Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
لن يكون من العدل أن نسجل مغامرات الأب براون من دون الاعتراف بأنه تورط ذات مرة في فضيحة غامضة. ولا يزال هناك أشخاص — ربما كانوا من مجتمعه الخاص — يقولون إن هناك وصمة تلحق باسمه.
حدث الأمر في فندق مكسيكي خلاب يقع على الطريق ويتمتع بسمعة ماجنة، كما اتضح فيما بعد، وبالنسبة إلى البعض فقد بدا أن القس قد سمح ذات مرة بأن تستولي عليه نزعة رومانسية، وأدى به تعاطفه مع الضعف الإنساني إلى إتيان سلوك ماجن غير قويم. إن القصة نفسها بسيطة؛ وربما كان عنصر المفاجأة فيها هو تلك البساطة التي تلفها.
إن حرب طروادة قد بدأت بهيلين؛ وهذه القصة الشائنة بدأت بجمال هيباتيا بوتر. يتمتع الأمريكان بقوة كبيرة — وهي شيء لا يقدره الأوروبيون دوما حق قدره — في إنشاء المؤسسات من الطبقات الدنيا؛ ويكون هذا بالمبادرات الشعبية. ومثلها مثل كل شيء جيد آخر، فإن لهذه القوة جوانب أكثر طيشا؛ وأحد هذه الجوانب — كما أشار إليها السيد ويلز وآخرون — هو أن الشخص يمكن أن يمسي مؤسسة عامة بشكل غير رسمي؛ حيث يمكن لفتاة تتمتع بجمال رائع أو ذكاء ألمعي أن تصبح أقرب إلى ملكة غير متوجة، حتى ولو لم تكن نجمة سينمائية أو تجسيدا للفتاة المثالية طبقا لتشارلز دانا جيبسون. ومن بين هؤلاء الذين كانوا سعيدي — أو تعيسي — الحظ ليوجدوا بهذه الطريقة أمام الناس وبهذا الشكل كانت هيباتيا هارد، والتي تجاوزت المرحلة التمهيدية لتلقي مجاملات احمرت لها وجنتاها خجلا في مقالات المجتمع في الصحافة المحلية حتى اتخذت موضعها لتصبح مطلوبة في مقابلات مع رجال صحافة حقيقيين. وقد أدلت الفتاة بتصريحاتها في مواضيع مثل الحرب والسلام والوطنية ومنع المسكرات والتطور والكتاب المقدس بينما كانت ابتسامتها الساحرة تعلو وجهها؛ وإذا لم يكن أي من تلك التصريحات يقترب كثيرا من الأسس الحقيقية لسمعتها، فقد كان من الصعب بنفس القدر تقريبا أن نعرف الأسس الحقيقية لما تتمتع به من سمعة. إن الجمال، وكونها ابنة أحد الرجال الأغنياء، هما من الأشياء غير النادرة في بلدها، لكنها أضافت إليهما ما تسبب في جذب أنظار الصحافة الحائرة. هذا بالإضافة إلى أن أيا من معجبيها لم يرها فعلا، أو كان يأمل حتى أن يراها، ولم يكن أي منهم بمقدوره قط أن يحصل على أي استفادة ولو كانت بسيطة من ثروة أبيها. فالأمر ببساطة هو نوع من أنواع الخيال الشعبي، أو البديل العصري للأساطير؛ وقد أرسى هذا للأسس الأولى لنوع من الرومانسية أكثر عصفا وتعقيدا ستدركه هي فيما بعد، وسيعتقد الكثيرون بسببه أن سمعة الأب براون — وآخرين كثر — قد دمرت تماما.
لقد تقبل — برومانسية في بعض الأحيان وباستسلام في أحيان أخرى — من أطلق عليهن المجتمع الأمريكي الساخر الأخوات سوب أن تلك الفتاة قد تزوجت بالفعل من رجل أعمال جدير بالاحترام والتقدير يحمل اسم بوتر. وكان من الممكن حتى ولو للحظة اعتبار أنها تحمل اسم السيدة بوتر، على أساس من التفهم العام بأن زوجها كان فقط هو زوج السيدة بوتر.
