الوليد إلى عمر الوادي صائحا: يا جامع لذتي ومحيي طربي، غنني من خفيف الرمل بالبنصر، فانطلق يغني:
وما كاد ينتهي من غنائه حتى هجم عليه الوليد، وأخذ يقبله ويخلع من عقود الجوهر التي يتحلى بها، ويضعها في عنقه.
وهنا لم يطق الزهري الصبر، فهم بالوقوف، ودعا صاحبيه إلى الخروج، ولكن يزيد بن الوليد اجتذبه من كمه وهو يقول: إننا لا نستطيع أن نغادر القصر من غير أن نقضي حاجة هشام، فإنك تعرف ثورة غضبه على من يتهاون في تأدية ما يطلبه منه، ولمح الوليد ما يدور بين القوم فصرف المغنين، ثم أقبل على الزهري في أدب وخشوع، وكثير من الوقار، كأن لم يكن شيء، وكأن ما ملأ البهو من لهو وطرب منذ لحظة لم يكن منه شيء، أقبل على الزهري فحياه ورحب به، ثم نظر إلى يزيد بن الوليد، وإلى ابن عنبسة نظرة صلف، أتبعها بتحية، فيها تيه، وفيها اعتزاز، ثم أخذ يسأل الزهري عن مسائل في الحديث، وغريب اللغة، والقرآن، والقوم في دهش جارف ملك عليهم ألسنتهم، وأذهل عقولهم، فلما هدأت نفس الزهري قال: إننا جئنا إليك يا بني من قبل الخليفة لنسدي إليك النصح، وندعوك إلى ترك ما أنت فيه من لهو يقضي على المروءة، ويعبث بالشرف، وقد ضاق الخليفة ذرعا بما يسمعه عنك، وما ينقل إليه من أمرك، ثم إنه الآن — وقد تقدمت به السن — يخشى أن يترك الخلافة في يد من لا يصونها، أو يستطيع النفح دونها، وهؤلاء المسودة — كما يسمونهم — أو دعاة بني العباس قد ظهروا بخراسان، وأصبح لهم عديد وعدة، وأشياع وأنصار، فإذا لم يحم الخلافة رأي نافذ، وعزم باطش ضاع الملك الذي أثلتموه، ولاقى بنو أمية من أعدائهم شر ما يلاقي الذليل المقهور، فالخليفة ينذرك ويدعوك إلى التوبة، ونبذ ما أنت فيه، ويطلب إليك أن تسرح ندماءك وأصفياءك، وأن تبتدئ حياة جديدة كلها جد وصلاح، وابتعاد عن الدنيا، واهتمام بشئون الدولة؛ حتى تكون أهلا لولاية العهد.
كان الوليد ينصت عابسا مفكرا يعبث بأصابعه في شعرات لحيته، وما كاد ينتهي الزهري حتى أرسل قهقهة طويلة اهتزت لها جوانح صدره، ثم نظر إلى القوم وقال: ألأجل ذلك جئتم؟ ومن أجل هذا أتعبتم دوابكم حتى بلغتم قصري؟ لقد سخر منكم هشام وغرر بكم، إن ما يجري في قصري من اللهو العفيف لا يزيد عما يجري في قصور فتيان بني أمية، ثم التفت إلى ابن عنبسة ويزيد، وقال: وعما يجري في دار ابن عنبسة، وفي قصر يزيد، وإن أبناء هشام أنفسهم يتمتعون بالحياة طولا وعرضا وعمقا، ولكن هشاما يريد شيئا آخر، يريد أن يسخركم من حيث لا تشعرون في مأرب هو أقصى أمانيه ومنتهى آماله، يريد أن يهدم هذا السد الذي يحول بين ابنه مسلمة والخلافة، يريد أن يخلع عني ولاية العهد بعد أن أقسم عليها أمام أبي أغلظ الأيمان، وأعطى أوثق العهود، ليقدمها إلى «أبي شاكر» هدية غالية ثمينة تبقى في أولاده وأحفاده أبد الدهر، ولم ير للوصول إلى ذلك من سبيل إلا أن يثلب عرضي، ويكثر في قالة السوء، ويبعث حولي جواسيسه وعيونه ليجعلوا من الفأرة جملا، ومن بيت النملة قصرا، وليملئوا الدنيا بأخبار زندقتي، حتى لقد أصبحت حديث السمار، ومثلا شرودا في اللهو وحب الطرب، وإني أسخر منه ومن أعوانه، وأزيد في نكايته بإصراري على ما أحب، وتمسكي بما يكره، ثم إنه أراد أن يخطو خطوته الأخيرة فبعثك يا ابن شهاب، وأنت من أنت في رأي العامة والخاصة علما ودينا ونسكا؛ ليستشهد بك لدى الناس إذا خلعني، وليقول لهم: لقد صبرت عليه كثيرا فلم يزدجر، ونصحت له كثيرا فلم يرعو، وهذا الزهري على ما أقول شهيد؛ لقد حرمني العطاء منذ عدت من الحج، وضيق علي وعلى ندمائي، ولكني لم أبال به، ولم آبه له، وإن لي من ميراث أبي ومن أموال أخوالي ما يزيد عن حاجتي، وإن في نفسي يقينا لا يزعزعه إرهاب هشام، ولا تنقص منه صولة هشام؛ ذلك أني سأكون خليفة على رغم أنوف بني أمية جميعا، وإن هشاما سيموت ويزول ملكه، ويذهب معه نهمه، وتدفن مطامعه، وسأكون من بعده الخليفة الأموي الفتي، وسوف أثيب أصدقائي أجزل الثواب، وأذيق أعدائي مر العذاب، فلقد أعددت في سرداب القصر مائة قيد من حديد كتبت على كل قيد اسم صاحبه، ثم التفت إلى ثلاثتهم وقال: وأكبر ظني أن أسماءكم بين ما كتب من أسماء، وسوف يقول الناس: إن الوليد لم يكن غرا مائقا، ولم يكن مغفلا ماجنا؛ لأنه عرف أعداءه فمحقهم، وعرف أحباءه فأجزل عطاءهم.
ثم وقف ومد يده إلى الزهري وهو يقول: إذا لقيت هشاما فقل له عني:
ثم ترك البهو فسار خلفه غلاماه، وترك القوم مشدوهين حائرين، فأخذ الزهري يجمع ثيابه ويتهيأ للخروج، وهو يقول: صدق رسول الله: «إن لكل دين خلقا، وإن خلق الإسلام الحياء».