Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
متى رأيت أبا ناصيف عائدا من حقله، في أخريات أماسي أيلول المغبرة السماء، تذكرت قول الشاعر: «ما للجمال مشيها وئيدا»!
ولكن صاحبنا لا يحمل جندلا ولا حديدا، بلا سلا من التين المشرح، يشده إلى صدره بحبل من الشعر؛ ليحمل في يده اليمنى قفة فيها الزبيب ونوع آخر من التين المجفف. فالتين والدبس والجوز والزبيب حلاوة الفلاح اللبناني ونقله شاتيا، ومتربعا. ويأكل بعضها ويدخر البعض الآخر لقرى الضيوف وسلوى السامرين عنده في ليالي الشتاء المعربدة.
على هذا درج اللبنانيون القدامى الذين جعلوا من هذه الجبال حصونا لهم منيعة، وأحبوا أرضهم بقلوبهم وسواعدهم، فما تغنوا بها، بل استنبتوها مواسم وخيرات، وجعلوها أما يفيض حنانها لبنا وعسلا وزيتا، فتمتلئ الخوابي وتكتمل المؤن، وإذا بالقروي سلطان في بيته الصغير، يهزأ بالأزمات والأعاصير.
كان أبو ناصيف يمشي متثاقلا تحت حملين: حمل واقعي، وهو نحو ربع قنطار، وحمل معنوي، وهو التفكير بما عساه يبقى له ولأولاده من تلك الغلة التي سقى أشجارها بعرق الجبين و«زوم» العينين.
كان يفكر بالمير وضرائبه السخنة … وها هو يمشي ويردد بصوت مسموع: «في كل يوم جباة وعسكر، خيالة وأغوات يثقلون على الناس ويكبسون البيوت، كل مدة نسمع بضريبة جديدة: هذي اسمها ميري، وواحدة اسمها شاشية، وثالثة اسمها بزرية».
ثم حط السل على حائط ليستريح قليلا وصاح: «ورابعة اسمها ضربة تفك رقابهم من كبيرهم إلى صغيرهم! ما خبرنا أحد من جدودنا بمثل ظلم المير بشير قاسم. الله لا يرده!»
ونظر أبو ناصيف إلى التينات الخضر المشققة الأفواه، فخالها تضحك له ولأهله، فهز رأسه بحسرة وقال: «ما أكرم الأرض وما أوفاها! أطعمها تطعمك.»
ورأى الهواء يتغير، فحمل سله ومشى وهو يقول: «أيلول طرفه بالشتا مبلول. نشكر الله، سلم التين هذه السنة، وما حمض منه شيء ولا اسود. الموسم مليح هذه السنة، ولكن من يشبع سيدنا المير؟ … أفظع من حوت مار جرجس!»
وما بلغ المصطبة حتى كانت امرأته في انتظاره، فهرولت نحوه لتعاونه على حط الحمل عن ظهره، فقال لها وهو يطحر: «هذه أكلة تين مشبعة! ودعوا الصيف …»
فضحكت لولو للتينات المنثورة على وجه السل متعجبة كيف وجدها زوجها، مع أن التين ساب منذ منتصف أيلول. والمثل يقول: «بعد عيد الصليب كل أخضر يسيب».
وقعد أبو ناصيف بعدما أرسل زفرة مديدة، وانطوى على شرواله ينقي القطرب والشوك العالق بأذياله، ثم خلع عباءته القصيرة الأكمام، ونظر إلى ساقه التي هشمها العليق والقندول ولم يبال، بل قال لزوجته بصوت المفجوع بعزيز: «صحيح قول المثل يا لولو، لو كان للصيف أم كانت تبكي عليه.»
فاستضحكت أم ناصيف وقالت: «لولا الشتاء يا ابن عمي، ما كان الربيع، ولولا الربيع ما كان الصيف …»، ثم تناولت الإبريق والصابونة وأخذت تصب الماء على رأس زوجها.
وخطرت على بال أبي ناصيف السياسة، فحول وجهه الممرغ بالصابون صوب امرأته وقال: «أيش الأخبار اليوم؟»
فصاحت الزوجة: «ما أفضى بالك! غسل! الصابون على رأسك ووجهك، وتسأل عن الأخبار؟»
فحرن الرجل وقال: «قلت لك هاتي الأخبار … احكي واسكبي.»
فهزت المرأة برأسها، فرفع وجهه نحوها، وأغمض عينيه ليقيهما لذع الصابون، وأخذ ينتظر قص الأخبار …
وراحت المرأة تتأمل زوجها، والصابون يكسو وجهه ورأسه، رأت شاربي الزناتي خليفة نائمين تحت أنفه الأفطس، وقد بانت أذناه بوضوح حين نام الشعر تحت الماء والصابون، فخالتهما مروحتين صغيرتين … وبلا وعي صبت الماء بغتة، فانتفض أبو ناصيف بعنف، وشتم شتائم تعود أن يجود بها في مثل تلك الساعة. وإذ رأت لولو أن لا بد من سرد حوادث النهار، وإلا علق الشر، قالت لزوجها: «أخبار سودا يا رجل! رجع المير بشير، والضيعة قائمة قاعدة! …»
فانتفض الرجل وقال: «رجع المير بشير! يا للقرد! من خبرك؟ من حمل هذه البشاير المنحوسة؟ كيف رجع لوسيفوروس بعدما قلنا: راح واسترحنا منه؟»
فهزت المرأة كتفها اليسرى هزات عنيفة وقالت بنبرة: «أنا عارفة؟ رجع!»
فصاح الرجل: «وإيش يهم المرأة، إن نزل بشير أو ركب حسن؟» وطفق يسمعها من أحماض الكلام، لعلها ترد عليه بكلمة فيضربها كفين وينفش؛ ولكنها سكتت لأنها تعرف طباع زوجها.
واشتد عليه لذع الصابون فصرخ: «اسكبي، اسكبي … غضب الله عليك وعلى أخبارك.»
فاحمر وجهها حتى كاد يزرق، وصبت الماء بنزق، فصرخ بها: على مهلك! … فرحت برجعة المير يا مستورة؟ رجع الزنبور للوكر … قبل الصباح تملأ خيالته البلاد، وينتشر العسكر، ويأكل الأخضر واليابس. ما على ضرس هذا الباغي مر … من يرد ظلمه عنا؟ الشعب ميت. قتل أولاد باز، وأعمى أولاد عمه، وقهر عامية أنطلياس، وأشبع رجال عامية لحفد قتلا. راح وقلنا استرحنا من شره، فما ترقينا شيئا. المير عباس كان أبشع منه. الله يرحمك يا مير يوسف! هذاك أبو الفلاحين، هذا حبيب قلبنا نحن أهل بلاد جبيل. يدبرها الله. اسكبي يا مرة.»
وتناول فوطة نشف بها الماء عن وجهه ورأسه، ثم أخذ يقلع ثيابه بنزق وحمية، فقالت له زوجته: «سألوا عنك.»
– وأين كان عقلك يا ذكية؟ كنت خبرتيني لما وصلت. ما هو السبب؟ قولي، عجلي، من سأل عني؟
– الشدياق سركيس، وكل من على «الغرض».
– قالوا لي: إلى الاجتماع في الكنيسة.
– ومن معهم؟ عمي الخوري معهم؟
– هذا خوري جبان، ضعيف، خزى الله أمثاله! … عرفت أين هو؟