ثم حدثت الفضيحة الكبرى، التي روعت أصدقاءها وأعداءها بما يتخطى أكثر آمالهم جموحا؛ فقد اقترن اسمها (كما تقول العبارة الغريبة) برجل يمتهن الأدب ويعيش في المكسيك؛ وهو رجل أمريكي المنزلة والمقام، لكنه إسباني من أصل أمريكي من حيث الروح. ولسوء الحظ، كانت هي على النقيض تماما منه؛ بمعنى أن كل رذيلة لديه تجد الفضيلة المقابلة لها لديها. لم يكن الرجل سوى رودل رومانيس الشهير؛ ذلك الشاعر الذي حظيت أعماله بشعبية كبيرة بفعل رفض المكتبات لها أو بفعل ملاحقات الشرطة له بسببها. على كل حال، شوهد نجمها الهادئ بالاقتران مع هذا المذنب. فقد كان الرجل من النوع الذي يشبه بالمذنب؛ ذلك أنه كان فظا لاذعا؛ تنطبق الصفة الأولى على شكله، والثانية على شعره. وهو أيضا من النوع المدمر؛ فقد كان ذيله عبارة عن سلسلة من حالات الطلاق، التي قال البعض إن هذا يعد نجاحا له بصفته عاشقا، وقال البعض إنه فاشل جدا بصفته زوجا. كان الأمر صعبا على هيباتيا؛ فهناك مساوئ تلحق بعيش الحياة الخاصة المثالية أمام أعين العامة؛ كالنظر إلى الجزء الداخلي من متجر من خلال واجهة العرض. وقد أفاد محاوروها من الصحفيين بتصريحات مريبة عن قانون الحب الأكبر للإدراك الذاتي الأعلى. فصفق الوثنيون، وسمحت الأخوات سوب لأنفسهن بأن يدلين بملحوظة عن الندم الرومانسي، حتى إن بعضهن تمتع بجرأة قاسية ليقتبس من قصيدة مود مولر، لدرجة أن أكثر الكلمات حزنا من بين التي قيلت وكتبت كانت جملة «كان من الممكن». أما السيد أجار روك، الذي كان يكره أخوية سوب كرها رهيبا مبررا، فقد قال إنه في هذه الحالة يتفق تماما مع تنقيح بريت هارتي للقصيدة:
«ما كان ينبغي أن يكون من نراهم يوميا هم الأكثر حزنا.»
ذلك أن السيد روك مقتنع تمام الاقتناع ويوقن يقينا راسخا بأن هناك أشياء كثيرة ما كان ينبغي لها أن تكون. وهو يعمل ناقدا عنيفا وقاسيا للاضمحلال الوطني، في صحيفة «منيابوليس ميتيور»، كما كان رجلا شجاعا وصادقا. وربما قد تخصص كثيرا في روح الغضب والسخط، لكن تلك الروح كانت تتحلى بأصول سليمة بما يكفي فيما له صلة بردة فعله تجاه المحاولات القذرة للخلط بين الصواب والخطأ في الصحف الحديثة ومحاولات القيل والقال. وقد عبر السيد روك عن هذا في البداية في صورة احتجاج على رسم هالة رومانسية حول القتلة ورجال العصابات. وربما كان يميل كثيرا إلى الافتراض بنفاد صبر قوي أن كل رجال العصابات من ذوي الأصول اللاتينية، وأن كل من هم من ذوي الأصول اللاتينية كانوا رجال عصابات، لكن إجحافه وتحامله هذين — حتى وهو يتسم بضيق الأفق — كانا يختلفان بعض الشيء عقب نوع معين من جيشان العاطفة وعبادة الأبطال كسلوك غير ناضج، حيث كان الناس على استعداد لأن ينظروا إلى قاتل محترف باعتباره زعيما من زعماء الموضة، طالما قال الصحفيون إن ابتسامته ساحرة وإن حلته التي يرتديها كانت لا بأس بها. على كل حال، لم تختزل هذه التحيزات من جانبه في صدره فقط؛ لأنه كان في الواقع يطأ أرض اللاتينيين حين وقعت أحداث هذه القصة؛ حيث كان يسير بغضب وهو يصعد تلة ما خلف الحدود المكسيكية، باتجاه الفندق ذي اللون الأبيض المهدب بأشجار الزينة، ذلك الفندق الذي من المفترض أن آل بوتر ينزلون فيه وتتخذ منه الآن هيباتيا الغامضة بلاطا لها. كان أجار روك يمثل نموذجا جيدا للشخص البيوريتاني، حتى بمجرد النظر إليه؛ ربما كان بيوريتانيا من القرن السابع عشر بكل ما تحمله الكلمة من معنى أكثر منه شخصا بيوريتانيا أكثر ليونة وتعقيدا من القرن العشرين. كان الرجل سيسر كثيرا ويشعر بامتنان كبير إذا ما أخبرته أن قبعته السوداء العتيقة وعبوس وجهه المعتاد وملامحه المتصلبة تتسبب في كآبة تكاد تغطي أرض النخيل والكروم المشمسة تلك. نظر السيد أجار روك عن يمينه وشماله بعينين تلمع فيهما شكوك كبيرة. وبينما هو كذلك، رأى شخصين يقفان على الجسر الذي يعلو موضعه، وكانت هيئتهما واضحة أمام مشهد غروب الشمس شبه الاستوائية في السماء الصافية؛ وهما يقفان في وضعية خاطفة كانت ستجعل الشكوك تدب في رجل أقل تشككا منه.
