Tap any word for a breakdown, translation and native audio.
في جزء من العاصمة الكبيرة، يشار إليه في خريطة لندن الموجودة عند المدير العام لهيئة البريد بالمنطقة الشمالية الغربية، ثمة مجموعة أو عدد متشابك من الشوارع الضيقة، والميادين، والساحات، والأزقة، تكتظ منازلها المتقوضة القذرة بالرجال والنساء والأطفال، الذين (باستثناء عمال المرافئ ونساجي مقاطعة سبيتالفيلدز) ربما يعانون «لتلبية متطلبات حياتهم الأساسية» أكثر من أي مجموعة مناظرة لهم من رعايا الملكة. إن الحي من النوع الذي ربما يأمل أوموليجان ابن مدينة بالي موليجان (أحد معارف السيد ثاكاري) أن يجد فيه غرفة يستأجرها تكون مناسبة لموارده المالية، إذا لم تكن مناسبة لذوقه أيضا، لكن أي رجل من الطبقة الاجتماعية العليا يسكن قريبا من ذلك المكان ربما يلتمس له عذر معقول كذلك عندما لا يلح في استضافة أصدقائه هناك، ويفضل أن يعطي عنوانه للناس على «النادي». ربما يكون بعض قرائي قد سمعوا عن المنطقة التي أشير إليها — والقليل منهم قد يعرفها — تحت اسم سومرز تاون.
في غرفة داخل واحد من أفضل المنازل الكائنة في واحد من أفضل الشوارع في هذا الحي، وهي غرفة وصفت في شهادات متضاربة من نواح أخرى بأنها «علية بائسة»، ومنذ سنوات قليلة مضت، كان رجل عجوز وحيد لا أصدقاء له يحتضر ببطء؛ وحيث إنني في الحقيقة، لا أكتب قصصا خيالية، وإنما أدون تاريخا في قالب أدبي، فربما يكون من الجيد أن أتحرى الدقة وأن أعتني بالتفاصيل بعض الشيء، وأقول إن هذه القصة تبدأ في الثامن والعشرين من شهر فبراير، سنة ١٨٤٧. كان ذلك في صباح يوم الأحد. كان العجوز يدعى كاريه؛ ماتورين كاريه. كان في السابعة والسبعين من عمره، وكان يبدو عجوزا تماما كسنه الموضح في سجل المعمودية الذي دون فيه. كان كاريه من مواليد فرنسا، لكنه عاش سنوات عديدة في لندن. جاء إلى لندن من جزيرة جيرسي، وكان قد وصل إلى تلك النقطة المتنازع عليها قادما من جنوب فرنسا.
إن من عرفوه جيدا من الناس، مع استثناء واحد، قد رثوا لحاله أشد الرثاء؛ فقد انتزع سنه، وعلامات الفقر الخارجية البادية عليه، الكثير من المجاملات اللبقة من الأيرلنديين المعوزين المتعصبين للدين الذين كانوا يترددون على المعبد الروماني الكاثوليكي المجاور لمنزله، وفي الوقت نفسه حجبه ذلك جيدا جدا عن أن ينتبه له الأعضاء الأغنى في تلك الطائفة، لدرجة أن من الواضح أنه لا المحامي الذي سيبرز في هذه القصة، ولا القس الذي أقسم فيما بعد أنه ظل على مدار ثلاث سنوات قبل وفاة كاريه المرشد الروحي له، كانا في تلك اللحظة تحديدا على دراية بوجود مثل ذلك الشخص. يظن البعض أنه لم يذهب قط إلى حجرة الاعتراف، ويقال إن ذهابه إلى الكنيسة كان بغرض الحصول على الإعانات المادية أكثر من كونه للحصول على الإرشاد الروحي أو المواساة النفسية.
أحاط بالرجل غموض لم يهتم أحد بالنفاذ إلى غوره؛ فقد سمعت بعض الشائعات عن زيجة كان هو أحد طرفيها؛ ووجود زوجة مخلصة، وطفل، لكن هذه الشائعات تلاشت بالسرعة نفسها تقريبا التي راجت بها. لم يكن مورد رزقه الأساسي معروفا. اعتقد البعض أنه كان يجني القليل من الشلنات بين الحين والآخر من تدريس لغته الأم ولغات أخرى. لقد كان، في الحقيقة، في بداية حياته يتكسب من هذا العمل في كثير من الأحيان، وظل يجني القليل من المال من التدريس إلى أن أنهك تماما على يدي المرض الذي جعله على مقربة من شبح الموت المروع.