كان أحدهما بارزا، حيث كان يقف تماما عند زاوية انعطاف الطريق أعلى الوادي، كما لو أن موضعه هذا هو مكانه الطبيعي وكما لو كان وضعه الجسماني يشبه تمثالا. وهو يرتدي معطفا كبيرا أسود اللون على طريقة اللورد بايرون، ورأسه الداكن يعتلي ذلك المعطف بصورة جميلة ليصبح قريب الشبه كثيرا برأس اللورد بايرون. كان للرجل الشعر المجعد نفسه مع أنف مكور؛ وبدا وكأنه يحمل سمات التذمر والاحتقار والسخط نفسها تجاه العالم. وقد أمسك في يده عصا طويلة، أو عكازا، لها رأس رمح من النوع الذي يستخدم في تسلق الجبال، فكانت في تلك اللحظة توحي بشكل غريب بأنها رمح حربي. ومما يزيد من غرابة الموقف هو شيء مناقض بطريقة هزلية فيما يخص شكل الرجل الآخر، ذلك أن الأخير كان يحمل مظلة. وهي جديدة ومطوية بإتقان، وتختلف كثيرا على سبيل المثال عن مظلة الأب براون، وكان الرجل يرتدي زيا أنيقا خفيفا وكأنه كاتب في عطلة؛ وهو ذو بنية جسدية بدينة وقصيرة وله لحية، لكن مظلته كانت ممدودة ومرفوعة بل كان أيضا يلوح بها وكأنه سيهجم بها على الرجل الآخر. فاندفع الرجل الطويل نحوه، لكن اندفاعه هذا كان بغرض دفاعي؛ ثم سرعان ما تحول الأمر إلى مشهد كوميدي؛ ذلك أن المظلة فتحت من تلقاء نفسها وبدا أن صاحبها قد اختفى خلفها، بينما بدا الرجل الآخر وكأنه يدفع برمحه خلال درع حربية كبيرة وغريبة، لكنه لم يكمل هجومه، ولم يطل النزاع بينهما؛ فقد أخذ رمحه واستدار بسرعة وسار على الطريق؛ بينما اعتدل الرجل الآخر في وقفته وبدأ يطوي مظلته بإتقان ثم استدار هو الآخر إلى الجهة المقابلة نحو الفندق. لم يسمع روك أي كلمة من الكلمات التي قيلت، والتي لا بد وأنها سبقت هذا الشجار السريع والعبثي، لكنه أثناء سيره على الطريق في إثر الرجل القصير ذي اللحية، جال برأسه الكثير من الأشياء. فقد كان المعطف الرومانسي الذي يرتديه الرجل وحسن ملامحه الأوبرالية، جنبا إلى جنب مع ثقة الرجل الآخر القوية بنفسه، تتلاءمان مع القصة التي أتى ليبحث بشأنها؛ وعلم أن هذين الرجلين الغريبين كانا: رومانيس وبوتر.
وقد تأكدت وجهة نظره بشتى الطرق حين دلف إلى الشرفة المدعمة بالأعمدة؛ وسمع صوت الرجل ذي اللحية مرتفعا وكأنه يجادل شخصا أو يعطيه أمرا. كان يتحدث بلا شك إلى مدير الفندق أو أحد العاملين به، وسمع روك ما يكفي ليعلم أنه كان يحذرهم من رجل خطير وغريب يوجد في الجوار.
كان الرجل القصير يقول ردا على غمغمة من الشخص الآخر: «لو أنه قد نزل بالفندق بالفعل، فلا يسعني سوى أن أقول إنه يجدر بكم ألا تسمحوا له بالدخول مرة أخرى. ينبغي على شرطتكم أن تبحث عن رجل من هذه النوعية، لكن على كل حال، لن أسمح له أن يزعج السيدة.»
أنصت روك لحديث الرجل في صمت تام وقناعة متزايدة؛ ثم انسل عبر المدخل نحو تجويف صغير حيث استطاع أن ينظر في سجلات الفندق، وحين فتح آخر صفحاته، رأى أن «الرجل» قد نزل بالفندق بالفعل. كان ينظر إلى اسم «رودل رومانيس»، تلك الشخصية العامة الرومانسية، وكان الاسم مكتوبا بحروف كبيرة ومنمقة؛ وبعد مسافة تحته وجد اسمي هيباتيا بوتر وإليس بوتر ملتصقين بعضهما ببعض، وكانت أسماؤهما مكتوبة بحروف صحيحة وبخط يد يغلب عليه الطابع الأمريكي.
نظر أجار روك حوله بعينين نكدتين، فرأى فيما يحيط به بل وحتى في أبسط تفاصيل زينة الفندق كل شيء كان يكرهه بشدة. ربما من غير المنطقي أن يتذمر المرء بشأن نمو ثمار البرتقال على أشجار البرتقال، أو حتى في الأصص الصغيرة؛ فماذا عن نموها على تلك الستائر البالية أو ورق الحائط الباهت كشكل من أشكال الزينة، لكن هذه الأقمار الحمراء والذهبية والتي تتخللها أقمار فضية مزخرفة بدت وبصورة غريبة بالنسبة إليه هي قمة العبث؛ فقد رأى فيها ذلك التدهور الحسي الذي تستنكره مبادئه فيما يخص الأساليب الحديثة، كما ربطت تحيزاته وعلى نحو مبهم بينها وبين دفء الجنوب ونعومته. بل أزعجه أيضا أن يرى قطعة من قماش داكن، تبرز نصف لوحة للرسام واتو عن راع يمسك بجيتار، أو أن يرى قرميدا لونه أزرق منقوش عليه رسمة شائعة لكيوبيد وهو يمتطي دولفينا. وكان منطقه السليم سيخبره بأنه ربما رأى هذه الأشياء في واجهة عرض أحد المتاجر في الجادة الخامسة، لكن في مكانها هذا، بدت تلك الأشياء وكأنها تسخر من وثنية شعوب البحر المتوسط. ثم فجأة، بدا أن مظهر كل هذه الأشياء يتغير، تماما كما لو كانت مرآة ثابتة تضطرب الصورة التي تعكسها حين يمر أمامها جسد شخص ما؛ وسرعان ما أدرك أن الغرفة تعج بحضور شخص يتطلب منه كامل انتباهه. استدار روك استدارة خفيفة وكأنه كان يقاوم النظر، وأدرك أنه يقف في مواجهة هيباتيا الشهيرة، التي قرأ وسمع عنها كثيرا ولسنوات طويلة.
كانت هيباتيا بوتر — أو هيباتيا هارد سابقا — هي أحد أولئك الأشخاص الذين تنطبق عليهم قطعا كلمة «متألق» بل ويمكن أن نذهب إلى أن الكلمة مشتقة منها. ذلك أنها كانت تمثل ما قالته الجرائد بأن شخصيتها تشع منها. وكانت ستبدو جميلة بنفس الدرجة — وكانت ستبدو أكثر جاذبية بالنسبة إلى بعض الأذواق — لو أنها كانت تتميز بالتحفظ وضبط النفس، لكنها تعلمت دوما أن تعتقد بأن التحفظ أو ضبط النفس ما هما إلا ضرب من الأنانية. كانت تقول إنها أفنت نفسها في ذلك، لكن ربما الأصح هو أنها وجدت نفسها، وهي تؤمن إيمانا لا يتزعزع بما تقوم به؛ لذا فإن عينيها الزرقاوين اللامعتين كانتا أخاذتين، كما في التشبيه المجازي القديم الذي يشبه العينين بسهام كيوبيد، التي توقع في الحب حتى ولو كانت على بعد مسافة كبيرة عنك؛ لكن عينيها أيضا كانتا تمثلان مفهوم الغزو المجرد الذي يتخطى أي مفهوم للتدلل والغزل. وقد صففت شعرها الأشقر بطريقة تشبه هالة مقدسة، فبدا وكأنه يشع ضوءا كهربائيا. وحين عرفت أن الرجل الغريب أمامها هو السيد أجار روك من جريدة مينيابوليس ميتيور، لمعت عيناها أكثر فكانتا أشبه بأضواء البحث القوية التي تجوب آفاق الولايات المتحدة.