ربما يهم القارئ كذلك أن يعلم أن ماتورين كاريه كان لاجئا سياسيا، وأن سبب نفيه هو ارتباطه بما آل إليه مصير الملك شارل العاشر من السقوط وزوال عرشه؛ فقد ظل لسنوات كثيرة يتقاضى معاشا من اعتماد مالي خصص لإعالة اللاجئين المنتمين لهذا الحزب. لقد بلغ هذا المعاش في وقت من الأوقات أربعين جنيها في السنة، لكنه تقلص إلى خمسة عشر جنيها.
عندما كان تحفظه المعتاد يتخلى عنه، كان يحكي قصصا عن روبسبير وعهد الإرهاب، وليس ثمة مبرر لاتهامه بالكذب عندما أصر على أنه لو كان رضي بالعمل تحت إمرة الطاغية العديم الرحمة، لربما كان أدى دورا مهما في الأحداث المثيرة المروعة للثورة الفرنسية، بدلا من إرغامه على أن يجد الأمان في منفى بائس.
لكن الشائعات المثيرة حول وجود زوجة وطفل كانت محض تخيلات. إنه لأمر مشكوك فيه إن كانت طبيعته المنفرة تلك قد ألانتها مشاعر الحب الرقيقة يوما. لقد كان أعزب، وظل وقتا طويلا وبصورة مطردة يظهر بغضا شديدا لمجتمع النساء. يقال إنه كان يؤدي جميع الأعمال المنزلية بنفسه ما دام ذلك ممكنا، وإن سريره في سومرز تاون لم تسوه أو تنظمه قط، بقدر ما يعلم، أي جنية أو حيزبون في صورة بشرية. كان يأكل أبسط وأرخص طعام معروض للمشترين في الأسواق التي لا تحوي شيئا من أسباب الرفاهية. إذا تخيل القارئ أبأس حالة قد يتحملها عجوز وحيد، فسيكون عنده تصور حقيقي لنوعية الحياة التي كان يحياها ماتورين كاريه.
لقد وصفت الرجل العجوز بأنه يحتضر. لقد كان مدركا للأمر، لكنه كان يتوق، كحال جميع البشر تقريبا — ولا يستثنى من ذلك أكثرهم بؤسا وكآبة — إلى أن يطيل ما تبقى من أيام حياته إلى أقصى مدى لها. إن أعمال البر المسيحية، في نهاية الأمر، ليست نادرة جدا كما يقال عنها في الغالب؛ فالرعاية الطبية، في جميع الأحوال، في متناول أكثر الناس فقرا وأبعدهم عن الأنظار، واستشارة الطبيب ودواؤه، مبذولان دون أجر لكل من يختار أن يطلبهما بهذه الشروط. لم يكن ماتورين كاريه مسنا متكبرا. لقد طلب معونة طبيب، يعمل لحساب الكنيسة التي يتردد عليها، وقد أمر ذلك السيد المحترم بزيارة المنفى. وقد مر عليه ليزوره في وقت مبكر جدا من صباح يوم الأحد، الموافق الثامن والعشرين من شهر مارس، سنة ١٨٤٧.
كان المريض البائس ممددا على شيء كالصندوق، بدلا من هيكل السرير. عندما جاء الجراح، بعد قداس مبكر، ليزوره ويصف الدواء اللازم لحالته، كان مالك المنزل، الذي أوصل الابن البار لأسكوليبيوس إلى العلية، حاضرا في مقابلة جرت بينهما، وانتبه إلى محادثتهما.
كان واضحا للعين الثاقبة غير المتخصصة، مثلما كان واضحا لأمهر العيون في تشخيص الأمراض، أنه لم يتبق في حياة ماتورين كاريه الكثير، ولا يستطيع أي مالك منزل ألا يكترث تماما لمصير مستأجر لديه يحتضر؛ لذا نستطيع أن نلتمس له العذر لوجوده طرفا ثالثا في هذا الموقف. مما يجدر بالملاحظة، رغم هذا، أن المريض اليائس الذي يكابد الألم لم يكن راغبا على الإطلاق في المشاركة في تلك المواساة الروحية، التي قيل لي إن المذهب الكاثوليكي قد يغدقها في مثل هذا الوقت بسخاء أكبر مقارنة بالمذهب البروتستانتي.
لم تكن هذه أول زيارة للطبيب لكاريه، وقد أوصى رجل الطب من قبل باستدعاء أحد الكهان، لكن نصيحته كانت أبغض من محتويات زجاجاته وعلب حبوب الدواء التي معه. في صباح يوم الأحد الذي أتحدث عنه، كرر الجراح اقتراحه البغيض. كانت النزلة الشعبية قد عملت عملها تقريبا في جهاز تنفسي واهن. كان من الممكن، أن تلقى الأدوية للكلاب، أو في مجرى الصرف العام، كما تلقى لنصير أسرة بوربون الزائلة المحتضر في حلقه الصافر المصاب بعسر التنفس. لم تكن وسيلة الراحة الحقيقية الوحيدة للمريض المتألم تحفظ في القدور الخزفية التي يستخدمها الصيادلة، ولا في درج أحد الجراحين. لم يكن عند كاريه موارد مالية ظاهرة لشراء الغذاء المناسب لرجل على حافة الموت، ولم يكن ثمة مال تحت تصرف الطبيب لينفقه على إحضار وسيلة الراحة تلك.
قال الطبيب بالفرنسية، بعدما جس نبض مريضه؛ إذ كان فرنسيا: «حسن، حسن. أصغ إلي جيدا من فضلك، أعتقد أن حالتك قد صارت أسوأ قليلا مما كانت عليه أول أمس، هل أطلب من الأب أندروز أن يأتي لزيارتك؟»
هز العجوز رأسه بمشقة، وغمغم بكلمة ممانعة.
«سأرسل لك ترياقا آخر.» هكذا أجاب الجراح، الذي أدرك من الصدمة التي سببتها نصيحته السابقة أن اقتراب الموت لم يثر المشاعر الدينية الكامنة في المريض.
بعد لحظات قليلة قال الطبيب ملتفتا بعينيه جهة مالك المنزل: «أعتقد أنه يجدر بصديقنا أن يأذن لي باستدعاء الأب توماس.» وكأنما أراد أن ينال مزيدا من التأثير من هذه الجهة، وعلى أمل أن اعتراضا شخصيا من المريض على الكاهن الذي ذكر اسمه أولا، هو ما أدى على الأرجح إلى رفض خدماته الكهنوتية.
أبدى مالك المنزل موافقته على هذا الرأي، لكن المستأجر صرخ بغتة وبتشنج قائلا: «لا!» وارتمى على الفراش.
كان واضحا جدا أن السيد كاريه لم يرغب في الاستفادة من المواساة النفسية التي يقدمها الدين الذي يعتنقه. عساي لا أستطيع القول إن من المؤكد أنه لم يكن يؤمن بفعالية الدين الذي يعتنقه! أليس من المعقول افتراض أن يكون الرجل المحتضر قد ظل لفترة من الزمان، وحتى هذه اللحظة، غير مؤمن بالأديان كلها، وأنه بالرغم من عدم غفلته عن يد الموت التي أمست فوقه، فإن اقترابها لم يخترق الظلام الذي ولدته في نفسه الأنانية غير المؤمنة، وفقدان التعاطف المتبادل بينه وبين رفاقه، طوال حياته المنعزلة؟ دون توسع في الافتراض، فإن من الممكن يقينا أن يدون بوصفه حقيقة، أن ماتورين كاريه لم يكن، في صباح يوم الأحد ذاك، مؤهلا لأن يعد «كاثوليكيا صالحا». هكذا اعتقد الطبيب، ورغم أنه لم يرغب، بناء على ذلك، في التراجع عن الوجود إلى جوار سرير العجوز، ولم ينزع عندئذ إلى الاستياء من الكفر الفظ بعقيدته، بالتوقف عن إمداد الرجل بالدواء، فقد رأى أن ليس ثمة جدوى في هذا الموقف من المضي في تنفيذ نصيحته، التي اتسمت بكل مظاهر الطيبة التي لا شك فيها، والنزاهة، وملاءمة الوقت، بأن يستدعي له أيا من الكاهنين اللذين ذكرهما.
بعد دقائق قليلة، وبعدما تعافى المريض قليلا من الصدمة التي سببتها هذه المحادثة، انسحب الطبيب.
بينما كان يهبط على درجات السلم، لاحظ مالك المنزل ينزل خلفه مباشرة. لقد غادر ذلك الشخص العلية مع الضيف الجراح المحسن ليجامله مجاملة بسيطة بأن يفتح له باب الشارع ويغلقه خلفه، وفي أثناء ذلك تبادلا بعض الكلمات.
قال الجراح: «مسكين هذا الرجل، إن ما أستطيع أن أفعله من أجله إما قليل أو منعدم، إنه في حاجة لنبيذ البورت المحلى وجذور نبات المرنطة الاستوائي، وأشياء من هذا القبيل، لكن من المستحيل أن يتمكن من الحصول عليها. إنها حالة مثيرة للشفقة والحزن.»
أذهلت هذه الجمل المتجزئة مالك المنزل، لكن السبب وراء تأثيرها هذا لا يزال ممتنعا عن التعليل. كل ما نعرفه هو أن تحفظ المستمع قد زايله، وأنه تخلى في الحال عن سر حقيقي أو مدعى، كان قد ادخره مدة طويلة بوصفه سرا ذا قيمة.