ولكن السيدة كانت مخطئة في هذا؛ كما هي في بعض الأحيان؛ ذلك أن أجار روك لم يكن هو أجار روك نفسه صحفي جريدة منيابوليس ميتيور، بل كان في هذه اللحظة مجرد أجار روك؛ وقد تنامى بداخله دافع أخلاقي كبير وصادق يتخطى جرأة المحاور الفظة. لقد خالجه شعور متضارب للغاية بالشهامة وبحس قومي تجاه الجمال، مع تلهف فوري للقيام بفعل أخلاقي من نوع معين — والذي كان يتسم بالقومية أيضا — لمواجهة مشهد رائع؛ ولتوجيه إهانة نبيلة. تذكر هيباتيا الأصلية، تلك الفتاة ذات الجمال الأفلاطوني المحدث، وتذكر كيف أنه كان مفتونا وهو صبي برومانسيات كينجزلي حيث يشجبها الراهب الشاب لكونها عاهرة ووثنية. قابلها روك بجاذبية الحديد للمغناطيس وقال:
«عذرا سيدتي، أريد أن أتحدث معك على انفراد.»
قالت السيدة بينما كانت تمسح الغرفة بنظراتها الرائعة: «في الواقع، لا أعلم إن كنت تظن أن هذا المكان يمنح الخصوصية التي تنشدها أم لا.»
مسح روك أيضا الغرفة بعينيه ولم ير أي إشارة على حياة حوله سوى أشجار البرتقال، عدا ما بدا وكأنه فطر عيش غراب أسود كبير، وهو ما أدرك أنها قبعة أحد القساوسة من السكان الأصليين، والذي جلس يدخن في برود سيجارا محليا ذا لون أسود، وكان القس ثابتا لا يتحرك وكأنه نبات. نظر روك للحظة إلى ملامح القس الحادة والخالية من التعابير، ولاحظ وقاحة ذلك الشخص الريفي، حيث يكون القساوسة في معظم الوقت من الريف وذلك في البلدان اللاتينية وخصوصا في البلدان الأمريكية ذات الأصول اللاتينية؛ ثم خفض روك من نبرة صوته قليلا بينما ضحك وقال:
«لا أتخيل أن ذلك القس المكسيكي يتحدث لغتنا، فأولئك الكسالى لا يتعلمون أي لغة سوى لغتهم التي يتحدثون بها. أوه، لا يمكنني أن أجزم إن كان مكسيكيا، فقد يكون ذا جنسية أخرى، أفترض أنه قد يكون هنديا هجينا أو زنجيا، لكنني أجزم أنه ليس بأمريكي. إن مؤسساتنا الكهنوتية لا تقدم مثل هذا النوع المنحط من القساوسة.»
قال المنحط وهو يبعد السيجار الأسود عن فمه: «في الواقع، أنا إنجليزي واسمي براون، لكنني سأغادر إن كنتما تريدان الانفراد بعضكما ببعض.»
قال روك بحرارة: «إذا كنت إنجليزيا فينبغي أن تتمتع بغريزة أوروبية لرفض كل هذا الهراء. في الواقع، يكفي أن أقول الآن إنني في موضع يجعلني أشهد أن هناك رجلا خطيرا يتجول في الأرجاء من هذا المكان؛ إنه رجل طويل القامة يرتدي معطفا مثل ذلك المعطف الذي نراه في صور الشعراء المجانين.»
قال القس بنبرة معتدلة: «حسنا، لا يمكن أن نستفيد كثيرا من هذه المعلومات، فمعظم الناس هنا يرتدون هذا المعطف؛ ذلك أن الأجواء تصبح باردة فجأة بعد الغروب.»