رد مالك المنزل في شيء من التهور: «يا للهول يا سيدي! إن لديه الكثير من المال، فلتطلب ما تراه محتاجا إليه؛ فبإمكانه أن يشتري أي شيء.»
إن شخصا مدققا، أو بارعا في اكتشاف الأفكار الدفينة والمشاعر شبه المخبوءة، ربما كان سيتمكن من ملاحظة تغير طفيف يعلو وجه طبيب المؤسسة الخيرية الكاثوليكي غير المتحمس ذاك. لم يلاحظ مالك المنزل شيئا من هذا. هز الجراح رأسه المثقف، وكأنما شك في دقة المعلومة، ومضى في طريقه، وأغلق مالك المنزل الباب.
يبدو أنه كان لكلمات مالك المنزل تأثير غريب أو شاذ نوعا ما على عقل الطبيب.
في حين بدا الحصول على وسائل الرفاهية الصغيرة تلك مستحيلا، وصف الطبيب النبيذ وجذور نبات المرنطة؛ لكنه عندما أخبر أنها كانت في متناول يد المريض، عدها عبقري الطب هذا — تخمينا مما بدا من تصرفه — غير ضرورية. لقد أثارت ثروة الرجل المحتضر المزعومة اهتماما جديدا وغير عادي بسعادته الدينية.
عندما رأى الطبيب مريضه في البداية، نصحه بالتأكيد باستدعاء أحد القساوسة، لكنه، كما أسلفت، لم يلح في نصيحته؛ لكن الآن، وقد أصبح لديه مبرر ليفترض أن الرجل المحتضر لديه الكثير من المال، أضحى إنقاذ روحه أمرا ضروريا، إذا أمكن، ولو على خلاف إرادته؛ لذا لم يعد الجراح على الفور إلى بيته، وإنما توجه في الحال إلى الكنيسة القريبة منه، وأخذ يتشاور مع الأب أندروز.
اسمحوا لي الآن أن أقول كلمة أو كلمتين عن ذلك القس المتحمس. لن أحاول تصوير ملامحه بالقلم والحبر. إن صورة كاهن كاثوليكي لتشبه كثيرا صورة غيره من الكهنة الكاثوليكيين، لدرجة أنني لو فعلت لأرهقت القارئ من دون داع. إن النظام، أو المنظومة التي تسحق أو تقضي على التفرد العقلي للخبراء من عناصرها، تشوه بطريقة ما تلك الفروق البارزة التي تميز بها العناية الإلهية كل وجه بشري في طفولته. هل سبق للقارئ قبل ذلك قط أن رأى كاهنين كاثوليكيين يسيران في الشارع، جنبا إلى جنب؟ إذا كان قد سبق له هذا، فإنه ما لم يكن بينهما تفاوت كبير في العمر، أو ما لم تفق قامة أحدهما قامة أخيه بست بوصات، فلن يستطيع سوى أحد المعارف المقربين للغاية أن يكتشف فرقا واضحا في ملامحهما. إن وجهي أي كاهنين كاثوليكيين لهما العدد نفسه من سنوات العمر، عند التجاور معا، ليسفران عن تشابه بينهما تقريبا كذاك التشابه الوثيق بين حبتي بازلاء استخرجتا من قرن واحد؛ لذا سيكفي القول إن الأب أندروز كان رجلا مهيب المشية، يمشي على الأرض مشية من يدرك أن له سلطة هائلة على أقرانه. كان في الخمسين من عمره تقريبا، لكنه كان يواجه هموم الحياة وصرامة الكفارات التي كان يلزم بها نفسه، ببنية جسدية قوية، وربما لهذا السبب كان الناس يظنون أنه شاب أصغر من سنه الحقيقي. ولو كان الاستدلال بمظهره الخارجي على أي شيء من صفات شخصيته أمرا موثوقا ومأمونا، لكان هذا الشيء هو أن الأب أندروز له إرادة ماضية مستقلة، تسيطر على حذره الفطري، إن لم تكن تخضعه.
لقد كان مشهورا بكونه كاهنا متحمسا، لكنه لم يكن من طائفة اليسوعيين. كان في الواقع حريصا أشد الحرص على أن يعرف الناس أن رأيه في ممارسات وأتباع القديس إغناطيوس لويولا لم يكن إيجابيا.
ومع ذلك سأكون قد ظلمته إذا لم نعترف بما توضحه هذه القصة؛ وهو أنه كان يعد ازدهار وارتقاء مصالح كنيسته الهدف الأساسي، أو ربما الوحيد، لوجوده في الحياة.
هذا هو الشخص الذي قصده الطبيب من دون إبطاء. لم يكن الكثير من الوقت قد مر على انتهاء مراسم قداس مبكر كان قد أقامه حين دخل صديقه الكنيسة.