رمقه روك بنظرة تنم عن ارتياب؛ وكأنه يشك في وجود شيء من مراوغة بشأن كل ما تمثل له من خلال القبعات التي على شكل فطر عيش الغراب وضوء القمر. ثم قال متذمرا: «ليست المشكلة في المعطف وحده، رغم أنها تعود جزئيا للطريقة التي كان يرتديه بها. لقد كان مظهر الرجل دراماتيكيا، كل شيء فيه حتى وسامته دراماتيكية. وإذا ما أذنت لي سيدتي، فإنني أنصحك وبشدة ألا تتعاملي معه إطلاقا، إذا ما أتى إلى هنا وسبب لك إزعاجا. لقد طلب زوجك من طاقم الفندق بالفعل أن يمنعوه من الدخول.»
انتفضت هيباتيا واقفة على قدميها، وبإيماءة غير اعتيادية مطلقا غطت وجهها ودفعت بأصابعها بين شعرها. بدت وكأنها ترتعش، وربما كانت مخنوقة بعبراتها، لكن حين عادت إلى حالتها الطبيعية كانوا قد انفجروا في نوبة من الضحك.
قالت هيباتيا: «أوه، أنتما مضحكان للغاية.» وبطريقة غير معتادة منها، تملصت منهما وانطلقت كالسهم نحو الباب واختفت.
قال روك بنبرة تنم عن شعوره بعدم الارتياح: «إنهن عادة ما يكن هيستيريات بعض الشيء حين يضحكن بهذه الطريقة.» ثم شعر وكأنه في حيرة من أمره، فقال للقس وهو يلتفت له: «كما كنت أقول، إذا كنت إنجليزيا، فينبغي لك حقا وعلى كل حال أن تتخذ نفس موقفي تجاه هؤلاء اللاتينيين. أوه، أنا لست من نوعية من يتحدثون هراء بحق الشعوب الأنجلوسكسونية، لكن هناك ما يسمى بالتاريخ. يمكنك دوما أن تقول بأن أمريكا تستقي حضارتها من إنجلترا.»
قال الأب براون: «ولتهدئة كبريائنا أيضا، ينبغي أن نعترف أن إنجلترا تستقي حضارتها من اللاتينيين.»
اتقد في ذهن الآخر مرة أخرى إحساس ساخط بأن محاوره كان يحاول أن يضع جدارا بينهما — وأن محاولته تلك كانت دفاعا عن الجانب الخطأ — وذلك بطريقة تتسم بالغموض والمراوغة؛ وهو يعترف باختصار أنه فشل في أن يدرك السبب وراء ذلك.
قال الأب براون: «في الواقع، كان هناك ذلك الرجل اللاتيني — أو ربما كان وغدا لاتينيا — والذي يدعى يوليوس قيصر، وقد قتل فيما بعد في مبارزة بالسيف؛ أنت تعلم أن هؤلاء اللاتينيين دوما ما يستخدمون السكاكين. ثم كان هناك شخص آخر ويدعى أوغسطينوس، والذي أدخل المسيحية إلى جزيرتنا الصغيرة؛ ولا أعتقد حقا أننا كنا سنصبح متحضرين كثيرا لولاهما.»
قال الصحفي الذي كان يشعر بالانزعاج إلى حد ما: «على كل، هذا تاريخ قديم، وأنا مهتم أكثر بالتاريخ الحديث. إنني أرى أن هؤلاء الأوغاد يحضرون الوثنية إلى بلادنا، ويدمرون المسيحية الموجودة بها. كما أنهم يدمرون كل ما هو موجود من منطق سليم. إن كل العادات الراسخة والنظم الاجتماعية الثابتة، والأساليب التي استطاع المزارعون الذين هم آباؤنا وأجدادنا من خلالها أن يعيشوا في هذا العالم قد ذابت لتصبح ثريدا بفعل الأنباء المثيرة والشهوانية عن نجوم السينما الذين يطلقون كل شهر أو نحو ذلك، والتي تجعل كل فتاة سخيفة تعتقد بأن الزواج ما هو إلا وسيلة لتحمل لقب مطلقة.»
قال الأب براون: «أنت محق تماما، وبالطبع أتفق معك كثيرا في هذه النقطة، لكن ينبغي أن نجد بعض الأعذار. ربما كان هؤلاء الجنوبيون عرضة لهذا النوع من الأخطاء. لا بد وأن تتذكر أن لشعوب الشمال أخطاء من نوع آخر. ربما كانت الأجواء المحيطة هنا تشجع الناس على أن يعطوا أهمية كبيرة للأمور الرومانسية البحتة.»